Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع"
"عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع"

حسن منيمنة

لتونس اليوم رئيس جمهورية منتخب، ينطق ببلاغة جليّة باسم الشعب والوطن والتاريخ، وحكومة على رأسها، وللمرة الأولى بما يشكل الإنجاز والسابقة ويدعو للاعتزاز، امرأة ذات كفاءة مشهودة، ووزراء من أصحاب الخبرات والشهادات.

وتونس اليوم تعيش مرحلة انتقالية تراجع فيها إنجازاتها باتجاه بلوغ النظام النيابي الناجع، يشارك فيها المواطنون كافة، ويبدون تأييدهم للخطوات الرشيدة التي تقررها قيادتهم.

لولا أن هذا الوصف السعيد مجرد غشاء هزيل، لإحدى أكثر التجارب السياسية المعاصرة مدعاة للأسف والخيبة في العالم.

لحظة يتعدّى المفوّض نطاق تفويضه، يفقد شرعيته. كان قيس سعيّد الرئيس المنتخب لتونس إلى أن تجاوز الصلاحيات المناطة به دستورياً وانتخابياً. لا ينفع التعويل على زعم الاستجابة للإرادة الشعبية المستجدة، فقياس هذه الإرادة هو الانتخابات، لا الاستطلاعات، ولا الآراء والتوقعات.

هو اليوم رئيس تونس، إنما بفعل انقلابي، وإن حاول تعميته، وبدعم من قوى، مدنية وأمنية، وللأسف نقابية، ارتضت تجاوز الدستور والتخلي عن العمل الشاق الذي يقتضيه بناء نظام قائم على سيادة المواطن، يستمد شرعيته من التقيّد بالبنى المتوافق عليها.

أي أن تونس اليوم انضمت، وسط التصفيق والترحيب من جانب بعض من لا يليق به الأمر، إلى مجموع دول الاستبداد في المنطقة، جمهوريات وممالك وغيرها، وأنهت ما كان لها من فرادة في سلوك طريق مختلف نحو سلطة قائمة على قرار المواطن.

أما مشهد رئيسة الوزراء، والوزراء الصامتين في مجلسهم، والذين يبدو دورهم منحصراً بالتصديق على المراسيم والأوامر الرئاسية، فهو مشهد مؤلم في المسعى المؤسف إلى استبدال المضمون بالصورة. بل تكاد الكمامات التي فرضتها الجائحة على وجوههم أن تكون أصدق ما في صورتهم هذه.

مع خطوات الرئيس قيس سعيّد في قلب المعايير، وإظهار الحرص على الدستور في خضم استباحته، والتحذير من ضرب الأعداء الحقيقيين والهلاميين بيد من حديد، لا حاجة إلى التفنيد. الرئيس، رغم ما استحصل عليه من فائض قوة، لم يحقّق شيئاً مما أكّد وشوك إنجازه من تصويبات وإصلاحات وملاحقات، بل اقتصر سجّله على التسويف والتوسيع المتواصل لما استجمع من سلطات.

على أن الرئيس قيس سعيّد ومن يدعمه في السر والعلن، يوغلون في إيذاء الرصيد المتبقي من التجربة السياسية التي راكمتها تونس. آخر مظاهر التفريط أن يمسي اللقاء النيابي "إرهاباً"، وأن تُدفع القوى الأمنية الوطنية إلى مطاردة نواب الشعب بتهمة القيام بواجبهم الدستوري، وأن يجري تفسير الدستور بأن أي خطوة، وإن كانت واضحة في اعتمادها على النص الدستوري، خاضعة لهوى الرئيس الذي منح نفسه سلطات مطلقة. فإن اعتبرها مخلّة بالأمن والاستقرار، فله تسخير أدوات الدولة لاعتراضها ومحاسبة من أقدم عليها.

في الأقوال والأفعال، الرئيس التونسي يعتبر أن الدولة التونسية برمّتها تختصر بشخصه. حدث أن استدعى لهذا الغرض قولاً مشابهاً للرئيس الفرنسي الأسبق، الشخصية المفصلية في التاريخ الفرنسي المعاصر، شارل ديغول.

على أن ديغول، والذي قال: "أنا فرنسا" في سياق مجازي معنوي، لم يتجرأ يوماً على الدستور. كما كان له قبل الدساتير سجل نضال طويل. أما الرئيس قيس سعيّد، إذ يأمر أجهزة الدولة بأن تتجرأ على أصحاب النضال الطويل في تونس، فانتخابه كان أول حضوره السياسي.

ليس انتقاصاً من مقامه أو دوره التذكير بأن تونس، حتى بعد انقضاء أكثر من عشرية على ثورتها، لا تزال في مرحلة انتقالية. فكان الأحرى بالرئيس سعيّد، وهو الذي لم يشارك بالثورة، أن يدرك أن انتخابه كان جزءاً من الهشاشة التي تصاحب المراحل الانتقالية، أي أنه لم يكن قبل انتخابه قائداً تاريخياً ذا سجل طافح بالكفاح أوصله إلى الرئاسة، بل كان انتخابه الخيار التحوطي لمن يريد تصويب المرحلة الانتقالية، لا الإطاحة بها. فدوره الأول، ولا سيما نظراً إلى خلفيته العلمية، كان الأجدر أن يكون تعزيز البنى الدستورية لا تحطيمها.

يشاء الرئيس قيس سعيّد اليوم أن يعتبر بأن العهدة التي يتولاها، والتي أناطها به الناخبون، تفويض مطلق يتيح له إعادة صياغة الدستور والدولة كما يرتئي. وليس هناك ما يدعو إلا إلى افتراض حسن نوايا الرجل وإخلاصه لوطنه.

ولكن التفريط بالدستور والميثاق المبدئي المتشكل، أي العقد الاجتماعي القائم على سيادة المواطن والمرجعية الدستورية، سابقة خطيرة. الخطر قائم في كل حين، ولكنه أشدّ في المراحل الانتقالية.

الخطأ الذي يرتكبه الرئيس قيس سعيّد في تونس اليوم، أي تجاوز روح التفويض الدستوري، مطابق لذاك الذي ارتكبه الرئيس المصري الراحل محمد مرسي في مصر قبل عشرة أعوام.

كان انتخاب مرسي عام ٢٠١٢ توافقاً بين قوى الثورة في المرحلة الانتقالية، ولكن محمد مرسي حين تولى المنصب، شاء أن يرى في رئاسته تخويلاً له وللإخوان المسلمين لتنفيذ برنامج يفتقد النضوج.

مرسي أهدر بالتالي رصيده الانتخابي وأتاح العودة  إلى النظام السياسي الأبوي، مع ما يصاحبه من استبداد وتجاوز للحقوق. والرئيس قيس سعيّد اليوم يقدم على خطوات تنسف المكتسبات الدستورية، لتطفح الحياة السياسية في تونس ببواكير الاستبداد وإرهاصاته.

في تونس، وفي عموم المحيط العربي، ثمة من كان يتوجب عليه أن ينصح وأن ينتقد. كل ما تشهده تونس من التعسف والتجاوز والاستهتار كان من شأنه أن يلقى الاعتراض والدعوات إلى التراجع والتصحيح من عديدين اختاروا الصمت. ربما لأن المتضرر، وفق الرأي الشائع، هو حزب حركة النهضة، أي تنظيم الإخوان المسلمين، أي جملة التوجهات الإسلامية.

الارتباط بين النهضة والإخوان تاريخي دون شك، غير أن هذا الحزب التونسي قد سار أشواطاً في اتجاه التباين والتمايز، فكرياً وإجرائياً، عن سائر تجارب الإخوان في أرجاء العالم. بل الأصح عدم افتراض التطابق بين كافة هذه التجارب ابتداءً، وإن اشتركت بخلفية عقائدية تجتمع عند المجمل وتفترق عند المفصّل.

وما لا شك فيه هو أن ظاهرة الإخوان كانت الحاضنة والممكنة لبروز الحركات الجهادية، بالتلاقح والتكامل مع التوجهات السلفية التي تشكّلت وتوسّعت في السعودية.

غير أن الخلفية العقائدية التي استحدثها الإخوان والتي تعزّزت بالسلفية لم تكن العامل الوحيد، في الحالة التونسية بالتأكيد، لدفع بعض الشباب المتديّن إلى التشدّد والجهاد، بل فاقتها من حيث التأثير سياسات السلطة القائمة قبل الثورة، من الملاحقات التعسفية والسجن، إلى "تجفيف منابع الإرهاب"، وتقويض المؤسسات الدينية المعتبرة، ولا سيما منها جامع الزيتونة.

على أي حال، شتّان بين هذه الاعتبارات وبين الافتراض التعسفي بأن حزب حركة النهضة هو القناع المخادع للإسلامية المتشددة والجهاد، أي للظلامية والإرهاب.

بل إن الإنصاف عند متابعة مسار هذا الحزب هو الإقرار بأنه اجتهد، فيما هو كغيره عرضة للأخطاء والهفوات، للالتزام بالنظام الدستوري النيابي التداولي انطلاقاً من قراءات تسعى إلى تحقيق المصلحة الوطنية على قاعدة القبول بالاختلاف.

ورغم القناعة الثابتة لدى بعض خصوم حزب حركة النهضة بأنه قد تورّط بالاغتيالات وغيرها من الأفعال السرّية أو الإجرامية، فإن الأشهر الماضية، والتي وضع فيها الحزب تحت المجهر للاستهداف والاستنزاف، لم تأتِ بما يثبت الاتهامات، فيبقى الكلام بشأن مؤامرات النهضة افتراءً دون برهان.

حزب حركة النهضة، كما سائر القوى السياسية التي تولّت المسؤولية العامة بعد الثورة، يجب أن يساءل طبعاً عن أدائه، وأن يحاسب الفاسدون في صفوفه. ولكن على الرغم من تراجع الاستقرار في تونس، لأسباب داخلية وخارجية، اقتصادية وسياسية، فإن إمكانية التصويب كانت قائمة ضمن الإطار الدستوري.

وما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد، مهما توالدت التوصيفات التلطيفية، هو تحطيم هذا الإطار، بنيّة التصويب. فكان التحطيم ولم يكن التصويب.

لا يبدو الرئيس قيس سعيّد، في الأعالي التي قرّرها لمقامه، قادراً على تقبّل النقد. غير أن دعوته إلى التخلي عن هذا المسار التفريطي بالثورة والدستور والإنجازات، مطلوبة من كل من يريد ألا تنزلق تونس إلى الفوضى الطويلة الأمد.

أوهام الإسلاميين بإزالة العلمانيين وإقامة الدولة الإسلامية، بمختلف صيغها المتشددة والسمحة، تصطدم بواقع أن المجتمعات في المنطقة، وإن كانت متديّنة في غالبها، لا تنسجم مع الرؤية الإسلامية القطعية، بل تسعى إلى مساحات من الحرية والتنوع لم تتمكن التوجهات الإسلامية من تأطيرها بالشكل البناء.

ولكن بالمقابل، فإن أوهام العلمانيين بالتخلص من الإسلاميين هي بدورها مناقضة لافتراض أن تمنّع مجتمعات المنطقة عن التجاوب مع المشاريع الإسلامية هو قبول تلقائي لما يقابلها من طروح، وهذه بدورها غير مكتملة لدى العلمانيين، اشتراكيين كانوا أو قوميين أو "تنويريين".

لا يحتاج الناشط السياسي أن يكون موافقاً مع الإسلاميين أو العلمانيين ليقبل حقيقة أن توجهات هؤلاء وأولئك جميعها هي جزء من الواقع السياسي في معظم مجتمعات المنطقة، وأنه لا بد بالتالي من التعايش فيما بينها وذلك على أساس المرجعية الدستورية.

أي أن توجيه النقد لقيس سعيّد في تونس يجب ألا تعترضه رغبة النكاية بالنهضة لإسلاميتها، فيما هي قولاً وفعلاً وفكراً وتأصيلاً، قد ارتضت المرجعية الدستورية.

بل الأصح والأنسب والأقرب إلى الانسجام مع المبادئ، لكل من يعتبر نفسه معنياً بقضايا الحرية والديمقراطية والأنوار والعلمانية أن يعمد إلى مراجعة لا تنتهي عند تونس، بل تشمل كذلك وبشكل خاص مصر التي استباح فيها الاستبداد من شاء أن يصنّفه على أنه من "الإخوان الإرهابيين".

والسعودية، حيث خطر الاستبداد يبلغ مستويات غير مسبوقة، ليس بالإمعان حاضراً بمأساة اليمن أو ماضياً بقتل جمال خاشقجي وإعدام الشيخ نمر النمر وحسب، بل مستقبلاً كذلك في أحكام الإعدام بحق سلمان العودة وعلي العمري والعديد غيرهم. كل وعود المشاريع العملاقة وكل مزاعم الإصلاح لا قيمة لها البتة في مقابل نقطة دم واحدة تهدر ظلماً.

لأن أيادي الرئيس قيس سعيّد لم تتلطخ بالدم، لا بد أن يكون الابتداء من تونس، بدعوة رئيسها، والذي لا يمكن إنكار حضوره وعزمه، إلى تصحيح ما وقع به من أخطاء، ولا سيما تجاوز الدستور والاستفراد بالحكم والاستخفاف بمن يساويه وقاراً وتصميماً من نواب الشعب، وإلى العودة بتونس إلى مسارها القائم على الميثاق السياسي الاجتماعي الذي قررته لها الثورة.

عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).