Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عالم الحريات هو عالم الإنسان.
عالم الحريات هو عالم الإنسان.

محمد المحمود

يتأكد على مدار اللحظة أن الصراع الدائر اليوم بين الغرب من جهة، وروسيا وحلفائها الشرقيين من جهة أخرى، هو في جوهره ـ أو في أشد صوره رسوخا/ تجذّرا، وتمدّدا ـ صراعٌ ثقافي، صراعُ تَصوّرات عامة ومُؤسِّسَة: صراع بين الحرّية واللاّحريّة، بين الإنسان في الإنسان، واللاّإنسان فيه، بين مَسار تقدّم حقيقي صاعِدٍ، ومسار انحطاطٍ هابطٍ، بين مسار مُتَمَاهٍ مع حركة التاريخ التقدمية، ومسارٍ مُعَاند أو مُقاوم لها؛ يريد أن يرجع بالإنسان قرونا إلى الوراء؛ بدعوى الحماية أو الاحتماء. 

يتأكد هذا المعنى الجوهري لِمَن يُقَارِب الظواهرَ من خلال منطوقها الكُليّ، وليس من خلال أجزائها العابرة المتناثرة، لِمَن يُقَارِبها من خلال المُسْتهدَفات الغائية، وليس من خلال تفاصيل الإجراء الروتيني اليومي الذي يدخله كثير من الادعاء والتزييف، وكثير مستلزمات الخداع السياسي التي تستطيع الاشتغال ـ مَكراً ـ على الجزئيات والمُقدِّمات، والرهان على تجزئة الوعي بها، وبالتالي تزييفها، ولكنها تفشل في الاشتغال على الكليات والنتائج التي تستحيل إلى نمط عيش عام في عالم رَاهِنٍ مَشهود.

عالم الحريات هو عالم الإنسان؛ بقدر ما هو عالم الإبداع، عالم اشتغال طاقات الإنسان المختلفة/ المتنوّعة حتى حدودها القصوى، تلك الحدود التي تتمدد باستمرار. والعكس صحيح بلا خلاف. ولهذا، يتقدّم العالَم الحُرِّيّاتي، وتتصاعد فيه مؤشرات السعادة، ويتحقّق فيه معنى الإنسان، في الوقت الذي يتخلّف فيه العالم الانغلاقي الشمولي، ويتّسع فيه فضاء التعاسة، بل ويتعمّق بؤسها ويتنوّع؛ لِتَتبخَّر فيه كلُّ مُقَوّمات المعنى الإنساني.    

أذكر أنني صُدِمت عندما قرأتُ لأول مَرَّة كتاب (قصة الفلسفة) لِلمُؤرّخ والفيلسوف الأمريكي/ ويل ديورانت. كان هذا قبل سبعة وعشرين عاما تقريبا، في بدايات انفتاحي على الميدان الفلسفي. لم تصدمني أيٌّ من الأفكار على امتداد هذا الكتاب الجميل الثري؛ رغم غرائبية بعضها، وإنما الذي صدمني وأغضبني وأحبطني هو تعليق هامشي للمترجم: أحمد الشيباني، وذلك في بداية ترجمته للفصل الرابع الخاص بالفيلسوف التنويري اليهودي/ سبينوزا.

ماذا قال المترجم/ أحمد الشيباني؟ لقد كتب في الهامش ما نَصّه: "لم نشأ ترجمة المقطع الأول من هذا الفصل عن سبينوزا، اعتقادا مِنّا بأن المؤلف المحترم قد راعى في بحثه في القضية اليهودية العوامل الذاتية أكثر من مراعاته للعوامل الموضوعية، وذلك فيما يتعلق باليهود كشعب وسبينوزا كفيلسوف" (قصة الفلسفة، ص189).

المترجم هنا يتعدّى دوره المهني كَنَاقِلٍ أمين للنص الأصلي؛ ليمحو من متن الكتاب مَا لا يُعْجِبه، لِيَبْتُر ما لا يتفق مع قناعاته الخاصة في القضايا الحساسة. إنه يعتدي على حُرْمَة النص اعتداءً سافرا؛ دون أدنى إحساس بحجم الجُرْم، ثم يكتفي بالإشارة لذلك في الهامش؛ مع تغييب النص الأصلي عن القارئ بالكامل (يُحْسَب له ذكر ذلك؛ إذ بعضهم يعتدي بالحذف والتغيير أو التحوير دون إشارة !). وقد كان في مقدوره أن يتبع شرطَ البحث العلمي وأمانة الترجمة؛ فيفعل العكس، أي يضع نصَ المؤلف كما هو في المتن، ويكتفي هو بالتعليق ـ المُعَبِّر عن قناعاته الخاصة أو استدراكاته المعرفية ـ في الهامش. لكنه للأسف؛ زيّف/ حذف النص في المتن، واعتذر ـ دونما عذر ـ عن التزييف/ الحذف في الهامش !

إن أشد ما أحبطني وأغضبني آنذاك أن هذا الاعتداء على حرمات النص (وهو في جوهره قمع صريح للحرية) صدر عن مُتَرجم فلسفي قدير، وعلى صفحات كتاب فلسفي شهير. وكلاهما: تفلسف المترجم، وفلسفيّة الكتاب، تحكمان ـ افتراضا ـ قُدْسيّة أعلى لحرية التعبير، قدسية مضاعفة، أي قدسية لـ"حرية الكلمة" تفوق القدر المطلوب/ المتوقع منها في سائر الحقول.

لقد كنتُ آنذاك في الثالثة والعشرين تقريبا، وكنت قد قرأت المئات من الكتب الأدبية العربية، وكتب التاريخ والتراجم، وكتب السياسة، وكتب أصول الدين والشريعة وجدليات الأديان والمذاهب...إلخ، وكان الاعتداء على حرية التعبير في كل هذه مُعْتادا، وبالتالي؛ متوقعا نتيجة هذا الاعتياد. كنتُ أقرأ مثلا في ديوان المتنبي، فأجد أن كثيرا من نُسَخ الديوان تحذف معظم قصيدته "لهو النفوس سريرة لا تعلم"، أو قصيدته "ما أنصف القوم ضبه"، وتضع مكان الأبيات نُقَطا للدلالة على الحذف، أو لا تضع، وتكتفي بالإشارة للحذف في الهامش. وبعض نُسَخ "العقد الفريد" أو "المستطرف في كل فن مستظرف" أو حتى بعض كتب الجاحظ، أو في كتاب "النقائض" بين جرير والفرزدق...إلخ، أجد المحققَ يتجرأ؛ فيحذف بعض الأبيات أو بعض الكلمات التي يعتبرها "خادشة للحياء"، أو "قادحة في العقيدة"، أو "تهين بعض الشخصيات المقدسة/ الاعتبارية"، ويكاد هذا المسلك العبثي يكون طبيعيا عند كثير من محققي كتب التراث العربي.

كنت معتادا على كل هذا العبث الخائن، رغم أنه كان يُغْضبني، ويدفعني لِتتبّع النسخ الأخرى؛ لمعرفة "سر المحذوف"، هذا المحذوف الذي لم يُرِد مُحَقق الكتابِ أن أطلع عليه. لكن الأمر بدا مختلفا مع الفلسفة؛ لاختلاف أفق توقعاتي. كنتُ في بداية قراءاتي الفلسفية، أضع الفلسفة كحرم أسمى للحرية المقدسة، وأضع المشتغلين بها ـ تأليفا وترجمة ـ كسدنة أمناء لهذه الحرم المقدس. كانت الفلسفة والمشتغلون بها تُمَثّل بالنسبة لي ـ وبالتماهي مع دعاوى المشتغلين بها ـ أفقَ حرية وانفتاح؛ مُعَاكِسا لمحدودية العالَم التراثي والسلفي الذي تشبّعت به كفضاء للممنوع والمقموع. ومن هنا، كانت الصدمة بحجم المُتوقّع والمأمول، فلم أرد ـ تحت وطأة نشوات الانعتاق الفاصل ـ أن أصدّق أن مشتغلا بالفلسفة يحذف مقطعا أصيلا من كتاب فلسفي شهير لمجرد أنه لا يوافق المؤلف على مضمونه، ولم أرد تصديق أنه/ المترجم لا يُرِيدني ـ كقارئ للنص الذي ترجمه ـ أن أطلع على ما قاله المؤلف الأصيل. 

في سنوات لاحقة مررت بنماذج كثيرة من هذا النوع. وللأسف، تأكّد لي أن الثقافة الشرقية المنتجة والمستهلكة للمحرمات والممنوعات والمقموعات هي ثقافة راسخة الأعماق، لا تؤمن بحرية الكلمة أصلا، ولا تُقِيم لها وَزْنا، وأن أبناءها الأصلاء الأوفياء لها يحذفون ويمنعون، بل ويُحَرِّفون على نحو تلقائي، يفعلون كل هذه الموبقات المعرفية والأخلاقية؛ وكأنهم بهذا يُمارِسون بديهيات الحقوق المكفولة لهم، يُمَارِسونه لمجرد أنه يُرْضِي أدنى عواطفهم وأبسط مشاعرهم، يمارسونه باختيارهم طائعين؛ دونما ضغط عليهم، أو احتياج ضروري يُلْجِئهم لذلك، أو حتى لِمُستلزم وظيفي يجعل هذا من مهامهم، بل هم يفعلونه فقط بمجرد أنه راق لهم لأي سبب، ولمجرد أن لا مانع يمنعهم بالقوة من ذلك؛ إلا استحقاقات قداسة "حرية الكلمة" التي يعتبرونها مجرد شعار غير مفهوم، شعار غير مدرج على مُمْكِن الاستيعاب. 

استمرت المحبطات في هذا السياق. وعندما بدأتُ أشتغل بعد ذلك على هموم "التخلف العربي"، وعلى إشكالية "التقدم"، عرفت ـ بأثر رجعي، وبدرجة اليقين المعرفي ـ أحدَ أهم أسباب التخلف العربي خاصة، والمشرقي عامة. فالمعرفة مُجْهَضة ـ حقيقة ـ قبل أن تبدأ؛ بإجهاض شرطها الأساس: حرية التفكير. ولا حرية للتفكير إلا بحرية التعبير، إذ التداول شرط التعرّف، والتعرّف شرط مُرَاكمة التجارب/ تجارب الوعي، الذي يتحول ـ بكثافته وتعدّده وتنوّعه ـ من الكمي إلى النوعي في مسار نامٍ من الخلق/ الإبداع.

إن هذه الروح الانغلاقية هي روح عامة في الشرق، كل الشرق، روح تكاد تكون أصالة شرقية، روح تختلف عن الروح السائدة في العالم الغربي منذ أمد طويل. يذكر الفيلسوف والروائي الإيطالي/ أمبرتو إيكو في كتابه (اعترافات روائي شاب، ص67) أن روايته الشهيرة "اسم الوردة" عندما تُرْجمت في بعض بلدان أوروبا الشرقية أنه اتصل به كثير من المترجمين قائلين: إنه من الصعب جدا أن نذكر في بداية الرواية الغزوَ الروسي لتشكسلوفاكيا، فهذه الإحالة قد تجلب لنا بعض المتاعب. وقلت لهم إنني لا أوافق أبدا على أي تغيير يلحق بالنص. 

لا شيء تغيّر في عالم الشرق بعد حوالي أربعين عاما. هنا، المترجم في الشرق/ شرق الغرب/ شرق أوروبا، كان يريد تغيير النص لأن فضاء حرية التعبير يكاد يكون معدوما، والمؤلف الغربي الإيطالي لا يستوعب أن يُضْطر لحذف بضعة أسطر من نصه الأصلي لمجرد أن هناك من لا تروق له هذه الأسطر. ومع أنه يحسب للمترجمين هنا أنهم تواصلوا مع المؤلف ليستأذنوه في الحذف (ربما لكونه لا يزال حيًّا)، إلا أن هذه الاستئذان يكشف أن ثمة برزخا ثقافيا عميقا بين عالم الغرب وعالم الشرق، برزخا هو مساحة وَعْيٍ يصنع الدرجة الفارقة نوعيا بين المتقدمين/ المتحضرين من جهة، والمتخلفين من جهة أخرى. ومن الطبيعي حينئذٍ أن يكون التواصل الذي يُحاوِل عبورَ هذا البرزخ تواصلا صِراعِيا في كل المستويات وعلى كل الجبهات، على نحو صريح حينا، وعلى نحو مُضْمَرٍ/ مُسْتتر في كثير من الأحيان.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).