Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

In this handout photograph taken and released by La Moncloa (Spanish Prime Minister's office) on April 7, 2022, Spain's Prime…
مراقبون وصفوا لقاء ملك المغرب ورئيس وزراء إسبانيا بالتاريخي

عبد الرحيم التوراني

تميز هذا الأسبوع الذي نودعه، بحدث بارز في منطقة المتوسط، وهو اللقاء بين الذي جرى يوم الخميس الأخير في الرباط، بين العاهل المغربي الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز. 

يحصل هذا اللقاء، الموصوف من قبل المراقبين بـ"الحدث التاريخي"، بعد تغيير اسبانيا لموقفها من نزاع الصحراء الغربية، إثر الرسالة التي أرسلها رئيس الحكومة الاسبانية إلى العاهل المغربي محمد السادس في مارس المنصرم، وأكد فيها بيدرو سانشيز أن خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب هي الأكثر "جدية وواقعية ومصداقية". ما اعتبرته أكثر من جهة، تغييرا غير مسبوق في موقف مدريد، بالإشادة بـ"الجهود الجادة وذات المصداقية التي يقوم بها المغرب في إطار الأمم المتحدة من أجل تسوية ترضي جميع الأطراف". وهو ما جرى التعامل معه أيضا كـ "تحول جذري" في السياسة الاسبانية، بشأن هذه القضية التي عمرت قرابة نصف قرن من السنين.  

لذلك يتطلع الرأي العام في البلدين، صوب انبعاث أفق جديد في العلاقات بين المملكتين الاسبانية والمغربية، بإعلان "نهاية سعيدة" لخلاف سياسي ودبلوماسي طال أمده بين الجارين. نهاية ستشكل بداية لولوج مرحلة إيجابية بينهما، من "الاحترام المتبادل، واحترام الاتفاقات، وغياب الإجراءات الأحادية، والشفافية والتواصل الدائم".  

لكن هاته "النهاية السعيدة" لم تكن كذلك بالنسبة لجبهة البوليساريو ولحليفها التاريخي الجزائر، بل شكلت لهما كابوسا مرعبا ومزعجا، أدى بالجزائر إلى  التنديد بالموقف الاسباني والاحتجاج على عدم إبلاغها بالقرار، والمبادرة باستدعاء سفيرها في مدريد من أجل التشاور. وجعل الجبهة الانفصالية تندد بقوة بالموقف الاسباني الجديد من القضية الصحراوية، متهمة اسبانيا بالخضوع لما وصفته "بالاستسلام في مواجهة الابتزاز وسياسة الخوف التي يستخدمها المغرب". بل إن بيان قيادة البوليساريو تمادى في اتهام السلطة التنفيذية الإسبانية ونعتها بـ"الخيانة"!... 

لم يكتمل مرور عشرين يوما على هذه الرسالة التاريخية، حتى وصل إلى الرباط المسؤول الأول في الحكومة الاسبانية، برفقة وزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس، وعلى مائدة إفطار رمضاني بالقصر الملكي، أعطيت الإشارة رسميا لوضع قطار التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين على سكته المنشودة. 

وبالعودة إلى قراءة فحوى رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي، كما أدرجت عباراتها في نص بيان الديوان الملكي المغربي (18 مارس 2022)، فسنجدها تركز بالأساس على التعاون المشترك في موضوع "تدبير تدفقات المهاجرين في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي"، وتنتهي بالإشارة إلى أنه "سيتم اتخاذ هذه الخطوات من أجل ضمان الاستقرار والوحدة الترابية للبلدين". 

وإذا كان موضوع "الوحدة الترابية" بالنسبة للمغاربة، مسألة جلية ومعلومة، متعلقة أساسا بأقاليمه الجنوبية في الصحراء الغربية. فإن تعبير "الوحدة الترابية" بالنسبة للإسبان يظل ضبابيا بعض الشيء وغائما، إذا تجاوزنا مسألة إيقاف تدفق الهجرة غير القانونية إلى أراضيها. لكن التعبير ينطوي بين أحرفه على ما هو أكبر من ذلك، حيث علينا استحضار التشبث الدائم لمدريد باحتلالها وبسط سيطرتها ونفوذها الكامل على مدينتي سبتة ومليلية، وعلى الثغور المغربية بالبحر المتوسط والمحيط الأطلسي. 

*** 
لا يجب أيضا تغييب واقعة سفر رئيس الحكومة الاسباني إلى المغرب من دون حصوله على دعم من البرلمان الاسباني، والموافقة على أطروحته المؤيدة للمغرب بخصوص نزاع الصحراء الغربية. حيث أثار موقف سانشيز انتقادات وشكوكا من المعارضة، وأيضا من حلفائه في الحكومة على السواء. منها حسب معارضيه "مخالفته لأسس القانون الدولي، الذي يطرح حل النزاع في إطار استفتاء تقرير المصير. وأن حل النزاع في الصحراء الغربية يجب أن "يمر عبر الحوار واحترام الإرادة الديمقراطية للصحراويين". 

علما أن باقي مكونات البرلمان الإسباني تتمسك بموقف داعم لقرارات الأمم المتحدة لصالح حل تفاوضي بين ما يسمى "أطراف نزاع الصحراء"، لتحديد الوضع المستقبلي للمستعمرة الاسبانية السابقة. بل إن داخل الحكومة الاسبانية من يؤيد "مبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي"، و"وجوب احترام الشعب الصحراوي وإرادته الديمقراطية"، كما ينادي بذلك اليسار الراديكالي "بوديموس" المشارك في الحكومة الحالية، والذي يتضح أنه مستمر في زيادة الضغط على الزعيم الاشتراكي سانشيز، لدفعه لمراجعة الموقف المتصل بهذه القضية.  

كما وجدتها المعارضة اليمينية فرصة للنيل من الإئتلاف الحكومي، نافية عنه قيمة الشفافية، ومحتجة على عدم مناقشة البيان المثير للجدل داخل البرلمان. بل إن المتحدث باسم حزب "فوكس" اليميني المتطرف والشعبوي، إيفان إسبينوزا دي لوس مونتيروس، وصف القرار بـ"غير المتوقع والمتهور وغير المناسب وغير الضروري"، وقال إنه لا يلزمه. 

واتضح جليا أن الموقف غير المسبوق الذي اتخذه بيدرو سانشيز حول قضية الصحراء، "دون استشارة البرلمان أو إبلاغ الرأي العام" كما يقول خصومه ومهاجميه، أحدث ولا شك  تصدعا وقطيعة مع الخط التاريخي السياسي والدبلوماسي لاسبانيا. 

***  
طيلة عقود ظلت العلاقات بين المغرب واسبانيا تتأرجح بين الركون والتوتر، لجملة من الخلافات والأسباب العميقة، على رأسها الموقف من قضية الصحراء. لكن السنة الماضية شهدت توترا عاليا وخلافا دبلوماسيا كبيرا بين الجارتين، بعد استضافة مدريد لشخص دخل إسبانيا بغاية الاستشفاء بإحدى مصحاتها من "كوفيد 19"، بجواز  عليه اسم: محمد بنبطاش، ولم يكن غير زعيم البوليساريو ابراهيم غالي. ما أثار غضبا شديدا واحتجاجا واسعا في الرباط، خصوصا وأن المعني متابع أمام العدالة الاسبانية بـدعاوى تتهمه بـ"ارتكاب جرائم حرب". 

وإذا كان التغير في الموقف الاسباني من قضية الصحراء، يعتبر لأول وهلة من نتائج وأصداء الحرب الدائرة رحاها اليوم في شرق أوروبا، والتي بدأت تأثيراثها السياسية والاقتصادية تتجلى في أكثر من منطقة بأنحاء العالم. فإنه لا يمكن تغييب مسألة المقايضة التي وقعت في نهاية 2020، بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والمغرب، بانضمام هذا الأخير للإمارات والبحرين والسودان بالتوقيع على "اتفاقيات أبرهام"، وقبول المغرب التطبيع مع إسرائيل واستئناف علاقاته الدبلوماسية معها، مقابل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية على المستعمرة الإسبانية السابقة.  

بهذا الصدد يتحدث اليوم بعض المراقبين عن صفقة "مقايضة جديدة" تم إبرامها خلف أبواب مغلقة، بين مدريد والرباط، وقد جرى الكشف في هذه المقايضة عما دفعته اسبانيا، بالاعتراف بالحكم الذاتي في الصحراء في إطار دولة مركزية قوية، هي المغرب، لكن لم يحصل الكشف بشكل واضح ومفصل عن المقابل الذي قدمه المغرب. وهو عدم المطالبة باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية والثغور المحتلة. التي تطالب جهات سياسية في اسبانيا بأن يشملها انضمام مدريد لحلف "الناتو".  

من هنا يفهم تخوفات البرلمانية اليمينية إيزابيل دياز أيوسو، التي اتهمت صراحة رئيس السلطة التنفيذية بتهديد "سيادة سبتة ومليلية وجزر الكناري"، التي حسب قولها "تسكن وجدان الشعب الإسباني"، وذلك بسبب التغيير المفاجئ للحكومة في موقفها بشأن الصحراء. وطالبت دياز أيوسو، التي تعد من أكثر الأصوات انتقادًا لبيدرو سانشيز، "باستقالة جماعية" لأعضاء الحكومة بأكملها. مضيفة أن "المغرب ليس له سبب تاريخي للمطالبة باسترجاع المدينتين. وأن السؤال هو "لماذا يضم سانشيز أيضًا جزر الكناري؟"، متسائلة "ما الذي يجري ويتفاوض عليه وراء ظهر البرلمان وإسبانيا؟". وهل "الاتفاق" مع المغرب سيجبر اسبانيا على التخلي عن سبتة ومليلية وجزر الكناري. 

*** 

كان البرلمان المغربي في يناير 2020، صادق بالإجماع على ترسيم الحدود البحرية من خلال قانون يوسع سلطة المملكة القانونية لتشمل المجال البحري لـ "لأقاليم الجنوبية"، وعلى قانون آخر بإحداث منطقة اقتصادية خالصة على مسافة 200 ميل بحري عرض الشواطئ المغربية. 

لكن وزير الخارجية المغربي، خلال عرضه لمشروع القانونين أمام البرلمان، لم ينس التأكيد على أن تبني هذين القانونين هو "مسألة داخلية سيادية"، وشدد في الوقت نفسه على "انفتاح المغرب واستعداده للحوار والتفاوض مع جيرانه وخاصة إسبانيا لمعالجة أي تداخل في المجالات البحرية للبلدين". وأن المغرب مستعد للحوار البناء "على أساس المنفعة المشتركة". 

غير إن مدريد عبرت حينها عن رفضها لإقدام المغرب على ترسيم حدوده البحرية خارج إطار الاتفاق المشترك معها.  

وإذا علمنا أن المنطقة التي يعتبرها المغرب ضمن حدوده البحرية تحتوي على جبل بركاني، تم اكتشافه على بعد كيلومترات من السواحل المغربية التي شملها الترسيم، ويكتنز حجما كبيرا من المعادن النفيسة والنادرة من الاحتياطات المعدنية الضخمة والغازات والثروات الطبيعية، من أهمها معادن التيلوريوم والكوبالت والنيكل والرصاص والفاناديوم والليثيوم، التي تستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية واللوائح الشمسية والهواتف الذكية. لذلك تطمع إسبانيا في نيل نصيبها منها. ويطلق على الجبل البركاني اسم جبل "تروبيك"، وهو على عمق ألف متر تقريبا تحت سطح البحر. 

وذكرت تقارير إعلاميية أن احتياطيات جبل "تروبيك" من التيلوريوم بنحو 10 في المئة من الاحتياطي العالمي، أما مخزون "تروبيك" من الكوبالت فيقال إنه يكفي لتصنيع أكثر من 270 مليون سيارة كهربائية، وهو ما يمثل 54 ضعف ما تمتلكه جميع دول العالم من هذا النوع من السيارات الصديقة للبيئة. 

*** 

لعل هذه بعض خلفيات الاتفاقية التي تمثل بداية "مرحلة جديدة" لكلا البلدين. ملخصها الاعتراف بالحكم الذاتي للصحراء ضمن المغرب، مقابل السكوت والتخلي عن المطالبة بسبتة ومليلية وباقي الثغور. 

لقد كان الخوف دائما في إسبانيا هو أنه بمجرد أن يحقق االمغرب استرجاع الصحراء بشكل رسمي، فإنه سيكثف مطالبته بالمدينتين سبتة ومليلية وبجزر الكناري. فيما تشدد مدريد على أن المدينتين والجزر تحت سيادتها، وترفض أي حوار حول وضعها. 

إنها بعض أسباب تخلي إسبانيا عن حيادها التقليدي في قضية الصحراء الغربية. وقد شرع ذلك الموقف في الخلخلة منذ 13 نوفمبر 2020 إثر أحداث معبر "الكركرات"، وإعلان البوليساريو انتهاك وقف إطلاق النار المستمر منذ 1990. لكن الواقع لم يظهر أي  وجود لأثر حرب فعلية في هذا الصراع بالمنطقة. وعملت الحرب في أوكرانيا في تسريع حدوثه، قي سياق فرضية مفادها أن سانشيز، الذي وصفته صحيفة "لوموند" الفرنسية قبل يومين، كونه بصدد "لعبة خطيرة"، إلا أنه كما يبدو، يسعى جاهدا كي تنجح اسبانيا في تعزيز تحالفاتها الاستراتيجية الدولية، والاصطفاف مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وهما معا يسيران في نفس الاتجاه، أي الشراكة والتحالف مع المغرب.  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).