Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"السبب في هذا هو الاعتقاد الراسخ بأن دم المسلم أعلى قيمة من دم غير المسلم"
"السبب في هذا هو الاعتقاد الراسخ بأن دم المسلم أعلى قيمة من دم غير المسلم"

عمران سلمان

على الرغم من أن معظم الدول العربية اليوم تعتمد في نظامها القضائي على القوانين والتشريعات المدنية في الغالب، فإن المرجعية الدينية تظل هي المسيطرة على التفسيرات وطبيعة الأحكام النهائية.

وتعتبر الشريعة الإسلامية إما مصدرا رئيسيا للتشريع أو المصدر الرئيسي للتشريع في غالبية الدساتير العربية، وهذا يعني أن أي قانون أو تشريع لا يمكن أن يأتي مخالفا أو متعارضا مع الشريعة.

والذي يقرر إن كان حكم ما متوافقا مع الشريعة الإسلامية أم لا هم رجال الدين الذين يستندون بدورهم إلى التراث الديني، وهذا يشمل من ضمن ما يشمل بالإضافة إلى ما ورد في القرآن، الأحاديث النبوية وما قرره القدماء وتوافقوا حوله من أحكام.

لكن المؤسف أن هذا التراث بشكله الحالي، حافل بالأحاديث والأحكام التي تتعارض مع قيم العصر ومع مواثيق حقوق الإنسان بما فيها تلك الداعية للمساواة بين البشر بغض النظر عن العرق والجنس والدين وما شابه، واحترام الكرامة الإنسانية وضمان الحرية الدينية وغيرها الكثير مما نصت عليه تلك المواثيق.

هذا لا يعني أنه يتم العمل بجميع ما جاء في تلك الأحاديث، بالطبع كلا لاستحالة ذلك من الناحية العملية والواقعية، ولكنه يعني أن الإبقاء عليها أو الاعتراف بأنها صحيحة وذات قدسية يمكن أن يدفع البعض إلى تطبيقها بصورة حرفية وهو معتقد بأنه إنما يطبق ما هو معلوم من الدين بالضرورة!

بل الأدهى من ذلك أنه تتم إشاعة وتجذير ثقافة عدائية في التعامل مع غير المسلم سواء كان من أتباع الأديان الأخرى أو ممن لا دين له. 

ويعطينا ما جرى في مصر الأسبوع الماضي حين قام رجل ستيني بقتل الكاهن القبطي أرسانيوس وديد في الإسكندرية طعنا، فكرة عما يحدث هنا، وهو حادث ليس الأول من نوعه وللأسف لن يكون الأخير، حيث لا يزال الغموض يلف مصير الجاني، بين من يريد إعطاء الانطباع بأنه مختل عقليا، وبين من يقول إنه متطرف وله سوابق في هذا المجال.

هنا يحضر أيضا الحديث الذي يقول: "لا يقتل مسلم بكافر" وهو حديث رواه البخاري ويعتبره معظم الفقهاء صحيحا ويجمعون عليه، كما توجد أحاديث قريبة منه تعضده مثل الحديث الذي يقول «المؤمنون تَكَافَأُ دماؤهم، وهم يد على من سِوَاهم، ويسعى بذِّمَّتِهِم أدناهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذُو عَهْد في عهده، من أحدث حَدَثَاً فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا، أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

ومعنى الحديث الأول أن المسلم إذا قتل كافرا أو غير مسلم فإنه يمكن إيقاع أي عقوبة بحقه يراها القاضي مناسبة باستثناء القتل، أي الحبس أو الجلد وما شابه ذلك.

والسبب في هذا هو الاعتقاد الراسخ بأن دم المسلم أعلى قيمة من دم غير المسلم. فلا يجوز والحالة هذه أن يتساويا في العقوبة المستوجبة في حالة القتل.

وهذا يعني أن قاتل غير المسلم يضع في ذهنه وهو يرتكب جريمته أمرين، الأول أنه يقوم بعمل ربما فسره بناء على أقوال بعض المتشددين بأنه جيد ومحمود من الناحية الدينية، والأمر الثاني أنه في جميع الأحوال لن يتعرض لعقوبة الإعدام، وربما ساعده البعض في الجهاز القضائي والتنفيذي ممن يتبنى نفس أفكاره على تفادي العقوبة المنصوص عليها في القانون تحت طائلة المرض النفسي وما شابه ذلك.

هذا لا يعني بالضرورة أن قاتل القس المصري قد استند على هذا الحديث أو غيره قبل القيام بفعلته، فهذا أمر متروك للقضاء كي يحقق فيه ويتوصل إلى حقيقة ما حدث فعلا، لكنه يعني أن الثقافة الدينية السائدة تشجع على هذه الممارسات وخاصة حينما يتعلق الأمر بالتعامل مع غير المسلمين أو المختلفين في الطائفة.   

فحين يكون هؤلاء أقل قيمة أو مكانة في نظر "الخالق" من الطبيعي أن يكونوا أكثر عرضة للاستهداف من قبل "المخلوق".

وهناك من يجادل بأن هذا ليس مقتصرا على الإسلام فقط، فمعظم الأديان الأخرى تنظر بنفس الطريقة تقريبا لأتباع غيرها أو الذين لا يشاطرونها نفس الاعتقاد، وهذا القول في الإجمال ربما يكون صحيحا، لكن الفرق هو أن تلك الأديان ليست دينا للدولة أو مصدرا رئيسيا للتشريع!  

بمعنى أن تلك الاعتقادات تخص المؤمنين بها ولن تجدها في المجال العام، أي في التشريعات وفي مناهج التعليم أو في وسائل الإعلام أو خطب المساجد، كما هو الحال مع المجتمعات الإسلامية، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية!

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول
صورة من الاحتجاج أمام القنصلية العامة للسويد في اسطنبول

سناء الحنفي العاجي

تقول الحكاية التي انتشرت في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل: "ﺳﺄﻝ صحافي ذات مرة ﺍﻟﺪالاي لاما: "ﻣﺎﺫﺍ ﺳﺘﻔﻌﻞ ﻟﻮ ﺃﻥ ﺃﺣﺪ الأﺷﺨﺎﺹ ﺃﺧﺬ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳّﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻭﺃﻟﻘﺎﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ؟". ﺃجابه ﺍﻟﺪالاي ﻻﻣﺎ بدون تردد: "ﺳﻴﺪﻱ، ﺇﻥ ﺃﻟﻘﻰ ﺃﺣﺪهم ﻛﺘﺎﺑﺎ ﺑﻮﺫﻳﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻓﺄﻭﻝ ﺷﻲﺀ ﺳﺄﻓﻌﻠﻪ ﻫﻮ الاتصال ﺑﺴﺒَّﺎﻙ ‏(ﻓﻨﻲ ﺻﺮﻑ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ)".

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻟﺼﺤافي ﻣﻦ ﺿﺤﻜﻪ؛ ﻗﺎﻝ له ﺑﺄﻥ ﻫﺬﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﺇﺟﺎﺑﺔ ﻣﻨﻄﻘﻴﺔ ﺳﻤﻌﻬﺎ.

وأضاف الدالاي لاما ﺃﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻔﺠّﺮ ‏شخص ﻣﺎ تمثالا ﻟﺒﻮﺫﺍ، ﺃﻭ ﻳﺤﺮﻕ معبدا ﺑﻮﺫيا، ﺃﻭ ﻳﻘﺘﻞ ﺭﻫﺒﺎﻧﺎ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺑﻮﺫﻳﻴﻦ ﻭﺑﻮﺫﻳﺎﺕ.. ﻟﻜﻨﻲ ﻟﻦ ﺃﺳﻤﺢ لمن يرتكب ذلك ﺃﺑﺪﺍ ﺑﺄﻥ ﻳﻈﻬﺮ ﺍﻟﺒﻮﺫﻳﺔ كديانة عنيفة. ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﻛﺘﺎﺑﺎ ﻣﻘﺪﺳﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ﻟﻜﻨﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ، ولا ﺍﻟﺴﻼﻡ ولا ﺍﻟﻤﺤﺒﺔ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺗﻠﻘﻴﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ.

"ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ" ﻟﻴﺲ ﻫﻮ "ﺍﻟﺪﻳﻦ"، ﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﺘﻤﺜﺎﻝ، ﻭلا ﺍﻟﻤﻌﺒﺪ. ﻛﻞ هؤلاء ﻫﻢ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ "ﺣﺎﻭﻳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻦ".

ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻛﺘﺐ ﺃﻛﺜﺮ، ﺑﻨﺎﺀ ﻣﻌﺎﺑﺪ ﺃﻛﺜﺮ، ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺮﻳﻦ ﻭﺗﻌﻠﻴﻢ ﺭﻫﺒﺎﻥ ﻭﺭﺍﻫﺒﺎﺕ ﺃﻛﺜﺮ، ﻟﻜﻨﻨﺎ ﺣﻴﻦ ﻧﻔﻘﺪ ﺣﺒﻨﺎ وﺍﺣﺘﺮﺍﻣﻨﺎ ﻟﻶﺧﺮﻳﻦ ولأﻧﻔﺴﻨﺎ ﻭﻧﺴﺘﺒﺪﻝ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮ ﺑﺎﻟﻌﻨﻒ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺳﻴﺬﻫﺐ "ﺍﻟﺪﻳﻦ" ﻛﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﺎﺽ!!".

لا نعرف إذا ما كانت الحكاية صحيحة أم أنها مختلقة. وليس يهم صراحة أن تكون حقيقية فعلا، لأن مغزاها هو الأهم؛ ويمكن تطبيقه على الإسلام واليهودية والمسيحية وكل الديانات والإيديولوجيات والقناعات: هل الأساسي هو "الكتاب" أم ما يحمله من فكر أو روح؟ هل الأساسي هو "المعبد" أم القيم والسلوك والإيمان الروحي التي يفترض أن يتحلى بها المؤمن؟ هل الأساسي هو "رجل الدين" أم قيم وروح الدين؟ 

مناسبة هذا الكلام هو تداعيات وردود الفعل الشعبية والرسمية بعد حادثتي حرق القرآن في كل من السويد وهولندا. 

أن يقوم شخص بحرق القرآن هو بالتأكيد سلوك متطرف، بل وغبي! فهل حرق نسخ من القرآن سيقضي على المسلمين أو سيقضي على قناعاتهم؟ في زمن تطبع فيه المطابع ملايين النسخ سنويا، وتتوفر نسخ على الإنترنت، ما جدوى الحرق سوى الاستفزاز الغبي والعدواني؟

بالتالي، فردود الفعل المتشنجة تغذي تطرف الجهة التي قامت بالحرق وتشبع رغبتها في الاستفزاز. بل أكثر من ذلك، هي تثبت لمن يساندها قليلا أن المسلمين، بالفعل، أشخاص متطرفون وعنيفون في ردود أفعالهم. 

كذلك، متى سنتعلم أن مقدسنا ليس مقدسا عند الآخرين؟ تماما كما قد نستغرب بعض قناعات غيرنا أو حتى نسخر منها، فهناك من لا ينظر للمسجد أو للقرآن بنفس منظار المسلم المتدين. لذلك، فهو لن يستوعب كل ردود الفعل المتشنجة بخصوص حادثتي حرق القرآن. 

كما أن القرآن، ككتاب، هو بالنهاية عنصر مادي. القيمة الفعلية توجد في محتواه وفي روحه وفي القيم التي قد يحملها منه الإنسان المسلم. هذا الحامل المادي قد يتعرض للتلف من طرف المسلمين أنفسهم بسبب حوادث أو بسبب القدم فقط؛ وليس علينا أن نحمل أي تلف طبيعي أو حتى متعمد، تأويلات بعيدة وضخمة.

قيمنا ومقدساتنا قد تكون محط انتقادات من طرف الآخرين. بل ومحط سخرية ومحط أفعال عدوانية من طرف البعض.. وعلينا أن نقبل ذلك لأنه جزء من التعدد الفكري. ما لم تهدد هذه السخرية وهذه الأفعال العدوانية حياة الآخرين وما لم تمس كرامتهم وسلامتهم الجسدية كأفراد، فهي جزء من الحرية التي نطالب بها. كما أن القانون يفترض أن يعاقب كل سلوك يهدد حياة الآخرين وسلامتهم الجسدية. ما دون ذلك، يفترض أن يظل موضوع نقاش وانتقاد هادئ وبدون تشنجات ولا مبالغات.

الحقيقة أنه لا يوجد مسلم واحد سينسى الإسلام بسبب حرق القرآن، كما أن محتوى القرآن كنص لن يضيع بسبب الحرق، لأن النسخ متوفرة بالملايين. في نفس الوقت، فحتى ضمن غير المسلمين، ليس هناك شخص عاقل سيفرح إزاء سلوك غبي وعنصري ومتطرف كهذا الذي قام به من أحرقوا نسخا من القرآن. بالتالي، فكل ردود فعلنا المتشنجة لا تعني أكثر من كوننا مازلنا غارقين في وهم مركزيتنا الكونية.. كما أنها تجعلنا، للأسف، نغذي الخطابات السامة لمتطرفي الطرف الآخر!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).