Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عالم الحريات هو عالم الإنسان.
عالم الحريات هو عالم الإنسان.

محمد المحمود

يتأكد على مدار اللحظة أن الصراع الدائر اليوم بين الغرب من جهة، وروسيا وحلفائها الشرقيين من جهة أخرى، هو في جوهره ـ أو في أشد صوره رسوخا/ تجذّرا، وتمدّدا ـ صراعٌ ثقافي، صراعُ تَصوّرات عامة ومُؤسِّسَة: صراع بين الحرّية واللاّحريّة، بين الإنسان في الإنسان، واللاّإنسان فيه، بين مَسار تقدّم حقيقي صاعِدٍ، ومسار انحطاطٍ هابطٍ، بين مسار مُتَمَاهٍ مع حركة التاريخ التقدمية، ومسارٍ مُعَاند أو مُقاوم لها؛ يريد أن يرجع بالإنسان قرونا إلى الوراء؛ بدعوى الحماية أو الاحتماء. 

يتأكد هذا المعنى الجوهري لِمَن يُقَارِب الظواهرَ من خلال منطوقها الكُليّ، وليس من خلال أجزائها العابرة المتناثرة، لِمَن يُقَارِبها من خلال المُسْتهدَفات الغائية، وليس من خلال تفاصيل الإجراء الروتيني اليومي الذي يدخله كثير من الادعاء والتزييف، وكثير مستلزمات الخداع السياسي التي تستطيع الاشتغال ـ مَكراً ـ على الجزئيات والمُقدِّمات، والرهان على تجزئة الوعي بها، وبالتالي تزييفها، ولكنها تفشل في الاشتغال على الكليات والنتائج التي تستحيل إلى نمط عيش عام في عالم رَاهِنٍ مَشهود.

عالم الحريات هو عالم الإنسان؛ بقدر ما هو عالم الإبداع، عالم اشتغال طاقات الإنسان المختلفة/ المتنوّعة حتى حدودها القصوى، تلك الحدود التي تتمدد باستمرار. والعكس صحيح بلا خلاف. ولهذا، يتقدّم العالَم الحُرِّيّاتي، وتتصاعد فيه مؤشرات السعادة، ويتحقّق فيه معنى الإنسان، في الوقت الذي يتخلّف فيه العالم الانغلاقي الشمولي، ويتّسع فيه فضاء التعاسة، بل ويتعمّق بؤسها ويتنوّع؛ لِتَتبخَّر فيه كلُّ مُقَوّمات المعنى الإنساني.    

أذكر أنني صُدِمت عندما قرأتُ لأول مَرَّة كتاب (قصة الفلسفة) لِلمُؤرّخ والفيلسوف الأمريكي/ ويل ديورانت. كان هذا قبل سبعة وعشرين عاما تقريبا، في بدايات انفتاحي على الميدان الفلسفي. لم تصدمني أيٌّ من الأفكار على امتداد هذا الكتاب الجميل الثري؛ رغم غرائبية بعضها، وإنما الذي صدمني وأغضبني وأحبطني هو تعليق هامشي للمترجم: أحمد الشيباني، وذلك في بداية ترجمته للفصل الرابع الخاص بالفيلسوف التنويري اليهودي/ سبينوزا.

ماذا قال المترجم/ أحمد الشيباني؟ لقد كتب في الهامش ما نَصّه: "لم نشأ ترجمة المقطع الأول من هذا الفصل عن سبينوزا، اعتقادا مِنّا بأن المؤلف المحترم قد راعى في بحثه في القضية اليهودية العوامل الذاتية أكثر من مراعاته للعوامل الموضوعية، وذلك فيما يتعلق باليهود كشعب وسبينوزا كفيلسوف" (قصة الفلسفة، ص189).

المترجم هنا يتعدّى دوره المهني كَنَاقِلٍ أمين للنص الأصلي؛ ليمحو من متن الكتاب مَا لا يُعْجِبه، لِيَبْتُر ما لا يتفق مع قناعاته الخاصة في القضايا الحساسة. إنه يعتدي على حُرْمَة النص اعتداءً سافرا؛ دون أدنى إحساس بحجم الجُرْم، ثم يكتفي بالإشارة لذلك في الهامش؛ مع تغييب النص الأصلي عن القارئ بالكامل (يُحْسَب له ذكر ذلك؛ إذ بعضهم يعتدي بالحذف والتغيير أو التحوير دون إشارة !). وقد كان في مقدوره أن يتبع شرطَ البحث العلمي وأمانة الترجمة؛ فيفعل العكس، أي يضع نصَ المؤلف كما هو في المتن، ويكتفي هو بالتعليق ـ المُعَبِّر عن قناعاته الخاصة أو استدراكاته المعرفية ـ في الهامش. لكنه للأسف؛ زيّف/ حذف النص في المتن، واعتذر ـ دونما عذر ـ عن التزييف/ الحذف في الهامش !

إن أشد ما أحبطني وأغضبني آنذاك أن هذا الاعتداء على حرمات النص (وهو في جوهره قمع صريح للحرية) صدر عن مُتَرجم فلسفي قدير، وعلى صفحات كتاب فلسفي شهير. وكلاهما: تفلسف المترجم، وفلسفيّة الكتاب، تحكمان ـ افتراضا ـ قُدْسيّة أعلى لحرية التعبير، قدسية مضاعفة، أي قدسية لـ"حرية الكلمة" تفوق القدر المطلوب/ المتوقع منها في سائر الحقول.

لقد كنتُ آنذاك في الثالثة والعشرين تقريبا، وكنت قد قرأت المئات من الكتب الأدبية العربية، وكتب التاريخ والتراجم، وكتب السياسة، وكتب أصول الدين والشريعة وجدليات الأديان والمذاهب...إلخ، وكان الاعتداء على حرية التعبير في كل هذه مُعْتادا، وبالتالي؛ متوقعا نتيجة هذا الاعتياد. كنتُ أقرأ مثلا في ديوان المتنبي، فأجد أن كثيرا من نُسَخ الديوان تحذف معظم قصيدته "لهو النفوس سريرة لا تعلم"، أو قصيدته "ما أنصف القوم ضبه"، وتضع مكان الأبيات نُقَطا للدلالة على الحذف، أو لا تضع، وتكتفي بالإشارة للحذف في الهامش. وبعض نُسَخ "العقد الفريد" أو "المستطرف في كل فن مستظرف" أو حتى بعض كتب الجاحظ، أو في كتاب "النقائض" بين جرير والفرزدق...إلخ، أجد المحققَ يتجرأ؛ فيحذف بعض الأبيات أو بعض الكلمات التي يعتبرها "خادشة للحياء"، أو "قادحة في العقيدة"، أو "تهين بعض الشخصيات المقدسة/ الاعتبارية"، ويكاد هذا المسلك العبثي يكون طبيعيا عند كثير من محققي كتب التراث العربي.

كنت معتادا على كل هذا العبث الخائن، رغم أنه كان يُغْضبني، ويدفعني لِتتبّع النسخ الأخرى؛ لمعرفة "سر المحذوف"، هذا المحذوف الذي لم يُرِد مُحَقق الكتابِ أن أطلع عليه. لكن الأمر بدا مختلفا مع الفلسفة؛ لاختلاف أفق توقعاتي. كنتُ في بداية قراءاتي الفلسفية، أضع الفلسفة كحرم أسمى للحرية المقدسة، وأضع المشتغلين بها ـ تأليفا وترجمة ـ كسدنة أمناء لهذه الحرم المقدس. كانت الفلسفة والمشتغلون بها تُمَثّل بالنسبة لي ـ وبالتماهي مع دعاوى المشتغلين بها ـ أفقَ حرية وانفتاح؛ مُعَاكِسا لمحدودية العالَم التراثي والسلفي الذي تشبّعت به كفضاء للممنوع والمقموع. ومن هنا، كانت الصدمة بحجم المُتوقّع والمأمول، فلم أرد ـ تحت وطأة نشوات الانعتاق الفاصل ـ أن أصدّق أن مشتغلا بالفلسفة يحذف مقطعا أصيلا من كتاب فلسفي شهير لمجرد أنه لا يوافق المؤلف على مضمونه، ولم أرد تصديق أنه/ المترجم لا يُرِيدني ـ كقارئ للنص الذي ترجمه ـ أن أطلع على ما قاله المؤلف الأصيل. 

في سنوات لاحقة مررت بنماذج كثيرة من هذا النوع. وللأسف، تأكّد لي أن الثقافة الشرقية المنتجة والمستهلكة للمحرمات والممنوعات والمقموعات هي ثقافة راسخة الأعماق، لا تؤمن بحرية الكلمة أصلا، ولا تُقِيم لها وَزْنا، وأن أبناءها الأصلاء الأوفياء لها يحذفون ويمنعون، بل ويُحَرِّفون على نحو تلقائي، يفعلون كل هذه الموبقات المعرفية والأخلاقية؛ وكأنهم بهذا يُمارِسون بديهيات الحقوق المكفولة لهم، يُمَارِسونه لمجرد أنه يُرْضِي أدنى عواطفهم وأبسط مشاعرهم، يمارسونه باختيارهم طائعين؛ دونما ضغط عليهم، أو احتياج ضروري يُلْجِئهم لذلك، أو حتى لِمُستلزم وظيفي يجعل هذا من مهامهم، بل هم يفعلونه فقط بمجرد أنه راق لهم لأي سبب، ولمجرد أن لا مانع يمنعهم بالقوة من ذلك؛ إلا استحقاقات قداسة "حرية الكلمة" التي يعتبرونها مجرد شعار غير مفهوم، شعار غير مدرج على مُمْكِن الاستيعاب. 

استمرت المحبطات في هذا السياق. وعندما بدأتُ أشتغل بعد ذلك على هموم "التخلف العربي"، وعلى إشكالية "التقدم"، عرفت ـ بأثر رجعي، وبدرجة اليقين المعرفي ـ أحدَ أهم أسباب التخلف العربي خاصة، والمشرقي عامة. فالمعرفة مُجْهَضة ـ حقيقة ـ قبل أن تبدأ؛ بإجهاض شرطها الأساس: حرية التفكير. ولا حرية للتفكير إلا بحرية التعبير، إذ التداول شرط التعرّف، والتعرّف شرط مُرَاكمة التجارب/ تجارب الوعي، الذي يتحول ـ بكثافته وتعدّده وتنوّعه ـ من الكمي إلى النوعي في مسار نامٍ من الخلق/ الإبداع.

إن هذه الروح الانغلاقية هي روح عامة في الشرق، كل الشرق، روح تكاد تكون أصالة شرقية، روح تختلف عن الروح السائدة في العالم الغربي منذ أمد طويل. يذكر الفيلسوف والروائي الإيطالي/ أمبرتو إيكو في كتابه (اعترافات روائي شاب، ص67) أن روايته الشهيرة "اسم الوردة" عندما تُرْجمت في بعض بلدان أوروبا الشرقية أنه اتصل به كثير من المترجمين قائلين: إنه من الصعب جدا أن نذكر في بداية الرواية الغزوَ الروسي لتشكسلوفاكيا، فهذه الإحالة قد تجلب لنا بعض المتاعب. وقلت لهم إنني لا أوافق أبدا على أي تغيير يلحق بالنص. 

لا شيء تغيّر في عالم الشرق بعد حوالي أربعين عاما. هنا، المترجم في الشرق/ شرق الغرب/ شرق أوروبا، كان يريد تغيير النص لأن فضاء حرية التعبير يكاد يكون معدوما، والمؤلف الغربي الإيطالي لا يستوعب أن يُضْطر لحذف بضعة أسطر من نصه الأصلي لمجرد أن هناك من لا تروق له هذه الأسطر. ومع أنه يحسب للمترجمين هنا أنهم تواصلوا مع المؤلف ليستأذنوه في الحذف (ربما لكونه لا يزال حيًّا)، إلا أن هذه الاستئذان يكشف أن ثمة برزخا ثقافيا عميقا بين عالم الغرب وعالم الشرق، برزخا هو مساحة وَعْيٍ يصنع الدرجة الفارقة نوعيا بين المتقدمين/ المتحضرين من جهة، والمتخلفين من جهة أخرى. ومن الطبيعي حينئذٍ أن يكون التواصل الذي يُحاوِل عبورَ هذا البرزخ تواصلا صِراعِيا في كل المستويات وعلى كل الجبهات، على نحو صريح حينا، وعلى نحو مُضْمَرٍ/ مُسْتتر في كثير من الأحيان.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).