Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

In this handout photograph taken and released by La Moncloa (Spanish Prime Minister's office) on April 7, 2022, Spain's Prime…
مراقبون وصفوا لقاء ملك المغرب ورئيس وزراء إسبانيا بالتاريخي

عبد الرحيم التوراني

تميز هذا الأسبوع الذي نودعه، بحدث بارز في منطقة المتوسط، وهو اللقاء بين الذي جرى يوم الخميس الأخير في الرباط، بين العاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز. 

يحصل هذا اللقاء، الموصوف من قبل المراقبين بـ"الحدث التاريخي"، بعد تغيير اسبانيا لموقفها من نزاع الصحراء الغربية، إثر الرسالة التي أرسلها رئيس الحكومة الاسبانية إلى العاهل المغربي محمد السادس في مارس المنصرم، وأكد فيها بيدرو سانشيز أن خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب هي الأكثر "جدية وواقعية ومصداقية". ما اعتبرته أكثر من جهة، تغييرا غير مسبوق في موقف مدريد، بالإشادة بـ"الجهود الجادة وذات المصداقية التي يقوم بها المغرب في إطار الأمم المتحدة من أجل تسوية ترضي جميع الأطراف". وهو ما جرى التعامل معه أيضا كـ "تحول جذري" في السياسة الاسبانية، بشأن هذه القضية التي عمرت قرابة نصف قرن من السنين.  

لذلك يتطلع الرأي العام في البلدين، صوب انبعاث أفق جديد في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية، بإعلان "نهاية سعيدة" لخلاف سياسي ودبلوماسي طال أمده بين الجارين. نهاية ستشكل بداية لولوج مرحلة إيجابية بينهما، من "الاحترام المتبادل، واحترام الاتفاقات، وغياب الإجراءات الأحادية، والشفافية والتواصل الدائم".  

لكن هاته "النهاية السعيدة" لم تكن كذلك بالنسبة لجبهة البوليساريو ولحليفها التاريخي الجزائر، بل شكلت لهما كابوسا مرعبا ومزعجا، أدى بالجزائر إلى  التنديد بالموقف الاسباني والاحتجاج على عدم إبلاغها بالقرار، والمبادرة باستدعاء سفيرها في مدريد من أجل التشاور. وجعل الجبهة الانفصالية تندد بقوة بالموقف الاسباني الجديد من القضية الصحراوية، متهمة اسبانيا بالخضوع لما وصفته "بالاستسلام في مواجهة الابتزاز وسياسة الخوف التي يستخدمها المغرب". بل إن بيان قيادة البوليساريو تمادى في اتهام السلطة التنفيذية الإسبانية ونعتها بـ"الخيانة"!... 

لم يكتمل مرور عشرين يوما على هذه الرسالة التاريخية، حتى وصل إلى الرباط المسؤول الأول في الحكومة الاسبانية، برفقة وزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس، وعلى مائدة إفطار رمضاني بالقصر الملكي، أعطيت الإشارة رسميا لوضع قطار التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين على سكته المنشودة. 

وبالعودة إلى قراءة فحوى رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي، كما أدرجت عباراتها في نص بيان الديوان الملكي المغربي (18 مارس 2022)، فسنجدها تركز بالأساس على التعاون المشترك في موضوع "تدبير تدفقات المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي"، وتنتهي بالإشارة إلى أنه "سيتم اتخاذ هذه الخطوات من أجل ضمان الاستقرار والوحدة الترابية للبلدين". 

وإذا كان موضوع "الوحدة الترابية" بالنسبة للمغاربة، مسألة جلية ومعلومة، متعلقة أساسا بأقاليمه الجنوبية في الصحراء الغربية. فإن تعبير "الوحدة الترابية" بالنسبة للإسبان يظل ضبابيا بعض الشيء وغائما، إذا تجاوزنا مسألة إيقاف تدفق الهجرة غير القانونية إلى أراضيها. لكن التعبير ينطوي بين أحرفه على ما هو أكبر من ذلك، حيث علينا استحضار التشبث الدائم لمدريد باحتلالها وبسط سيطرتها ونفوذها الكامل على مدينتي سبتة ومليلية، وعلى الثغور المغربية بالبحر المتوسط والمحيط الأطلسي. 

*** 
لا يجب أيضا تغييب واقعة سفر رئيس الحكومة الاسباني إلى المغرب من دون حصوله على دعم من البرلمان الاسباني، والموافقة على أطروحته المؤيدة للمغرب بخصوص نزاع الصحراء الغربية. حيث أثار موقف سانشيز انتقادات وشكوكا من المعارضة، وأيضا من حلفائه في الحكومة على السواء. منها حسب معارضيه "مخالفته لأسس القانون الدولي، الذي يطرح حل النزاع في إطار استفتاء تقرير المصير. وأن حل النزاع في الصحراء الغربية يجب أن "يمر عبر الحوار واحترام الإرادة الديمقراطية للصحراويين". 

علما أن باقي مكونات البرلمان الإسباني تتمسك بموقف داعم لقرارات الأمم المتحدة لصالح حل تفاوضي بين ما يسمى "أطراف نزاع الصحراء"، لتحديد الوضع المستقبلي للمستعمرة الاسبانية السابقة. بل إن داخل الحكومة الاسبانية من يؤيد "مبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي"، و"وجوب احترام الشعب الصحراوي وإرادته الديمقراطية"، كما ينادي بذلك اليسار الراديكالي "بوديموس" المشارك في الحكومة الحالية، والذي يتضح أنه مستمر في زيادة الضغط على الزعيم الاشتراكي سانشيز، لدفعه لمراجعة الموقف المتصل بهذه القضية.  

كما وجدتها المعارضة اليمينية فرصة للنيل من الإئتلاف الحكومي، نافية عنه قيمة الشفافية، ومحتجة على عدم مناقشة البيان المثير للجدل داخل البرلمان. بل إن المتحدث باسم حزب "فوكس" اليميني المتطرف والشعبوي، إيفان إسبينوزا دي لوس مونتيروس، وصف القرار بـ"غير المتوقع والمتهور وغير المناسب وغير الضروري"، وقال إنه لا يلزمه. 

واتضح جليا أن الموقف غير المسبوق الذي اتخذه بيدرو سانشيز حول قضية الصحراء، "دون استشارة البرلمان أو إبلاغ الرأي العام" كما يقول خصومه ومهاجميه، أحدث ولا شك  تصدعا وقطيعة مع الخط التاريخي السياسي والدبلوماسي لاسبانيا. 

***  
طيلة عقود ظلت العلاقات بين المغرب واسبانيا تتأرجح بين الركون والتوتر، لجملة من الخلافات والأسباب العميقة، على رأسها الموقف من قضية الصحراء. لكن السنة الماضية شهدت توترا عاليا وخلافا دبلوماسيا كبيرا بين الجارتين، بعد استضافة مدريد لشخص دخل إسبانيا بغاية الاستشفاء بإحدى مصحاتها من "كوفيد 19"، بجواز  عليه اسم: محمد بنبطاش، ولم يكن غير زعيم البوليساريو ابراهيم غالي. ما أثار غضبا شديدا واحتجاجا واسعا في الرباط، خصوصا وأن المعني متابع أمام العدالة الاسبانية بـدعاوى تتهمه بـ"ارتكاب جرائم حرب". 

وإذا كان التغير في الموقف الاسباني من قضية الصحراء، يعتبر لأول وهلة من نتائج وأصداء الحرب الدائرة رحاها اليوم في شرق أوروبا، والتي بدأت تأثيراثها السياسية والاقتصادية تتجلى في أكثر من منطقة بأنحاء العالم. فإنه لا يمكن تغييب مسألة المقايضة التي وقعت في نهاية 2020، بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والمغرب، بانضمام هذا الأخير للإمارات والبحرين والسودان بالتوقيع على "اتفاقيات أبرهام"، وقبول المغرب التطبيع مع إسرائيل واستئناف علاقاته الدبلوماسية معها، مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على المستعمرة الإسبانية السابقة.  

بهذا الصدد يتحدث اليوم بعض المراقبين عن صفقة "مقايضة جديدة" تم إبرامها خلف أبواب مغلقة، بين مدريد والرباط، وقد جرى الكشف في هذه المقايضة عما دفعته اسبانيا، بالاعتراف بالحكم الذاتي في الصحراء في إطار دولة مركزية قوية، هي المغرب، لكن لم يحصل الكشف بشكل واضح ومفصل عن المقابل الذي قدمه المغرب. وهو عدم المطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية والثغور المحتلة. التي تطالب جهات سياسية في اسبانيا بأن يشملها انضمام مدريد لحلف "الناتو".  

من هنا يفهم تخوفات البرلمانية اليمينية إيزابيل دياز أيوسو، التي اتهمت صراحة رئيس السلطة التنفيذية بتهديد "سيادة سبتة ومليلية وجزر الكناري"، التي حسب قولها "تسكن وجدان الشعب الإسباني"، وذلك بسبب التغيير المفاجئ للحكومة في موقفها بشأن الصحراء. وطالبت دياز أيوسو، التي تعد من أكثر الأصوات انتقادًا لبيدرو سانشيز، "باستقالة جماعية" لأعضاء الحكومة بأكملها. مضيفة أن "المغرب ليس له سبب تاريخي للمطالبة باسترجاع المدينتين. وأن السؤال هو "لماذا يضم سانشيز أيضًا جزر الكناري؟"، متسائلة "ما الذي يجري ويتفاوض عليه وراء ظهر البرلمان وإسبانيا؟". وهل "الاتفاق" مع المغرب سيجبر اسبانيا على التخلي عن سبتة ومليلية وجزر الكناري. 

*** 

كان البرلمان المغربي في يناير 2020، صادق بالإجماع على ترسيم الحدود البحرية من خلال قانون يوسع سلطة المملكة القانونية لتشمل المجال البحري لـ "لأقاليم الجنوبية"، وعلى قانون آخر بإحداث منطقة اقتصادية خالصة على مسافة 200 ميل بحري عرض الشواطئ المغربية. 

لكن وزير الخارجية المغربي، خلال عرضه لمشروع القانونين أمام البرلمان، لم ينس التأكيد على أن تبني هذين القانونين هو "مسألة داخلية سيادية"، وشدد في الوقت نفسه على "انفتاح المغرب واستعداده للحوار والتفاوض مع جيرانه وخاصة إسبانيا لمعالجة أي تداخل في المجالات البحرية للبلدين". وأن المغرب مستعد للحوار البناء "على أساس المنفعة المشتركة". 

غير إن مدريد عبرت حينها عن رفضها لإقدام المغرب على ترسيم حدوده البحرية خارج إطار الاتفاق المشترك معها.  

وإذا علمنا أن المنطقة التي يعتبرها المغرب ضمن حدوده البحرية تحتوي على جبل بركاني، تم اكتشافه على بعد كيلومترات من السواحل المغربية التي شملها الترسيم، ويكتنز حجما كبيرا من المعادن النفيسة والنادرة من الاحتياطات المعدنية الضخمة والغازات والثروات الطبيعية، من أهمها معادن التيلوريوم والكوبالت والنيكل والرصاص والفاناديوم والليثيوم، التي تستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية واللوائح الشمسية والهواتف الذكية. لذلك تطمع إسبانيا في نيل نصيبها منها. ويطلق على الجبل البركاني اسم جبل "تروبيك"، وهو على عمق ألف متر تقريبا تحت سطح البحر. 

وذكرت تقارير إعلاميية أن احتياطيات جبل "تروبيك" من التيلوريوم بنحو 10 في المئة من الاحتياطي العالمي، أما مخزون "تروبيك" من الكوبالت فيقال إنه يكفي لتصنيع أكثر من 270 مليون سيارة كهربائية، وهو ما يمثل 54 ضعف ما تمتلكه جميع دول العالم من هذا النوع من السيارات الصديقة للبيئة. 

*** 

لعل هذه بعض خلفيات الاتفاقية التي تمثل بداية "مرحلة جديدة" لكلا البلدين. ملخصها الاعتراف بالحكم الذاتي للصحراء ضمن المغرب، مقابل السكوت والتخلي عن المطالبة بسبتة ومليلية وباقي الثغور. 

لقد كان الخوف دائما في إسبانيا هو أنه بمجرد أن يحقق االمغرب استرجاع الصحراء بشكل رسمي، فإنه سيكثف مطالبته بالمدينتين سبتة ومليلية وبجزر الكناري. فيما تشدد مدريد على أن المدينتين والجزر تحت سيادتها، وترفض أي حوار حول وضعها. 

إنها بعض أسباب تخلي إسبانيا عن حيادها التقليدي في قضية الصحراء الغربية. وقد شرع ذلك الموقف في الخلخلة منذ 13 نوفمبر 2020 إثر أحداث معبر "الكركرات"، وإعلان البوليساريو انتهاك وقف إطلاق النار المستمر منذ 1990. لكن الواقع لم يظهر أي  وجود لأثر حرب فعلية في هذا الصراع بالمنطقة. وعملت الحرب في أوكرانيا في تسريع حدوثه، قي سياق فرضية مفادها أن سانشيز، الذي وصفته صحيفة "لوموند" الفرنسية قبل يومين، كونه بصدد "لعبة خطيرة"، إلا أنه كما يبدو، يسعى جاهدا كي تنجح اسبانيا في تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية الدولية، والاصطفاف مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهما معا يسيران في نفس الاتجاه، أي الشراكة والتحالف مع المغرب.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).