Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.
"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.

عبد الرحيم التوراني

في سنة 2010، نشر الدكتور امحمد الأشقر أول كتاب له باللغة الفرنسية تحت عنوان: "كُورْبيسْ.. طريقي نحو الحقيقة والصفح". و"الكُورْبيسْ" اسم موقع هنغارات لمطار "أنفا" القديم بمدينة الدار البيضاء، حولته أجهزة القمع في عهد الملك الحسن الثاني، إلى نقطة اعتقال من المعتقلات السرية التي تم إنشاؤها في مختلف جهات المملكة على امتداد خريطة البلاد، خلال ما يعرف بـ"سنوات الرصاص". 

إلى "الكوربيس" اقتيد العديد من المختطفين والمعتقلين السياسيين، أغلبهم من الطلبة اليساريين ومن مناضلي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المعارض، حيث جرى تعذيبهم والتنكيل بهم وانتهاك كرامتهم في ظروف لا إنسانية، مقيدي الأيدي والأرجل ومعصوبي العيون. 

في مستهل القرن الحالي، مع العهد الجديد، بدأ المغرب يشهد بعض الانفتاح السياسي، فظهرت بشكل متواتر مجموعة من الإصدارات التي تم تصنيفها ضمن "أدب السجون"، شجعت الدكتور محمد لشقر على خوض تدوين تجربته كواحد ممن طالهم الاعتقال السري بـمعتقل "الكوربيس". 

شكل صدور هذا الكتاب حدثا بارزا، نال اهتمام الحركة الحقوقية والسياسية والثقافية أيضا. فوجئ الدكتور امحمد لشقر، وهو طبيب جراح، بمدى إقبال القراء، خصوصا بعد حرصه على أن ينقل كتابه إلى الجمهور الواسع باللغة العربية، وفوجئ أكثر بالتنويه الذي تلقاه من طرف كتاب وأدباء، رأوا في أسلوبه وطريقة عرضه وتصويره لتجربته المريرة، ورصده لتفاصيل أجواء تلك المرحلة العصيبة، أننا أمام كاتب حقيقي وموهوب، وليس فقط إزاء شخص يقدم تجربة حياتية ويبوح بشهادة إنسانية أليمة. 

من هنا كانت انطلاقة لشقر في مجال التأليف والكتابة التي عشقها وأحبها، وهو يكتشف أسرارها ويستمتع بلعبة تقنياتها، وقد استفاد من مواظبته على تحرير مقالات في الرأي ينشرها بانتظام بموقع "ميديا بار" الفرنسي. Mediapart. فجاء كتابه الثاني سنة 2015، بعنوان: "Sur la Voie des Insoumis"، (على نهج المتمردين)، رواية حول أحداث التمرد الذي عاشته منطقة الريف بين سنتي 1958 و1959 . 

وكمن يريد استدراك الوقت الذي فاته خارج التأليف والكتابة، اعتكف لشقر وخصص وقتا أطول لهذا المجال، فنشر في سنة 2018 كتابه الثالث: "هذه الحرب لم تكن لنا"، رواية تاريخية تتناول قضية تجنيد المواطنين المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية 1936- 1939، ضمن كتائب القائد العسكري الاسباني فرانكو ضد الجمهوريين. ثم أتبعها بكتاب رابع، أنجزه من حفرياته في تاريخ المنطقة التي ينتمي إليها، فهو سليل مدينة الحسيمة، المنطقة التي أنجبت الزعيم عبد الكريم الخطابي قائد ثورة الريف في بدايات القرن العشرين. 

قادته حفرياته هذه المرة إلى اللقاء بشخصية مغمورة من رفاق الخطابي، شخصية لم تنل حقها في الكتابات التاريخية، بل إنها تعرضت للظلم وللإساءة والتشويه، وفق ما أسفرت عنه مطالعات لشقر وتنقيبه وأبحاثه الميدانية. فكان كتابه: 
 L'exilé du Mogador، "منفي موغادور"، وأتى أيضا في قالب رواية تاريخية.

*** 
"موغادور" هو الاسم البرتغالي القديم لمدينة الصويرة (جنوب الرباط)، والمنفي هو القائد حدو بن حمّو لكحل.  

تبدأ أحداث الرواية سنة 1948. أي حوالي عقدين على هزيمة جيش عبد الكريم الخطابي وإسقاط جمهوريته، بتآمر الدول الاستعمارية في تلك المرحلة، وبالأخص حلف فرنسا وإسبانيا. و"القايد حدو" كان من أقوى الشخصيات المحيطة بالزعيم الخطابي بين عامي 1921 و1926، كان رجلا مثقفا، يتقن عدة لغات، ومزدوج الجنسية. لما انخرط في صفوف المقاومة الريفية، أصبح من المساهمين في جهود التحرير وتأسيس "جمهورية الريف"، فتولى مهمة نائب لوزير خارجية جمهورية الريف، ومؤسس وقائد جهاز مخابراتها.

ولأنه كان طيارا فقد أوكلت إليه مهمة تأسيس والإشراف على القوات الجوية للجمهورية الوليدة. وبعد توقيف عبد الكريم الخطابي، اعتقل الجيش الفرنسي القايد حدو في 27 مايو 1926 في تارغيست بالريف. وبقي سجينًا لبضعة أشهر في معسكر للجيش في إمزورن. قبل أن يوضع رهن الإقامة الجبرية في "موغادور" مع حظر أبدي لمغادرته حدود المدينة".  

اختار امحمد لشقر أن يكون سرد روايته التاريخية على لسان البطل، أي القايد حدو نفسه. مفضلا أن يتوارى الكاتب بين ثنايا النص، أمام سطوة الشخصية القوية للقايد، هكذا مشى الكاتب خلف شخصيته، مقتفيا خطواتها وأثرها. فرجل الخطابي هو من سيروي لنا حكايته وملمحة حياته خلال حرب الريف، وقد أتيح له استدراك الإهمال والتجاهل الذي واجهه به المؤرخون، واغتنم فرصة تصحيح المعلومات الخاطئة التي ألصقت به، عن عمد أو عن جهل وغير قصد، في القليل من الكتابات التي تعرضت لشخصيته. 

لذلك تركز الرواية على أهم فترة في تاريخ جمهورية الريف، وهي المرحلة الممتدة ما بين عامي 1921 و1926، لما اتسمت به من غنى في الأحداث والوقائع المتسارعة، أحداث كان من شأنها أن تغير مجرى التاريخ السياسي بالمنطقة، لو آلت نهاياتها لصالح الزعيم عبد الكريم الخطابي. 

رغم تواري المؤلف، فإنه يظل هو الماسك بخيوط ومسار الحكاية، حيث يكتشف القارئ عبر سيرة القايد حدو تاريخ الريف، ومدى الحرمان والفقر الذي عاشته أجيال من أهل المنطقة تحت وطأة الاستعمار الإسباني. لتتداخل هنا المغامرة بالمأساة، بالصراعات القبلية التي حالت دون توحد الريفين لطرد المستعمر، ولجوء كثيرين إلى كسب عيشهم عن طريق القرصنة والتهريب، والانفصال القسري للقايد حمو عن والدته وهو في سن مبكرة، ونزوحه إلى الجزائر العاصمة وإلى بور سايد على الحدود المغربية الجزائرية، وانخراطه في القوات الجوية الفرنسية، حتى السنة التي جاءه عمه طالبا منه الانضمام إلى مقاومة الريف (1921)، بهدف طرد الإسبان والمساهمة في إعلان الجمهورية. 

على امتداد صفحات الرواية، التي تربو على الثلاثمائة وستين صفحة، لا يلتقي القارئ سوى بشخصية واحدة، هي شخصية القايد حدو، هو من يحدثنا عن نفسه وعن باقي الشخصيات التي ترد في الرواية، حتى الزعيم عبد الكريم الخطابي لا يحضر إلا عندما يستدعيه القايد ليقدمه لنا، وعندما يحضر الخطابي فإن القايد حدو يستعير لسان الزعيم ليتحدث مكانه وباسمه.  

وقد وجد بعض النقاد في الاستيلاء والهيمنة على كل تفاصيل الحكي من لدن القايد حدو، بعض التجني على الحقيقة وتحويرها، لإننا نجد القايد حدو يصدر أحكاما من دون أن يتدخل المؤلف في مدى موضوعيتها، ومنها أن مؤاخذات القايد حدو على الخطابي أداءه الذي أوصل إلى الهزيمة، ورأيه أن الزعيم لم يكن عليه أن يخضع بسرعة ويلقي بسلاحه معترفا بالهزيمة وبالتالي خضوعه للفرنسيين.  

في هذا السياق رأى آخرون في قراءتهم لرواية "منفي موغادور"، أنه كان بإمكان الكاتب أن يسعى إلى استعادة الحقيقة التاريخية، واستلام زمام السرد لإعطاء صوت لجميع أبطال الرواية، ولجعل الأحداث أقرب إلى الموضوعية وأكثر قابلية للتصديق. 
ولم يسلم الكاتب امحمد لشقر أيضا من انتقاد نهجه في سرده الروائي للتاريخ، حيث مخاطر الانزلاق مع التخييل الأدبي على حساب التقليص من الحقيقة التاريخية وصدق الأحداث موضوع التدوين. وكان ذلك ممكنا حتى لو تعمد الكاتب أن يتوارى خلف صوت بطله القائد حدو. 

تأسيسا على هذه الآراء، قد نلجأ إلى اجتهاد الباحث العراقي عبدالله إبراهيم الذي يرى استبدال "الرواية التاريخية" باصطلاح "التخييل التاريخي"، بحجة أن ذلك سوف يدفع بالكتابة السردية المتصلة بالتاريخ إلى تجنب ما يثار حولها من خلاف كلما نوقشت قضية الأنواع (الأجناس) الأدبية وحدودها ووظائفها، وسيتولى فضلا عن ذلك، ردم ثنائية الرواية والتاريخ". حسب استشهاد للناقد المغربي سعيد يقطين. 

من جهته، يرد الكاتب امحمد لشقر أن مهمته كانت هي محاولة الغوص في دواخل الشخصيات التي تستعرضها الرواية، "بغاية الوصول إلى فهمها ثم تدوينها بطريقتي الخاصة، لأتقاسمها مع قرائي حتى يفهموها بدورهم، كل على طريقته الخاصة"...  ويضيف "أتمنى أن أكون قد وفقت إلى حد ما في عملية الإيصال والتبليغ وأملي أن يساعد هذا العمل المتواضع في الحفاظ على ذاكرة الأسلاف حتى تبقى حية، إنه عمل من أجل الاعتراف بتفانيهم وتضحياتهم وقبل كل شيء بإنسانيتهم وبدون أية خلفيات ضيقة"، لذلك لم ينس لشقر أن يهدي هذا الكتاب "لهؤلاء الأسلاف". 

في "منفي موغادور" لا يسع القارئ سوى القول إنه بصدد عمل إبداعي حقيقي في ثوب رواية تاريخية، حيث تمتزج المذكرات التاريخية مع الأدب بمهارة عالية، تشي بأن المؤلف قام بجهد توثيقي كبير، وقضى أوقاتا طويلة في البحث والإعداد، جمع خلالها كل العناصر المتناثرة في حياة هذه الشخصية الفريدة من نوعها، حتى تمكن من الإلمام بتفاصيل حياة القايد حدو منذ أول يوم رأى فيه النور في مدينة إمزورن حتى وفاته في مدينة موغادور".  

لقد نجح امحمد لشقر في توشيح النص بالخيال، بعناية سردية متقنة، في محاولته صياغة جديدة للتاريخ. ما جعله يمسك بقارئ الرواية منذ الصفحة الأولى إلى نقطة النهاية. 

لذلك لا يفتأ لشقر في اللقاءات التي نظمت لعرض الكتاب، سواء في المغرب أو في فرنسا، على التركيز على مسؤولية المثقفين في قراءة وكتابة التاريخ، منوها بردود القراء والنقاد على السواء، حيث يقول: "إنني سعيد لكوني نجحت في التخلص من ذلك الوحل الكولونيالي الذي أقبرت فيه كل الروايات التي تناولت القايد حدو على قلتها، وحصرتها في مرجعين وحيدين لتكتفي بتشويه صورة هذا الرجل قبل وأثناء وبعد حرب الريف".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).