Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

In this handout photograph taken and released by La Moncloa (Spanish Prime Minister's office) on April 7, 2022, Spain's Prime…
مراقبون وصفوا لقاء ملك المغرب ورئيس وزراء إسبانيا بالتاريخي

عبد الرحيم التوراني

تميز هذا الأسبوع الذي نودعه، بحدث بارز في منطقة المتوسط، وهو اللقاء بين الذي جرى يوم الخميس الأخير في الرباط، بين العاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز. 

يحصل هذا اللقاء، الموصوف من قبل المراقبين بـ"الحدث التاريخي"، بعد تغيير اسبانيا لموقفها من نزاع الصحراء الغربية، إثر الرسالة التي أرسلها رئيس الحكومة الاسبانية إلى العاهل المغربي محمد السادس في مارس المنصرم، وأكد فيها بيدرو سانشيز أن خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب هي الأكثر "جدية وواقعية ومصداقية". ما اعتبرته أكثر من جهة، تغييرا غير مسبوق في موقف مدريد، بالإشادة بـ"الجهود الجادة وذات المصداقية التي يقوم بها المغرب في إطار الأمم المتحدة من أجل تسوية ترضي جميع الأطراف". وهو ما جرى التعامل معه أيضا كـ "تحول جذري" في السياسة الاسبانية، بشأن هذه القضية التي عمرت قرابة نصف قرن من السنين.  

لذلك يتطلع الرأي العام في البلدين، صوب انبعاث أفق جديد في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية، بإعلان "نهاية سعيدة" لخلاف سياسي ودبلوماسي طال أمده بين الجارين. نهاية ستشكل بداية لولوج مرحلة إيجابية بينهما، من "الاحترام المتبادل، واحترام الاتفاقات، وغياب الإجراءات الأحادية، والشفافية والتواصل الدائم".  

لكن هاته "النهاية السعيدة" لم تكن كذلك بالنسبة لجبهة البوليساريو ولحليفها التاريخي الجزائر، بل شكلت لهما كابوسا مرعبا ومزعجا، أدى بالجزائر إلى  التنديد بالموقف الاسباني والاحتجاج على عدم إبلاغها بالقرار، والمبادرة باستدعاء سفيرها في مدريد من أجل التشاور. وجعل الجبهة الانفصالية تندد بقوة بالموقف الاسباني الجديد من القضية الصحراوية، متهمة اسبانيا بالخضوع لما وصفته "بالاستسلام في مواجهة الابتزاز وسياسة الخوف التي يستخدمها المغرب". بل إن بيان قيادة البوليساريو تمادى في اتهام السلطة التنفيذية الإسبانية ونعتها بـ"الخيانة"!... 

لم يكتمل مرور عشرين يوما على هذه الرسالة التاريخية، حتى وصل إلى الرباط المسؤول الأول في الحكومة الاسبانية، برفقة وزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس، وعلى مائدة إفطار رمضاني بالقصر الملكي، أعطيت الإشارة رسميا لوضع قطار التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين على سكته المنشودة. 

وبالعودة إلى قراءة فحوى رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي، كما أدرجت عباراتها في نص بيان الديوان الملكي المغربي (18 مارس 2022)، فسنجدها تركز بالأساس على التعاون المشترك في موضوع "تدبير تدفقات المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي"، وتنتهي بالإشارة إلى أنه "سيتم اتخاذ هذه الخطوات من أجل ضمان الاستقرار والوحدة الترابية للبلدين". 

وإذا كان موضوع "الوحدة الترابية" بالنسبة للمغاربة، مسألة جلية ومعلومة، متعلقة أساسا بأقاليمه الجنوبية في الصحراء الغربية. فإن تعبير "الوحدة الترابية" بالنسبة للإسبان يظل ضبابيا بعض الشيء وغائما، إذا تجاوزنا مسألة إيقاف تدفق الهجرة غير القانونية إلى أراضيها. لكن التعبير ينطوي بين أحرفه على ما هو أكبر من ذلك، حيث علينا استحضار التشبث الدائم لمدريد باحتلالها وبسط سيطرتها ونفوذها الكامل على مدينتي سبتة ومليلية، وعلى الثغور المغربية بالبحر المتوسط والمحيط الأطلسي. 

*** 
لا يجب أيضا تغييب واقعة سفر رئيس الحكومة الاسباني إلى المغرب من دون حصوله على دعم من البرلمان الاسباني، والموافقة على أطروحته المؤيدة للمغرب بخصوص نزاع الصحراء الغربية. حيث أثار موقف سانشيز انتقادات وشكوكا من المعارضة، وأيضا من حلفائه في الحكومة على السواء. منها حسب معارضيه "مخالفته لأسس القانون الدولي، الذي يطرح حل النزاع في إطار استفتاء تقرير المصير. وأن حل النزاع في الصحراء الغربية يجب أن "يمر عبر الحوار واحترام الإرادة الديمقراطية للصحراويين". 

علما أن باقي مكونات البرلمان الإسباني تتمسك بموقف داعم لقرارات الأمم المتحدة لصالح حل تفاوضي بين ما يسمى "أطراف نزاع الصحراء"، لتحديد الوضع المستقبلي للمستعمرة الاسبانية السابقة. بل إن داخل الحكومة الاسبانية من يؤيد "مبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي"، و"وجوب احترام الشعب الصحراوي وإرادته الديمقراطية"، كما ينادي بذلك اليسار الراديكالي "بوديموس" المشارك في الحكومة الحالية، والذي يتضح أنه مستمر في زيادة الضغط على الزعيم الاشتراكي سانشيز، لدفعه لمراجعة الموقف المتصل بهذه القضية.  

كما وجدتها المعارضة اليمينية فرصة للنيل من الإئتلاف الحكومي، نافية عنه قيمة الشفافية، ومحتجة على عدم مناقشة البيان المثير للجدل داخل البرلمان. بل إن المتحدث باسم حزب "فوكس" اليميني المتطرف والشعبوي، إيفان إسبينوزا دي لوس مونتيروس، وصف القرار بـ"غير المتوقع والمتهور وغير المناسب وغير الضروري"، وقال إنه لا يلزمه. 

واتضح جليا أن الموقف غير المسبوق الذي اتخذه بيدرو سانشيز حول قضية الصحراء، "دون استشارة البرلمان أو إبلاغ الرأي العام" كما يقول خصومه ومهاجميه، أحدث ولا شك  تصدعا وقطيعة مع الخط التاريخي السياسي والدبلوماسي لاسبانيا. 

***  
طيلة عقود ظلت العلاقات بين المغرب واسبانيا تتأرجح بين الركون والتوتر، لجملة من الخلافات والأسباب العميقة، على رأسها الموقف من قضية الصحراء. لكن السنة الماضية شهدت توترا عاليا وخلافا دبلوماسيا كبيرا بين الجارتين، بعد استضافة مدريد لشخص دخل إسبانيا بغاية الاستشفاء بإحدى مصحاتها من "كوفيد 19"، بجواز  عليه اسم: محمد بنبطاش، ولم يكن غير زعيم البوليساريو ابراهيم غالي. ما أثار غضبا شديدا واحتجاجا واسعا في الرباط، خصوصا وأن المعني متابع أمام العدالة الاسبانية بـدعاوى تتهمه بـ"ارتكاب جرائم حرب". 

وإذا كان التغير في الموقف الاسباني من قضية الصحراء، يعتبر لأول وهلة من نتائج وأصداء الحرب الدائرة رحاها اليوم في شرق أوروبا، والتي بدأت تأثيراثها السياسية والاقتصادية تتجلى في أكثر من منطقة بأنحاء العالم. فإنه لا يمكن تغييب مسألة المقايضة التي وقعت في نهاية 2020، بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والمغرب، بانضمام هذا الأخير للإمارات والبحرين والسودان بالتوقيع على "اتفاقيات أبرهام"، وقبول المغرب التطبيع مع إسرائيل واستئناف علاقاته الدبلوماسية معها، مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على المستعمرة الإسبانية السابقة.  

بهذا الصدد يتحدث اليوم بعض المراقبين عن صفقة "مقايضة جديدة" تم إبرامها خلف أبواب مغلقة، بين مدريد والرباط، وقد جرى الكشف في هذه المقايضة عما دفعته اسبانيا، بالاعتراف بالحكم الذاتي في الصحراء في إطار دولة مركزية قوية، هي المغرب، لكن لم يحصل الكشف بشكل واضح ومفصل عن المقابل الذي قدمه المغرب. وهو عدم المطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية والثغور المحتلة. التي تطالب جهات سياسية في اسبانيا بأن يشملها انضمام مدريد لحلف "الناتو".  

من هنا يفهم تخوفات البرلمانية اليمينية إيزابيل دياز أيوسو، التي اتهمت صراحة رئيس السلطة التنفيذية بتهديد "سيادة سبتة ومليلية وجزر الكناري"، التي حسب قولها "تسكن وجدان الشعب الإسباني"، وذلك بسبب التغيير المفاجئ للحكومة في موقفها بشأن الصحراء. وطالبت دياز أيوسو، التي تعد من أكثر الأصوات انتقادًا لبيدرو سانشيز، "باستقالة جماعية" لأعضاء الحكومة بأكملها. مضيفة أن "المغرب ليس له سبب تاريخي للمطالبة باسترجاع المدينتين. وأن السؤال هو "لماذا يضم سانشيز أيضًا جزر الكناري؟"، متسائلة "ما الذي يجري ويتفاوض عليه وراء ظهر البرلمان وإسبانيا؟". وهل "الاتفاق" مع المغرب سيجبر اسبانيا على التخلي عن سبتة ومليلية وجزر الكناري. 

*** 

كان البرلمان المغربي في يناير 2020، صادق بالإجماع على ترسيم الحدود البحرية من خلال قانون يوسع سلطة المملكة القانونية لتشمل المجال البحري لـ "لأقاليم الجنوبية"، وعلى قانون آخر بإحداث منطقة اقتصادية خالصة على مسافة 200 ميل بحري عرض الشواطئ المغربية. 

لكن وزير الخارجية المغربي، خلال عرضه لمشروع القانونين أمام البرلمان، لم ينس التأكيد على أن تبني هذين القانونين هو "مسألة داخلية سيادية"، وشدد في الوقت نفسه على "انفتاح المغرب واستعداده للحوار والتفاوض مع جيرانه وخاصة إسبانيا لمعالجة أي تداخل في المجالات البحرية للبلدين". وأن المغرب مستعد للحوار البناء "على أساس المنفعة المشتركة". 

غير إن مدريد عبرت حينها عن رفضها لإقدام المغرب على ترسيم حدوده البحرية خارج إطار الاتفاق المشترك معها.  

وإذا علمنا أن المنطقة التي يعتبرها المغرب ضمن حدوده البحرية تحتوي على جبل بركاني، تم اكتشافه على بعد كيلومترات من السواحل المغربية التي شملها الترسيم، ويكتنز حجما كبيرا من المعادن النفيسة والنادرة من الاحتياطات المعدنية الضخمة والغازات والثروات الطبيعية، من أهمها معادن التيلوريوم والكوبالت والنيكل والرصاص والفاناديوم والليثيوم، التي تستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية واللوائح الشمسية والهواتف الذكية. لذلك تطمع إسبانيا في نيل نصيبها منها. ويطلق على الجبل البركاني اسم جبل "تروبيك"، وهو على عمق ألف متر تقريبا تحت سطح البحر. 

وذكرت تقارير إعلاميية أن احتياطيات جبل "تروبيك" من التيلوريوم بنحو 10 في المئة من الاحتياطي العالمي، أما مخزون "تروبيك" من الكوبالت فيقال إنه يكفي لتصنيع أكثر من 270 مليون سيارة كهربائية، وهو ما يمثل 54 ضعف ما تمتلكه جميع دول العالم من هذا النوع من السيارات الصديقة للبيئة. 

*** 

لعل هذه بعض خلفيات الاتفاقية التي تمثل بداية "مرحلة جديدة" لكلا البلدين. ملخصها الاعتراف بالحكم الذاتي للصحراء ضمن المغرب، مقابل السكوت والتخلي عن المطالبة بسبتة ومليلية وباقي الثغور. 

لقد كان الخوف دائما في إسبانيا هو أنه بمجرد أن يحقق االمغرب استرجاع الصحراء بشكل رسمي، فإنه سيكثف مطالبته بالمدينتين سبتة ومليلية وبجزر الكناري. فيما تشدد مدريد على أن المدينتين والجزر تحت سيادتها، وترفض أي حوار حول وضعها. 

إنها بعض أسباب تخلي إسبانيا عن حيادها التقليدي في قضية الصحراء الغربية. وقد شرع ذلك الموقف في الخلخلة منذ 13 نوفمبر 2020 إثر أحداث معبر "الكركرات"، وإعلان البوليساريو انتهاك وقف إطلاق النار المستمر منذ 1990. لكن الواقع لم يظهر أي  وجود لأثر حرب فعلية في هذا الصراع بالمنطقة. وعملت الحرب في أوكرانيا في تسريع حدوثه، قي سياق فرضية مفادها أن سانشيز، الذي وصفته صحيفة "لوموند" الفرنسية قبل يومين، كونه بصدد "لعبة خطيرة"، إلا أنه كما يبدو، يسعى جاهدا كي تنجح اسبانيا في تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية الدولية، والاصطفاف مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهما معا يسيران في نفس الاتجاه، أي الشراكة والتحالف مع المغرب.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول
صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول

سناء الحنفي العاجي

تقول الحكاية التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل: "ﺳﺄﻝ صحافي ذات مرة ﺍﻟﺪالاي لاما: "ﻣﺎﺫﺍ ﺳﺘﻔﻌﻞ ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ الأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺧﺬ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳّﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻭﺃﻟﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ؟". ﺃجابه ﺍﻟﺪالاي ﻻﻣﺎ بدون تردد: "ﺳﻴﺪﻱ، ﺇﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺃﺣﺪهم ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻓﺄﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳﺄﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ ‏(ﻓﻨﻲ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ)".

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺼﺤافي ﻣﻦ ﺿﺤﻜﻪ؛ ﻗﺎﻝ له ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﺳﻤﻌﻬﺎ.

وأضاف الدالاي لاما ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻔﺠّﺮ ‏شخص ﻣﺎ تمثالا ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﻳﺤﺮﻕ معبدا ﺑﻮﺫيا، ﺃﻭ ﻳﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎﻧﺎ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ ﻭﺑﻮﺫﻳﺎﺕ.. ﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍ ﺑﺄﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ.

"ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ" ﻟﻴﺲ ﻫﻮ "ﺍﻟﺪﻳﻦ"، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ. ﻛﻞ هؤلاء ﻫﻢ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ "ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃﻛﺜﺮ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺮﻳﻦ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺣﻴﻦ ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﻴﺬﻫﺐ "ﺍﻟﺪﻳﻦ" ﻛﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ!!".

لا نعرف إذا ما كانت الحكاية صحيحة أم أنها مختلقة. وليس يهم صراحة أن تكون حقيقية فعلا، لأن مغزاها هو الأهم؛ ويمكن تطبيقه على الإسلام واليهودية والمسيحية وكل الديانات والإيديولوجيات والقناعات: هل الأساسي هو "الكتاب" أم ما يحمله من فكر أو روح؟ هل الأساسي هو "المعبد" أم القيم والسلوك والإيمان الروحي التي يفترض أن يتحلى بها المؤمن؟ هل الأساسي هو "رجل الدين" أم قيم وروح الدين؟ 

مناسبة هذا الكلام هو تداعيات وردود الفعل الشعبية والرسمية بعد حادثتي حرق القرآن في كل من السويد وهولندا. 

أن يقوم شخص بحرق القرآن هو بالتأكيد سلوك متطرف، بل وغبي! فهل حرق نسخ من القرآن سيقضي على المسلمين أو سيقضي على قناعاتهم؟ في زمن تطبع فيه المطابع ملايين النسخ سنويا، وتتوفر نسخ على الإنترنت، ما جدوى الحرق سوى الاستفزاز الغبي والعدواني؟

بالتالي، فردود الفعل المتشنجة تغذي تطرف الجهة التي قامت بالحرق وتشبع رغبتها في الاستفزاز. بل أكثر من ذلك، هي تثبت لمن يساندها قليلا أن المسلمين، بالفعل، أشخاص متطرفون وعنيفون في ردود أفعالهم. 

كذلك، متى سنتعلم أن مقدسنا ليس مقدسا عند الآخرين؟ تماما كما قد نستغرب بعض قناعات غيرنا أو حتى نسخر منها، فهناك من لا ينظر للمسجد أو للقرآن بنفس منظار المسلم المتدين. لذلك، فهو لن يستوعب كل ردود الفعل المتشنجة بخصوص حادثتي حرق القرآن. 

كما أن القرآن، ككتاب، هو بالنهاية عنصر مادي. القيمة الفعلية توجد في محتواه وفي روحه وفي القيم التي قد يحملها منه الإنسان المسلم. هذا الحامل المادي قد يتعرض للتلف من طرف المسلمين أنفسهم بسبب حوادث أو بسبب القدم فقط؛ وليس علينا أن نحمل أي تلف طبيعي أو حتى متعمد، تأويلات بعيدة وضخمة.

قيمنا ومقدساتنا قد تكون محط انتقادات من طرف الآخرين. بل ومحط سخرية ومحط أفعال عدوانية من طرف البعض.. وعلينا أن نقبل ذلك لأنه جزء من التعدد الفكري. ما لم تهدد هذه السخرية وهذه الأفعال العدوانية حياة الآخرين وما لم تمس كرامتهم وسلامتهم الجسدية كأفراد، فهي جزء من الحرية التي نطالب بها. كما أن القانون يفترض أن يعاقب كل سلوك يهدد حياة الآخرين وسلامتهم الجسدية. ما دون ذلك، يفترض أن يظل موضوع نقاش وانتقاد هادئ وبدون تشنجات ولا مبالغات.

الحقيقة أنه لا يوجد مسلم واحد سينسى الإسلام بسبب حرق القرآن، كما أن محتوى القرآن كنص لن يضيع بسبب الحرق، لأن النسخ متوفرة بالملايين. في نفس الوقت، فحتى ضمن غير المسلمين، ليس هناك شخص عاقل سيفرح إزاء سلوك غبي وعنصري ومتطرف كهذا الذي قام به من أحرقوا نسخا من القرآن. بالتالي، فكل ردود فعلنا المتشنجة لا تعني أكثر من كوننا مازلنا غارقين في وهم مركزيتنا الكونية.. كما أنها تجعلنا، للأسف، نغذي الخطابات السامة لمتطرفي الطرف الآخر!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).