Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية تتجاوز نطاقها المحلي الفرنسي
لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية تتجاوز نطاقها المحلي الفرنسي

عبد الرحيم التوراني

... وأخيرا، يمكننا القول من الآن، وقبل حلول مساء الأحد المقبل، المصادف لتاريخ 24 أبريل 2022، أن إيمانويل ماكرون حقق حلمه بالبقاء في قصر الإليزيه لولاية ثانية. هكذا سيستمر رئيسا لفرنسا ليكمل عقدا من السنوات، حيث لن يغادره قبل ربيع 2027. هو الذي لم يخف مرة أمنيته في ما لو عاد العمل بولاية لفترة سبعة أعوام، بدل تقليصها لخمسة أعوام. وهنا يلتقي مع منافسته مارين لوبين، التي تقول إنه في مدة السبع سنوات كان بإمكان الرئاسة أن تستعيد "هيبتها" الوظيفية، وتسهل قدرتها على تنفيذ برنامج عمل طويل، مع تجنب "مخاطر حملة رئاسية دائمة"- كما سمَّتْها. علما أن رئيس الجمهورية الفرنسية ينتخب لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

غير أن طموح زعيمة حزب التجمع الوطني (الجبهة الوطنية) مارين لوبين في أن تكون أول امرأة تجلس فوق "عرش فرنسا"، هو حلم بلا حدود، وقد علقت على تصريح لإيمانويل ماكرون، مقتبسة من الموناليزا نصف ابتسامة، هي ما بين الغموض والدعابة الجادة: "سينتهي به الأمر (ماكرون) بالتصويت لمارين لوبين بالقوة.. بقيت بضعة أيام، أنت لا تعرف أبدًا".!

لقد أفرزت نتائج الدور الأول مشهدا سياسيا مقسما، في ثلاثية توزعت بين اليسار الراديكالي، واليمين المتطرف، والوسط اليميني. وتمكن الرئيس المنتهية ولايته (الثامن في الجمهورية الخامسة)، من التفوق على المرشحين الأحد عشر الذين نافسوه في هذا الدور من الانتخابات الرئاسية، بمن فيهم مرشحو الأحزاب الكبرى والعريقة، التي كان يحسب لها ألف حساب في المعترك السياسي الفرنسي، لكنها خلال هذا الاستحقاق الانتخابي عاشت أكبر إخفاقاتها المزعجة، التي لن يصدقها حتى الموتى لو عادوا. إذ لم يستطع الحزب الاشتراكي إقناع الناخبين الفرنسيين للتصويت لعمدة العاصمة باريس، مرشحته آن هيدالغو، أما الحزب الشيوعي فقد حصد نتيجة قاسية مع مرشحه فابيان روسيل، الذي أراد إحياء شعلة الشيوعية في فرنسا، غير أن هبوب الرياح دفعت باتجاهها ناحية ما لا تشتهيه شراع سفينة الصحافي السابق في جريدة "لومانتيه" ورفاقه.

أما مرشحة حزب اليمين التقليدي، فاليري بريكس فقد باءت بالفشل الذريع، (أقل من 5%)، لتساهم في ترتيب حزبها، "الجمهوريون"، إلى جانب الحزب الاشتراكي، ضمن خانة أدنى الدرجات المتدنية في تاريخ الحزبين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. سابقة لم تسجل من قبل، حسب العديد من المراقبين السياسيين.

بعد إعلان نتائج الدور الأول تساءل المفكر اليساري توماس جينولي، عن تفسير هذا المسار الانتخابي؟ وعن هذا السيناريو غير المتوقع الذي لم يكن واردا قبل عشر سنوات؟ لكن هذا ما حدث. إذ يعترف جينولي بكون "الحزبين الرئيسيين في الحياة السياسية منذ حوالي نصف قرن بفرنسا، يوجودان الآن في نفس اللحظة بالحضيض".

بصدد هذا التقزيم الصادم للحزبين الرئيسيين في الحياة السياسية بفرنسا، وتحولهما بين ليلة وضحاها إلى تصنيف الأحزاب الصغرى. وهو في طريقه إلى جولة ثانية ضد مارين لوبين، صرح ماكرون، وبتبجح، لا يخلو من تَشَفٍّ، أن هذه النتيجة الصعبة للاشتراكيين وللجمهوريين "ليست من مسؤوليتي، إنها اختيار الناخبين".

لا شك أن هذه الانتخابات الرئاسية تتجاوز نطاقها المحلي الفرنسي، لذلك فأنظار الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية تتجه اليوم نحو باريس، مع تساؤل عريض، حول تجديد الثقة في  ماكرون، وبالتالي بقاء فرنسا كشريك حيوي ضد روسيا وبوتين، أم ستصعد المرشحة القومية اليمينية المتطرفة مارين لوبين، لتوقف التعاون وتلغي المساعدات إلى أوكرانيا، وتفك الارتباط بمجرد تجاوزها عتبة قصر الإليزيه؟ هذا ما يحلم بها قادة الكرملين، أي فوز المرشحة المناهضة للنظام العالمي، التي اقترحت انسحاب الدولة الفرنسية من قيادة حلف الناتو وبناء تحالفات جديدة. 

في حين أن أنظار كل من المرشحين للدور الثاني، ماكرون ولوبين، معلقة جهة اليسار، من أجل إقناع الفرنسيين الذين منحوا أصواتهم في الجولة الأولى لجان لوك ميلنشون زعيم حزب "فرنسا الأبية" (22%‎)، وإلى من انتخبوا مرشحي اليسار الآخرين، (الحزب الاشتراكي، الحزب الشيوعي، حزب الخضر). بعد أن صار سهلا امتطاء اليسار، وقد ساهم انقسامه في تعبيد الطريق أمام صعود اليمين المتطرف، وكان باستطاعة ميلنشون تصدر النتائج، لو لم يحدث كل هذا التفكك والتشرذم لدى القوى اليسارية.

لكن يبدو أن صعود مارين لوبين يتطلب معجزة لا تلوح في الأفق القريب، وليس من السهل تحقيقها، إذ بات استمرار ماكرون رئيسا لفرنسا لولاية ثانية واقعا مضمونا. ومنذ مساء العاشر من أبريل الجاري، الذي طلعت فيه نتيجة الدور الأول، شرع ماكرون وفريقه في الاستعداد لمهام الخمس سنوات المقبلة. وما ساعده في ترجمة حلمه هذا، هو ما نزل من انتشار وباء كورونا، وما حل بأوكرانيا من كارثة الحرب. إن "مصائب قوم عند قوم فوائد"، وفقا لما قاله أبو الطيب المتنبي. والمزاج العام للناس في وقت الشدائد والأزمات غالبا ما يركن إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي، وتأجيل طموحات الإصلاح والتغيير إلى حين.

لذلك سيركز ماكرون في ولايته الثانية على العناية بترميم صورته المخدوشة، الترميم الذي يتيح له "الخلود في التاريخ"، كما يصبو هو إلى ذلك، عبر تركيز صورة القائد الجذاب والرمزي، متجاوزا تحرش خصومه المستفزين، الذين لم يروا في ماكرون سوى "رئيس شركة استشارية"، أكثر من كونه قائدا جديرا بحكم دولة تمثل القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، فرنسا العضو في مجلس الأمن بالأمم المتحدة.

خلال الولاية الأولى، لم يأْلُ الرئيس إيمانويل ماكرون جهدا في محاولات إبهار مواطنيه الفرنسيين أولا، ثم العالم، بذكائه وبموهبته "الاستثنائية"، ورؤيته الاستراتيجية وتحليلاته التي "يصيغها ببلاغة ودقة". إلا أن بعض المحللين الفرنسيين، في مطالعاتهم لسجله، بعد خمس سنوات في المنصب، خلصوا إلى أنه لم يرق إلى مستوى الطموحات المنتظرة، أو التي خطط لها زعيم "الجمهورية إلى الأمام!"، وكما ينبغي لقائد يعتبره أنصاره كقائد بارز وأساسي، ويصنفونه ضمن صناع القرار الفرنسي والأوروبي.. 

 ويضيف المنتقدون أن النهج السياسي لأصغر رئيس في تاريخ فرنسا، نهج مزاجي، يتسم بكثير من التقلب والتسرع، حيث يسعى ماكرون دائمًا أن يكون أول من يبادر، وأن عهده عرف استمرار عجز فرنسا في عدد من المجالات الدولية المتصلة بالدبلوماسية والأمن. في مقدمتها فشله في إقناع الحليف الرئيسي الولايات المتحدة الأميركية بالعمل مع فرنسا في القضايا الحاسمة، كالاتفاق النووي الإيراني، وسياسة المناخ، والتجارة الدولية، ومواجهة جائحة كوفيد - 19. ويستمر هؤلاء المعارضون للرئيس في الافتراض، أنه لو سلمنا بما ينسب إلى ماكرون من فضل في خطة التعافي الأوروبية في أعقاب الأزمة الصحية، فقد ووجه بالتهميش في عدد من القضايا التي حاول التدخل فيها، منها وقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، والوصول إلى إنشاء حكومة في لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت، ودعم اليونان ضد تركيا.

عند قراءة حصيلة الرئيس ماكرون في الخمس سنوات الأخيرة، في الشرق الأوسط وفي المغرب العربي وأفريقيا، ينتهي أغلب المحللين إلى إخفاقه بهذا المجال، بل إن أحدهم لم يتردد بالجهر معلنا "لقد انتهى المطاف بماكرون إلى الظهور كزعيم يلوح بسيف خشبي".

أما الصحفي الفرنسي الشهير جورج مالبرونو، فوصف الأداء السياسي لإيمانويل ماكرون بـ"الصادم والوحشي، الذي لا ينتج عنه سوى القليل من النتائج". وذلك في كتاب صدر هذه السنة، ألفه بالاشتراك مع زميله كريستيان شيسنو، هو في الحقيقة تحقيقٌ مهني ضافٍ عن "فشل إيمانويل ماكرون في إعادة فرنسا إلى مركز رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط والمغرب الكبير. تراجع مريع لم يستطع إيمانويل ماكرون إيقافه أو الحد منه".

لا ريب، أن الولاية الثانية لماكرون، ستكشف عما إذا كانت قيادته ستقاوم الاضطراب وتستدرك التراجعات، أم انها ستؤكد العنوان اللاذع الذي اختاره الصحفيان مالبرونو وشيسنو لكتابهما (الصادر حديثا عن منشورات "لافون")، "الانحدار الفرنسي". LE DÉCLASSEMENT  FRANÇAIS. ليبقى جاك شيراك آخر الرؤساء الكبار الذين تولوا حكم فرنسا، بعد شارل ديغول وفرنسوا ميتران.

أما من جاء بعد هؤلاء، فواحد نهب أموال القذافي ثم أمر باغتياله، لينتهي مدانا من طرف القضاء الفرنسي بتهمة الفساد واستغلال النفوذ..

والثاني قضى أوقاتا طويلة في التسلي بغرامياته، إذ حققت صورته وهو يتسلل ليلا صوب مسكن عشيقته ممتطيا دراجة نارية وعلى رأسه خوذة، نسبة عالية من المشاهدات والتعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت أشهر صوره التي خلفها وراءه بعد خمس سنوات من إقامته بقصر الإليزيه. وقد اعترف على نفسه لاحقا، في كتابه الذي نشره تحت عنوان "نهاية التكوين"، دوَّن فيه بعض الأخطاء التي ارتكبها كرئيس للجمهورية.  

 وأتى بعدهما الباحث عن بطولة وهمية بين خرائب انفجار مرفأ بيروت وكوارث الحروب المدمرة، من الشرق الأوسط وأفريقيا وصولا إلى أوكرانيا. ففي كثير من خطبه وأحاديثه، يعمد ماكرون لإثارة الكلام عن قيمة ومفهوم "البطولة"، ومنذ ولايته الأولى انتبه المتتبعون إلى كثرة ترديده واستخدمه لكلمة "بطل"، إذ ينثرها في سطور خطاباته، دون أن ينسى تأثيت أحاديثه ومداخلاته بها. كما حدث أثناء مراسم تشييع الجنود الفرنسيين الذين لقوا حتفهم في مالي في 2021.

لا تقتصر البطولة لدى رئيس الدولة إيمانويل ماكرون على الجنود فقط، بل إن مواطنين فرنسيين غيرهم يستحقونها كذلك، منهم المواطن الذي مات عرضا وهو يقاوم ألسنة النيران، ورجال الإطفاء الذين تدخلوا أثناء حريق كنيسة نوتردام. كل هؤلاء وغيرهم، يصنفون في نظر ماكرون ضمن صف "الأبطال".

إنه إيمانويل ماكرون، "البطل" الأكبر، عندما يقوم بتوزيع بعض من نتف بطولاته وأصداء "انتصاراته" على الآخرين... "لأن الأمة لن تكون حرة وقوية إلا إذا كان لها أبطال عليها دائما أن تثبت أنها جديرة بهم، من خلال الارتقاء إلى أوجهم، والبقاء موحدين". كما جاء في إحدى خطبه.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).