Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع"
"عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع"

حسن منيمنة

لتونس اليوم رئيس جمهورية منتخب، ينطق ببلاغة جليّة باسم الشعب والوطن والتاريخ، وحكومة على رأسها، وللمرة الأولى بما يشكل الإنجاز والسابقة ويدعو للاعتزاز، امرأة ذات كفاءة مشهودة، ووزراء من أصحاب الخبرات والشهادات.

وتونس اليوم تعيش مرحلة انتقالية تراجع فيها إنجازاتها باتجاه بلوغ النظام النيابي الناجع، يشارك فيها المواطنون كافة، ويبدون تأييدهم للخطوات الرشيدة التي تقررها قيادتهم.

لولا أن هذا الوصف السعيد مجرد غشاء هزيل، لإحدى أكثر التجارب السياسية المعاصرة مدعاة للأسف والخيبة في العالم.

لحظة يتعدّى المفوّض نطاق تفويضه، يفقد شرعيته. كان قيس سعيّد الرئيس المنتخب لتونس إلى أن تجاوز الصلاحيات المناطة به دستورياً وانتخابياً. لا ينفع التعويل على زعم الاستجابة للإرادة الشعبية المستجدة، فقياس هذه الإرادة هو الانتخابات، لا الاستطلاعات، ولا الآراء والتوقعات.

هو اليوم رئيس تونس، إنما بفعل انقلابي، وإن حاول تعميته، وبدعم من قوى، مدنية وأمنية، وللأسف نقابية، ارتضت تجاوز الدستور والتخلي عن العمل الشاق الذي يقتضيه بناء نظام قائم على سيادة المواطن، يستمد شرعيته من التقيّد بالبنى المتوافق عليها.

أي أن تونس اليوم انضمت، وسط التصفيق والترحيب من جانب بعض من لا يليق به الأمر، إلى مجموع دول الاستبداد في المنطقة، جمهوريات وممالك وغيرها، وأنهت ما كان لها من فرادة في سلوك طريق مختلف نحو سلطة قائمة على قرار المواطن.

أما مشهد رئيسة الوزراء، والوزراء الصامتين في مجلسهم، والذين يبدو دورهم منحصراً بالتصديق على المراسيم والأوامر الرئاسية، فهو مشهد مؤلم في المسعى المؤسف إلى استبدال المضمون بالصورة. بل تكاد الكمامات التي فرضتها الجائحة على وجوههم أن تكون أصدق ما في صورتهم هذه.

مع خطوات الرئيس قيس سعيّد في قلب المعايير، وإظهار الحرص على الدستور في خضم استباحته، والتحذير من ضرب الأعداء الحقيقيين والهلاميين بيد من حديد، لا حاجة إلى التفنيد. الرئيس، رغم ما استحصل عليه من فائض قوة، لم يحقّق شيئاً مما أكّد وشوك إنجازه من تصويبات وإصلاحات وملاحقات، بل اقتصر سجّله على التسويف والتوسيع المتواصل لما استجمع من سلطات.

على أن الرئيس قيس سعيّد ومن يدعمه في السر والعلن، يوغلون في إيذاء الرصيد المتبقي من التجربة السياسية التي راكمتها تونس. آخر مظاهر التفريط أن يمسي اللقاء النيابي "إرهاباً"، وأن تُدفع القوى الأمنية الوطنية إلى مطاردة نواب الشعب بتهمة القيام بواجبهم الدستوري، وأن يجري تفسير الدستور بأن أي خطوة، وإن كانت واضحة في اعتمادها على النص الدستوري، خاضعة لهوى الرئيس الذي منح نفسه سلطات مطلقة. فإن اعتبرها مخلّة بالأمن والاستقرار، فله تسخير أدوات الدولة لاعتراضها ومحاسبة من أقدم عليها.

في الأقوال والأفعال، الرئيس التونسي يعتبر أن الدولة التونسية برمّتها تختصر بشخصه. حدث أن استدعى لهذا الغرض قولاً مشابهاً للرئيس الفرنسي الأسبق، الشخصية المفصلية في التاريخ الفرنسي المعاصر، شارل ديغول.

على أن ديغول، والذي قال: "أنا فرنسا" في سياق مجازي معنوي، لم يتجرأ يوماً على الدستور. كما كان له قبل الدساتير سجل نضال طويل. أما الرئيس قيس سعيّد، إذ يأمر أجهزة الدولة بأن تتجرأ على أصحاب النضال الطويل في تونس، فانتخابه كان أول حضوره السياسي.

ليس انتقاصاً من مقامه أو دوره التذكير بأن تونس، حتى بعد انقضاء أكثر من عشرية على ثورتها، لا تزال في مرحلة انتقالية. فكان الأحرى بالرئيس سعيّد، وهو الذي لم يشارك بالثورة، أن يدرك أن انتخابه كان جزءاً من الهشاشة التي تصاحب المراحل الانتقالية، أي أنه لم يكن قبل انتخابه قائداً تاريخياً ذا سجل طافح بالكفاح أوصله إلى الرئاسة، بل كان انتخابه الخيار التحوطي لمن يريد تصويب المرحلة الانتقالية، لا الإطاحة بها. فدوره الأول، ولا سيما نظراً إلى خلفيته العلمية، كان الأجدر أن يكون تعزيز البنى الدستورية لا تحطيمها.

يشاء الرئيس قيس سعيّد اليوم أن يعتبر بأن العهدة التي يتولاها، والتي أناطها به الناخبون، تفويض مطلق يتيح له إعادة صياغة الدستور والدولة كما يرتئي. وليس هناك ما يدعو إلا إلى افتراض حسن نوايا الرجل وإخلاصه لوطنه.

ولكن التفريط بالدستور والميثاق المبدئي المتشكل، أي العقد الاجتماعي القائم على سيادة المواطن والمرجعية الدستورية، سابقة خطيرة. الخطر قائم في كل حين، ولكنه أشدّ في المراحل الانتقالية.

الخطأ الذي يرتكبه الرئيس قيس سعيّد في تونس اليوم، أي تجاوز روح التفويض الدستوري، مطابق لذاك الذي ارتكبه الرئيس المصري الراحل محمد مرسي في مصر قبل عشرة أعوام.

كان انتخاب مرسي عام ٢٠١٢ توافقاً بين قوى الثورة في المرحلة الانتقالية، ولكن محمد مرسي حين تولى المنصب، شاء أن يرى في رئاسته تخويلاً له وللإخوان المسلمين لتنفيذ برنامج يفتقد النضوج.

مرسي أهدر بالتالي رصيده الانتخابي وأتاح العودة  إلى النظام السياسي الأبوي، مع ما يصاحبه من استبداد وتجاوز للحقوق. والرئيس قيس سعيّد اليوم يقدم على خطوات تنسف المكتسبات الدستورية، لتطفح الحياة السياسية في تونس ببواكير الاستبداد وإرهاصاته.

في تونس، وفي عموم المحيط العربي، ثمة من كان يتوجب عليه أن ينصح وأن ينتقد. كل ما تشهده تونس من التعسف والتجاوز والاستهتار كان من شأنه أن يلقى الاعتراض والدعوات إلى التراجع والتصحيح من عديدين اختاروا الصمت. ربما لأن المتضرر، وفق الرأي الشائع، هو حزب حركة النهضة، أي تنظيم الإخوان المسلمين، أي جملة التوجهات الإسلامية.

الارتباط بين النهضة والإخوان تاريخي دون شك، غير أن هذا الحزب التونسي قد سار أشواطاً في اتجاه التباين والتمايز، فكرياً وإجرائياً، عن سائر تجارب الإخوان في أرجاء العالم. بل الأصح عدم افتراض التطابق بين كافة هذه التجارب ابتداءً، وإن اشتركت بخلفية عقائدية تجتمع عند المجمل وتفترق عند المفصّل.

وما لا شك فيه هو أن ظاهرة الإخوان كانت الحاضنة والممكنة لبروز الحركات الجهادية، بالتلاقح والتكامل مع التوجهات السلفية التي تشكّلت وتوسّعت في السعودية.

غير أن الخلفية العقائدية التي استحدثها الإخوان والتي تعزّزت بالسلفية لم تكن العامل الوحيد، في الحالة التونسية بالتأكيد، لدفع بعض الشباب المتديّن إلى التشدّد والجهاد، بل فاقتها من حيث التأثير سياسات السلطة القائمة قبل الثورة، من الملاحقات التعسفية والسجن، إلى "تجفيف منابع الإرهاب"، وتقويض المؤسسات الدينية المعتبرة، ولا سيما منها جامع الزيتونة.

على أي حال، شتّان بين هذه الاعتبارات وبين الافتراض التعسفي بأن حزب حركة النهضة هو القناع المخادع للإسلامية المتشددة والجهاد، أي للظلامية والإرهاب.

بل إن الإنصاف عند متابعة مسار هذا الحزب هو الإقرار بأنه اجتهد، فيما هو كغيره عرضة للأخطاء والهفوات، للالتزام بالنظام الدستوري النيابي التداولي انطلاقاً من قراءات تسعى إلى تحقيق المصلحة الوطنية على قاعدة القبول بالاختلاف.

ورغم القناعة الثابتة لدى بعض خصوم حزب حركة النهضة بأنه قد تورّط بالاغتيالات وغيرها من الأفعال السرّية أو الإجرامية، فإن الأشهر الماضية، والتي وضع فيها الحزب تحت المجهر للاستهداف والاستنزاف، لم تأتِ بما يثبت الاتهامات، فيبقى الكلام بشأن مؤامرات النهضة افتراءً دون برهان.

حزب حركة النهضة، كما سائر القوى السياسية التي تولّت المسؤولية العامة بعد الثورة، يجب أن يساءل طبعاً عن أدائه، وأن يحاسب الفاسدون في صفوفه. ولكن على الرغم من تراجع الاستقرار في تونس، لأسباب داخلية وخارجية، اقتصادية وسياسية، فإن إمكانية التصويب كانت قائمة ضمن الإطار الدستوري.

وما أقدم عليه الرئيس قيس سعيّد، مهما توالدت التوصيفات التلطيفية، هو تحطيم هذا الإطار، بنيّة التصويب. فكان التحطيم ولم يكن التصويب.

لا يبدو الرئيس قيس سعيّد، في الأعالي التي قرّرها لمقامه، قادراً على تقبّل النقد. غير أن دعوته إلى التخلي عن هذا المسار التفريطي بالثورة والدستور والإنجازات، مطلوبة من كل من يريد ألا تنزلق تونس إلى الفوضى الطويلة الأمد.

أوهام الإسلاميين بإزالة العلمانيين وإقامة الدولة الإسلامية، بمختلف صيغها المتشددة والسمحة، تصطدم بواقع أن المجتمعات في المنطقة، وإن كانت متديّنة في غالبها، لا تنسجم مع الرؤية الإسلامية القطعية، بل تسعى إلى مساحات من الحرية والتنوع لم تتمكن التوجهات الإسلامية من تأطيرها بالشكل البناء.

ولكن بالمقابل، فإن أوهام العلمانيين بالتخلص من الإسلاميين هي بدورها مناقضة لافتراض أن تمنّع مجتمعات المنطقة عن التجاوب مع المشاريع الإسلامية هو قبول تلقائي لما يقابلها من طروح، وهذه بدورها غير مكتملة لدى العلمانيين، اشتراكيين كانوا أو قوميين أو "تنويريين".

لا يحتاج الناشط السياسي أن يكون موافقاً مع الإسلاميين أو العلمانيين ليقبل حقيقة أن توجهات هؤلاء وأولئك جميعها هي جزء من الواقع السياسي في معظم مجتمعات المنطقة، وأنه لا بد بالتالي من التعايش فيما بينها وذلك على أساس المرجعية الدستورية.

أي أن توجيه النقد لقيس سعيّد في تونس يجب ألا تعترضه رغبة النكاية بالنهضة لإسلاميتها، فيما هي قولاً وفعلاً وفكراً وتأصيلاً، قد ارتضت المرجعية الدستورية.

بل الأصح والأنسب والأقرب إلى الانسجام مع المبادئ، لكل من يعتبر نفسه معنياً بقضايا الحرية والديمقراطية والأنوار والعلمانية أن يعمد إلى مراجعة لا تنتهي عند تونس، بل تشمل كذلك وبشكل خاص مصر التي استباح فيها الاستبداد من شاء أن يصنّفه على أنه من "الإخوان الإرهابيين".

والسعودية، حيث خطر الاستبداد يبلغ مستويات غير مسبوقة، ليس بالإمعان حاضراً بمأساة اليمن أو ماضياً بقتل جمال خاشقجي وإعدام الشيخ نمر النمر وحسب، بل مستقبلاً كذلك في أحكام الإعدام بحق سلمان العودة وعلي العمري والعديد غيرهم. كل وعود المشاريع العملاقة وكل مزاعم الإصلاح لا قيمة لها البتة في مقابل نقطة دم واحدة تهدر ظلماً.

لأن أيادي الرئيس قيس سعيّد لم تتلطخ بالدم، لا بد أن يكون الابتداء من تونس، بدعوة رئيسها، والذي لا يمكن إنكار حضوره وعزمه، إلى تصحيح ما وقع به من أخطاء، ولا سيما تجاوز الدستور والاستفراد بالحكم والاستخفاف بمن يساويه وقاراً وتصميماً من نواب الشعب، وإلى العودة بتونس إلى مسارها القائم على الميثاق السياسي الاجتماعي الذي قررته لها الثورة.

عسى أن تعود تونس لذاتها، وللعالم أجمع.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).