Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.
"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.

عبد الرحيم التوراني

في سنة 2010، نشر الدكتور امحمد الأشقر أول كتاب له باللغة الفرنسية تحت عنوان: "كُورْبيسْ.. طريقي نحو الحقيقة والصفح". و"الكُورْبيسْ" اسم موقع هنغارات لمطار "أنفا" القديم بمدينة الدار البيضاء، حولته أجهزة القمع في عهد الملك الحسن الثاني، إلى نقطة اعتقال من المعتقلات السرية التي تم إنشاؤها في مختلف جهات المملكة على امتداد خريطة البلاد، خلال ما يعرف بـ"سنوات الرصاص". 

إلى "الكوربيس" اقتيد العديد من المختطفين والمعتقلين السياسيين، أغلبهم من الطلبة اليساريين ومن مناضلي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المعارض، حيث جرى تعذيبهم والتنكيل بهم وانتهاك كرامتهم في ظروف لا إنسانية، مقيدي الأيدي والأرجل ومعصوبي العيون. 

في مستهل القرن الحالي، مع العهد الجديد، بدأ المغرب يشهد بعض الانفتاح السياسي، فظهرت بشكل متواتر مجموعة من الإصدارات التي تم تصنيفها ضمن "أدب السجون"، شجعت الدكتور محمد لشقر على خوض تدوين تجربته كواحد ممن طالهم الاعتقال السري بـمعتقل "الكوربيس". 

شكل صدور هذا الكتاب حدثا بارزا، نال اهتمام الحركة الحقوقية والسياسية والثقافية أيضا. فوجئ الدكتور امحمد لشقر، وهو طبيب جراح، بمدى إقبال القراء، خصوصا بعد حرصه على أن ينقل كتابه إلى الجمهور الواسع باللغة العربية، وفوجئ أكثر بالتنويه الذي تلقاه من طرف كتاب وأدباء، رأوا في أسلوبه وطريقة عرضه وتصويره لتجربته المريرة، ورصده لتفاصيل أجواء تلك المرحلة العصيبة، أننا أمام كاتب حقيقي وموهوب، وليس فقط إزاء شخص يقدم تجربة حياتية ويبوح بشهادة إنسانية أليمة. 

من هنا كانت انطلاقة لشقر في مجال التأليف والكتابة التي عشقها وأحبها، وهو يكتشف أسرارها ويستمتع بلعبة تقنياتها، وقد استفاد من مواظبته على تحرير مقالات في الرأي ينشرها بانتظام بموقع "ميديا بار" الفرنسي. Mediapart. فجاء كتابه الثاني سنة 2015، بعنوان: "Sur la Voie des Insoumis"، (على نهج المتمردين)، رواية حول أحداث التمرد الذي عاشته منطقة الريف بين سنتي 1958 و1959 . 

وكمن يريد استدراك الوقت الذي فاته خارج التأليف والكتابة، اعتكف لشقر وخصص وقتا أطول لهذا المجال، فنشر في سنة 2018 كتابه الثالث: "هذه الحرب لم تكن لنا"، رواية تاريخية تتناول قضية تجنيد المواطنين المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية 1936- 1939، ضمن كتائب القائد العسكري الاسباني فرانكو ضد الجمهوريين. ثم أتبعها بكتاب رابع، أنجزه من حفرياته في تاريخ المنطقة التي ينتمي إليها، فهو سليل مدينة الحسيمة، المنطقة التي أنجبت الزعيم عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف في بدايات القرن العشرين. 

قادته حفرياته هذه المرة إلى اللقاء بشخصية مغمورة من رفاق الخطابي، شخصية لم تنل حقها في الكتابات التاريخية، بل إنها تعرضت للظلم وللإساءة والتشويه، وفق ما أسفرت عنه مطالعات لشقر وتنقيبه وأبحاثه الميدانية. فكان كتابه: 
 L'exilé du Mogador، "منفي موغادور"، وأتى أيضا في قالب رواية تاريخية.

*** 
"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.  

تبدأ أحداث الرواية سنة 1948. أي حوالي عقدين على هزيمة جيش عبد الكريم الخطابي وإسقاط جمهوريته، بتآمر الدول الاستعمارية في تلك المرحلة، وبالأخص حلف فرنسا وإسبانيا. و"القايد حدو" كان من أقوى الشخصيات المحيطة بالزعيم الخطابي بين عامي 1921 و1926، كان رجلا مثقفا، يتقن عدة لغات، ومزدوج الجنسية. لما انخرط في صفوف المقاومة الريفية، أصبح من المساهمين في جهود التحرير وتأسيس "جمهورية الريف"، فتولى مهمة نائب لوزير خارجية جمهورية الريف، ومؤسس وقائد جهاز مخابراتها.

ولأنه كان طيارا فقد أوكلت إليه مهمة تأسيس والإشراف على القوات الجوية للجمهورية الوليدة. وبعد توقيف عبد الكريم الخطابي، اعتقل الجيش الفرنسي القايد حدو في 27 مايو 1926 في تارغيست بالريف. وبقي سجينًا لبضعة أشهر في معسكر للجيش في إمزورن. قبل أن يوضع رهن الإقامة الجبرية في "موغادور" مع حظر أبدي لمغادرته حدود المدينة".  

اختار امحمد لشقر أن يكون سرد روايته التاريخية على لسان البطل، أي القايد حدو نفسه. مفضلا أن يتوارى الكاتب بين ثنايا النص، أمام سطوة الشخصية القوية للقايد، هكذا مشى الكاتب خلف شخصيته، مقتفيا خطواتها وأثرها. فرجل الخطابي هو من سيروي لنا حكايته وملمحة حياته خلال حرب الريف، وقد أتيح له استدراك الإهمال والتجاهل الذي واجهه به المؤرخون، واغتنم فرصة تصحيح المعلومات الخاطئة التي ألصقت به، عن عمد أو عن جهل وغير قصد، في القليل من الكتابات التي تعرضت لشخصيته. 

لذلك تركز الرواية على أهم فترة في تاريخ جمهورية الريف، وهي المرحلة الممتدة ما بين عامي 1921 و1926، لما اتسمت به من غنى في الأحداث والوقائع المتسارعة، أحداث كان من شأنها أن تغير مجرى التاريخ السياسي بالمنطقة، لو آلت نهاياتها لصالح الزعيم عبد الكريم الخطابي. 

رغم تواري المؤلف، فإنه يظل هو الماسك بخيوط ومسار الحكاية، حيث يكتشف القارئ عبر سيرة القايد حدو تاريخ الريف، ومدى الحرمان والفقر الذي عاشته أجيال من أهل المنطقة تحت وطأة الاستعمار الإسباني. لتتداخل هنا المغامرة بالمأساة، بالصراعات القبلية التي حالت دون توحد الريفين لطرد المستعمر، ولجوء كثيرين إلى كسب عيشهم عن طريق القرصنة والتهريب، والانفصال القسري للقايد حمو عن والدته وهو في سن مبكرة، ونزوحه إلى الجزائر العاصمة وإلى بور سايد على الحدود المغربية الجزائرية، وانخراطه في القوات الجوية الفرنسية، حتى السنة التي جاءه عمه طالبا منه الانضمام إلى مقاومة الريف (1921)، بهدف طرد الإسبان والمساهمة في إعلان الجمهورية. 

على امتداد صفحات الرواية، التي تربو على الثلاثمائة وستين صفحة، لا يلتقي القارئ سوى بشخصية واحدة، هي شخصية القايد حدو، هو من يحدثنا عن نفسه وعن باقي الشخصيات التي ترد في الرواية، حتى الزعيم عبد الكريم الخطابي لا يحضر إلا عندما يستدعيه القايد ليقدمه لنا، وعندما يحضر الخطابي فإن القايد حدو يستعير لسان الزعيم ليتحدث مكانه وباسمه.  

وقد وجد بعض النقاد في الاستيلاء والهيمنة على كل تفاصيل الحكي من لدن القايد حدو، بعض التجني على الحقيقة وتحويرها، لإننا نجد القايد حدو يصدر أحكاما من دون أن يتدخل المؤلف في مدى موضوعيتها، ومنها أن مؤاخذات القايد حدو على الخطابي أداءه الذي أوصل إلى الهزيمة، ورأيه أن الزعيم لم يكن عليه أن يخضع بسرعة ويلقي بسلاحه معترفا بالهزيمة وبالتالي خضوعه للفرنسيين.  

في هذا السياق رأى آخرون في قراءتهم لرواية "منفي موغادور"، أنه كان بإمكان الكاتب أن يسعى إلى استعادة الحقيقة التاريخية، واستلام زمام السرد لإعطاء صوت لجميع أبطال الرواية، ولجعل الأحداث أقرب إلى الموضوعية وأكثر قابلية للتصديق. 
ولم يسلم الكاتب امحمد لشقر أيضا من انتقاد نهجه في سرده الروائي للتاريخ، حيث مخاطر الانزلاق مع التخييل الأدبي على حساب التقليص من الحقيقة التاريخية وصدق الأحداث موضوع التدوين. وكان ذلك ممكنا حتى لو تعمد الكاتب أن يتوارى خلف صوت بطله القائد حدو. 

تأسيسا على هذه الآراء، قد نلجأ إلى اجتهاد الباحث العراقي عبدالله إبراهيم الذي يرى استبدال "الرواية التاريخية" باصطلاح "التخييل التاريخي"، بحجة أن ذلك سوف يدفع بالكتابة السردية المتصلة بالتاريخ إلى تجنب ما يثار حولها من خلاف كلما نوقشت قضية الأنواع (الأجناس) الأدبية وحدودها ووظائفها، وسيتولى فضلا عن ذلك، ردم ثنائية الرواية والتاريخ". حسب استشهاد للناقد المغربي سعيد يقطين. 

من جهته، يرد الكاتب امحمد لشقر أن مهمته كانت هي محاولة الغوص في دواخل الشخصيات التي تستعرضها الرواية، "بغاية الوصول إلى فهمها ثم تدوينها بطريقتي الخاصة، لأتقاسمها مع قرائي حتى يفهموها بدورهم، كل على طريقته الخاصة"...  ويضيف "أتمنى أن أكون قد وفقت إلى حد ما في عملية الإيصال والتبليغ وأملي أن يساعد هذا العمل المتواضع في الحفاظ على ذاكرة الأسلاف حتى تبقى حية، إنه عمل من أجل الاعتراف بتفانيهم وتضحياتهم وقبل كل شيء بإنسانيتهم وبدون أية خلفيات ضيقة"، لذلك لم ينس لشقر أن يهدي هذا الكتاب "لهؤلاء الأسلاف". 

في "منفي موغادور" لا يسع القارئ سوى القول إنه بصدد عمل إبداعي حقيقي في ثوب رواية تاريخية، حيث تمتزج المذكرات التاريخية مع الأدب بمهارة عالية، تشي بأن المؤلف قام بجهد توثيقي كبير، وقضى أوقاتا طويلة في البحث والإعداد، جمع خلالها كل العناصر المتناثرة في حياة هذه الشخصية الفريدة من نوعها، حتى تمكن من الإلمام بتفاصيل حياة القايد حدو منذ أول يوم رأى فيه النور في مدينة إمزورن حتى وفاته في مدينة موغادور".  

لقد نجح امحمد لشقر في توشيح النص بالخيال، بعناية سردية متقنة، في محاولته صياغة جديدة للتاريخ. ما جعله يمسك بقارئ الرواية منذ الصفحة الأولى إلى نقطة النهاية. 

لذلك لا يفتأ لشقر في اللقاءات التي نظمت لعرض الكتاب، سواء في المغرب أو في فرنسا، على التركيز على مسؤولية المثقفين في قراءة وكتابة التاريخ، منوها بردود القراء والنقاد على السواء، حيث يقول: "إنني سعيد لكوني نجحت في التخلص من ذلك الوحل الكولونيالي الذي أقبرت فيه كل الروايات التي تناولت القايد حدو على قلتها، وحصرتها في مرجعين وحيدين لتكتفي بتشويه صورة هذا الرجل قبل وأثناء وبعد حرب الريف".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).