Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أثينا - تمثال - الثقافة اليونانية - بيغاسوس
أثينا - تمثال - الثقافة اليونانية - بيغاسوس

محمد المحمود

يرى فيلسوف التاريخ الإيطالي، فيكو، (ت1744) أن كل شعب قد مَرَّ بثلاثة عصور تطورية متتابعة: عصر الآلهة، وعصر الأبطال، وعصر البشر، أي عصر الإنسان.

ففي البداية كان ينتظم الوعيَ تصوراتٌ مُتَوهَّمةٌ حول الآلهة المُتعدِّدة التي تُديِر الواقع، ومِن ثَم تُصْبح هي، أي الآلهةُ، محورَ الاشتغال الذهني والعملي. وعندما تتطوّر المجتمعاتُ قليلا، تُحَاول تجاوز هذه المُتَخيَّلات، ولكن بإسقاط صفاتها أو بعض صفاتها على شخصيات واقعية، بل ومن ذات الجنس البشري، حيث تنسب إليها الأفعال الأسطورية التي يعجز عنها الآخرون.

وفي التطوّر الأخير، تتجاوز المجتمعاتُ تلك الأوهام حول البشر الاستثنائيين أو الأسطوريين أو الأبطال، وصولا إلى الاعتراف بأن الجميع يقفون في حدود بشريتهم المُحَدّدة والمحدودة، وأنهم، تبعا لذلك، متساوين.  

يُلاحَظ هنا أن العَصْرين: الأول (عصر الآلهة) والأخير (عصر البشر)، يصدران عن وَعي أولي بالمساواة؛ بقدر ما يُنْتِجَان المساواةَ ويُثَبِّتَانها. وبذا وذاك يَتَخَلَّق الوعيُ العميق بالمساواة، فيتحقّق عصر الإنسان الحر الليبرالي الذي يحكم مصيره بعيدا عن قهر أخيه الإنسان.

بينما نجد أن العصر الثاني (أي الأبطال) هو العصر الذي يُؤمن بتراتبية البشر، أي أن ثمة بشرا أعلى من سائر البشر، وأن "هؤلاء الأعلى"، "هؤلاء الاستثناء" يمتلكون مُمَيّزات نوعية خارقة (ذات مواصفات إلاهيّة !) لا يمتلكها غيرهم من سائر الناس، وبالتالي، يحق لهم ما لا يحق للآخرين، فهم، وفق منطق الادعاء البطولي الزعماتي التقديسي، يقعون خارج قانون الحقوق والواجبات الذي ينتظم الجميع، أو يجب أن ينتظم الجميع.

يزعم فيلسوف التاريخ، فيكو، أن هناك من الشعوب القديمة من عرفت كل هذه العصور وعاشتها. وفي تقديري أن هذا غير صحيح، أو هو غير صحيح بالدرجة الكافية التي تجعل منه تحوّلا نوعيا في حياة مسار شعب ما.

ففي هذا العصر الراهن وحده (العالم المُتَغَرِّب)، هذا العصر الذي هو نتاج تراث التنوير العظيم، ظهرت إنسانية الإنسان بحق، ظهر الإنسان كقيمة بذاته بعيدا عن كل الصفات والانتماءات الإضافية، ظهر على هذه الحال كأنموذج وعي عام مُنَمْذَج؛ بقدر ما هو مُفَلْسَف، نموذج يُرَاد له الرواج؛ بصرف النظر عن الأعطاب التي طالت تحقّقاته الواقعية؛ وبصرف النظر عن التطور المتلاحق الذي جعله مسارا أو صيرورة نحو غاية اكتمال؛ دون أن يبلغها بحال. ولهذا تنوع واختلف في الزمان والمكان. 

على أي حال، لا يعني هذا أن كل المجتمعات في عصرنا قد دخلت إلى فضاء "عصر البشر"، أو، بالتعبير الأدق، إلى فضاء "العصر الإنساني". هناك مجتمعات لا تزال تعيش عصر الآلهة، مع اختلاف في الصياغات اللاّهوتية، وفي صُور التَّعبّد، وفي نوعية المُسْتَهدفات.

وهناك مجتمعات لا تزال تعيش عصر الأبطال، عصر عبادة البشر في صورٍ ونماذجَ شَتىّ. وهناك الآن المجتمعات المُتَغرِّبة المتحضرة التي تعيش بحق عصر الإنسان.    

ولمزيد من الإيضاح أقول: مِنْ حيث التوقيت الفيزيائي، فإن كُلَّ المجتمعات اليوم تعيش عام 2022، ولكن  بالتوقيت الحضاري والإنساني الأمر مختلف ومتباين جدا.

ثمة مجتمعات تعيش بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، وهي التي تُشَكّل أفق التوقيت الفيزيائي، ولكن ثمة مجتمعات أخرى تعيش أزمنة حضارية إنسانية مختلفة ومتخلّفة. فمنها ما لا يزال يعيش بداية القرن الثالث عشر؛ لم يتجاوزه بعد، ومنها ما لا يزال يعيش بداية القرن السادس عشر، ومنها ما هو على أعتاب القرن العشرين، يَحُثّ الخُطَى لِيُعَانِق،ولو بعد حين، الأفقَ الحضاري للقرن الحادي والعشرين. 

هنا يأتي سؤال المقال؛ بوصفه مقالا مكتوبا بالعربية، ليستهدف قارئا عربيا بالضرورة: أين تقع المجتمعات العربية؟ في أي عصر يعيش الإنسان العربي اليوم؟ في عصر الآلهة؟ أم في عصر الأبطال؟ أم في عصر البشر أو الإنسان؟

بالنظر إلى الصورة بمجملها، وبالوقوف مُقَاربةً على خطوطها الرئيسة، وبعيدا عن التفاصيل والهوامش والاستثناءات، أستطيع القول: إن المجتمعات العربية تعيش اليوم في مرحلة بَرْزخيّة، في مرحلة التحوّل من عصر الآلهة إلى عصر الأبطال، أو، ومع كثير من التفاؤل، أقول: هي الآن تعيش، بأقصى معقوليتها وبأعلى درجات الفاعلية الوجدانية لديها، في عصر الأبطال.

لقد عشقت الجماهير العربية جمال عبدَ الناصر، ونصّبته "بطلا" في زمن التحرر من الاستعمار، أي بعد أن عانت من الاستعمار التركي لمدة أربعة قرون، ومن الاستعمار الغربي بعده.

هذه الجماهير التي هي نتاج قرون وقرون من العجز وضعف الحيلة، لم تستطع تخيّل أن بإمكانها أن تنجز شيئا بذاتها، فهي ترى نفسها أهون من ذلك بكثير. وحينئذٍ ستعتقد أنه لا بد لها من بطل أعلى منها، نوعيا، بدرجات. ستبحث عنه لاهثة، وحين تجده ستعبده، حتى لو ظهر ذاتَ عَبَثٍ أو ذاتَ تَهوّر؛ فهي سَتَزفّه بطلا، ستصنعه صرحا من خيال.

بل ولو وجدته ساذجا بالغ السذاجة (كعبد الناصر) أو مُجْرِما بالغ الإجرام (كصدام حسين)؛ فستحيل سذاجة الساذج إلى صِدقٍ وحُسْنِ طَويَّة ونزاهة، وستحيل إجرام المجرم إلى ضرورة قومية. ثم، ولكي تصنع البطل على إيقاع تَوَهّماتها، ستمعن في التزييف، وستغالي في خداع نفسها، فتحيل تلك السذاجة إلى مكر ودهاء، وذاك الإجرام إلى إرادة وقدرة وشجاعة في مواجهة الأعداء.

كل هذا ليس غريبا، بل مفهوما، في حال جماهير عربية تجد نفسها في سياق الهزيمة والعجز والاندحار والتفاهة، فضلا عن الفقر والمجاعة.

ما ليس بمفهوم لأول وهلة، أن تتعلق هذه الجماهير العربية البائسة بأي ممثل للقوة أو للعناد أو للتمرد؛ حتى ولو كان من خارجها: ثقافة وعِرْقا ودينا وجغرافيا، كما هو ظاهر في الإعجاب الجماهيري العربي بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خاصة مع الغزو الروسي الغاشم لأوكرانيا.

هناك شريحة جماهيرية عربية تُبْدِي إعجابها بالرئيس الروسي بعد قرار الغزو الغاشم لأوكرانيا، وتتسع أمداءُ هذا الإعجاب؛ كلما أظهر بوتين إصرارا على مواصلة الغزو، واستعدادا لتحمّل التَّبعات. وهو إعجاب يتماهى بلا شك مع مشاعر الضدّية تجاه كل ما هو غربي، ولهذا سياقه.

ولكن الأهم هنا أنه إعجاب أخذ يتطوّر بتوالي "المفرقعات الروسية العنادية"، حتى بدأت ملامح "البطل الروسي" تُداعِب أحلامَ جماهير الغوغاء العربية المأزومة، هذه الجماهير الحائرة التي يبدو وكأن لديها جوعا أزليا لبطل ما، أيا كان هذا البطل، وأيا كان مجال البطولة، بل وأيا كان ضحاياها، حتى ولو كان ملايين الأبرياء.

إنه البطل مقابل الإنسان. ولهذا فإن من المُفْزع حقا أن تجد في جانب هذا الانهماك الجماهيري العربي لصناعة "البطل" في نموذج الرئيس الروسي، انعداما أو شبه انعدام للمشاعر الإنسانية التي ترفض العدوان لمجرد كونه عدوانا، وتأسى للقتلى والجرحى، وترثي لملايين الأبرياء من المُهَجَّرِين، وتتألّم لمشاهد التدمير الحاقد.

فالمهم هنا، وفق المُضْمَر الواعي واللاَّواعي، هو أن يَتَنَمْذَجَ البطلُ، أن تكتمل دورةُ بطولته، وليس مهما، في تصور هذه الجماهير، بشاعة العدوان، ولا انتهاك حقوق الإنسان.

إن عصر الأبطال هو تعبير عن عجز الفاعلية البشرية ذات الطابع الجمعاني المساواتي، أي عصر غياب الوعي الذي يُنْتِج الأنظمةَ والتنظيم والإدارة التي تُرَاكِم المُنْجَزَات وتَسْتَثمر فيها، وبالتالي، تصنع التحولات الحضارية النوعية التي تُسْهِم في المشترك الإنساني؛ فَتُرْوِي ظمأَ الاحتياج المعنوي والاعتباري؛ بقدر ما تُرْوِي ظمأ الاحتياج المادي. 

حين لا يتم ذلك، أي حين يحدث الفشل في تقديم أي منجز حقيقي يروي ظمأ هذا المعنوي وذاك المادي، تشعر الأمة بعجزها وقلة حيلتها وهوانها على الناس؛ يتوجه الاهتمام إلى "المنقذين الاستثنائيين الخارقين"، يتوجه الاهتمام لصنع الأبطال، تُلْقي على هؤلاء الأبطال مهمةَ تحقيق الآمال التي تشعر الأمة، عميقا، بأنها غير قابلة للتحقق، تصنع الأبطال من خلال خيال واسع مشحون بالأمنيات المجهضة، خيال يتمدد فيه اللاَّمعقول بمقدار ما ترتفع درجة استحالة الأمنيات. 

ليتحقق عصر الإنسان؛ لا بد أن يختفي عصر الأبطال. أو من دلائل تحقق عصر الإنسان اختفاء عصر الأبطال.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).