Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

 امرأة تجلد في العلن من قبل شرطة الشريعة في مناطق إندونسيا
امرأة تجلد في العلن من قبل شرطة الشريعة في مناطق إندونسيا

ابتهال الخطيب

 

حين كتبت مسبقاً أربط حرمان المرأة من تمرير جنسيتها لأبنائها في بعض الدول العربية ببعض القراءات الدينية الإسلامية السائدة (هناك كذلك دول غير عربية وغير إسلامية تطبق ذات التمييز الجندري حيث تبقى ما يقترب من ثلاث وعشرون دولة في العالم تمنع المرأة من تمرير جنسيتها لأبنائها) ، تداعى العديدون للدفاع عن الدين مؤكدين على أهمية كيان المرأة في قراءاته وإلى استكمال حقوقها تماماً تحت مظلته، حيث دوماً ما يتردد هذا الكلام الإنشائي حول القراءات الدينية السائدة لأوضاع المرأة دون أدنى تفنيد أو مواجهة حقيقية مع ظروف المرأة المسلمة وتداعيات التشريع الديني التراثي على حياتها المعاصرة الحديثة.

تتردد دوماً جٌمل مثل "الإسلام كرم المرأة" و"الإسلام أعطى كامل الحقوق للمرأة" ضغطاً على لفظة "الإسلام" عوضاً عن تعبير "القراءات والتفسيرات الدينية" وذلك كتماً للصوت المعارض المختلف. فمن سيجرؤ ليقول أن المرأة غير مكتملة الحقوق في الإسلام؟

إلا أن الأسئلة الحقيقية المستحقة هي كالتالي: هل تشير الظروف الحياتية للمرأة المسلمة إلى استكمال حقوقها واستتباب أمن حياتها وحرية اختياراتها؟ وهل هناك إسلام واحد وتفسيرات وقراءات دينية موحدة ذات نتائج إنسانية عظيمة ناجحة ليعتمدها المحاججون في مواجهة معارضيهم؟

إن الادعاء الهلامي الاستعلائي باستكمال حقوق المرأة إسلامياً هكذا ببساطة وعلى الرغم من كل المعاناة التي تصل حد فقدان الحياة  بالنسبة للنساء المسلمات ما هو سوى تكميم ذكوري تخويفي لكل رأي مختلف وتجاهل لأي احتجاج للمرأة تجاه ظروفها الحياتية التي تحياها وبكل جوانبها في إطار ذكوري تام. 

قبل فترة ظهر فيديو لسيدة عراقية تواجه شيخ دين باكية بحرقة تزويج طفلتها بعقد عرفي إثر اغتصابها، وهي تناشد الجميع مساعدتها خوف موت ربنتها تحت متطلبات هذا الزواج، ليصل بها بكاؤها لرفض الإيمان بكل شيئ وإعلانها فقدان ثقتها بكل شيء، سائلة الشيخ عمن ساعد الأب على انتهاك حق  طفلته، قائلة "من ساعد الأب؟ رجل الدين."

لا نعرف ما حاق بهذه الأم المقهورة وقد أعلنت فقدان ثقتها بكل المنظومات حولها، متهمة رجال الدين بشكل مباشر وفي وجوههم بالمشاركة في الجرائم ضد القاصرات، إلا أن ما نعرفه تماماً هو أنها تمثل صوت أنين انفجر تحت ضغط أمومتها المسحوقة بآلام ابنتها في مقابل ملايين الأصوات النسائية التي لا تزال مكبوتة في "قماقم" رعب لا منفذ خارجها. في عارض رد الشيخ على هذه الأم المكلومة ذكَّر تحديداً بإعلانها أنها لم تعد تعترف بالإسلام، ليسأله مقدم البرنامج، "لماذا أخذت من كل كلامها هذه الجملة؟"

لا يخفى بالطبع الهدف اللئيم لإشارة الشيخ ليأس الأم المكلومة من دينها، فإشارة كهذه هي الوحيدة القادرة على إخراج رجل الدين هذا وأشباهه منتصرين وبأقل الجهود. كل المطلوب هو التلميح بالخروج عن الدين، لتقع اللعنة ولتكون النهاية. 

الحقيقة أنه بعيداً عن الشريعة كحالة مقدسة، فإن القراءات الدينية في واقعها غير عادلة والتفسيرات التشريعية غير محايدة، حيث يأخذ معظمها جانب الرجل بشكل واضح فج لا يحتمل فعلياً المجادلة، ومن يحاول تغطية ذلك بجمل عامة هلامية، هو لا ينحى عن أن يستخدم ذات الجمل التقليدية، التهديدية في عمقها، لإسكات الصوت الآخر وإنهاء الحوار.

تحتمل الشريعة الإسلامية الكثير من التطوير وتتطلب، كما كل فلسفة دينية وفكرية أخرى، إعادة القراءة والفهم والتكييف المستمرين، وإلا كيف ستتسق الحياة بكل متغيراتها مع قراءات ثابتة لزمن غير زمننا ومحيط غير محيطاتنا المختلفة؟ لقد كان للكثير من المفكرين التنويريين، أمثال فاطمة المرنيسي ونصر حامد أبو بزيد وجورج طرابيشي وسعيد ناشيد ومحمد الجابري وغيرهم الكثيرون، قراءات متجددة وفهم متألق لمفاهيم الحقوق والعدالة والمساواة في المشروع الإسلامي الفلسفي والسياسي، إلا أنهم وأعمالهم بقوا إلى حد كبير في مساحة المحظورات، وكأنهم فلاسفة "تحت الأرض" لا مكان لفكرهم التنويري، ويا لغرابة المفارقة، تحت الشمس العربية الإسلامية.  

المرأة التي لا تزال موصى ومولى عليها من قِبل ذكر ما في أسرتها، المرأة التي لا تستطيع تزويج أو تطليق نفسها، المرأة التي تفقد حضانتها لأبنائها فور زواجها اللاحق، المرأة التي لا ترث كما أخيها، المرأة التي تعاد إلى عصمة زوجها قسراً، المرأة التي لا تمرر اسمها لأبناءها وبالتالي لا تمرر بقية الاستحقاقات المدنية الممتدة منها كمواطنة مدنية، المرأة التي يُفرض عليها بموافقة، وأحياناً مباركة، الكثير من القراءات الإسلامية مشاركتها لزوجها مع ثلاث نساء أخريات أو أكثر من خلال أنواع "الزواجات" الأخرى، المرأة الملزمة بالطاعة، المُعاقَبة بالضرب والهجر، المفروض عليها عشرة زوجها ولو كرهت "لأن الملائكة ستلعنها" إن رفضت، المرأة المغتالة طفولتها بزواجها كقاصرة، المرأة المغتال جسدها بختانها، المرأة التي ينظر لها على أنها ناقصة بسبب ظروفها الجسدية والصحية، كل هؤلاء النساء، وأكثر، ينتظرن إنصاف القراءات الدينية والتفاسير الحديثة، ينتظرن انتقالهن، لحاقاً بذكور مجتمعاتهن، من القرن السابع إلى القرن الواحد والعشرين.  

ولو أن التشريع المدني لم يكن ليتأثر بالتشريعات الدينية إلى هذا الحد الصارخ، ولو أن دولنا كانت مكتملة العلمانية والمدنية فاصلة الحيز الديني عن الحيز السياسي التشريعي، لما ألحت الحاجة الفورية والجذرية بالتطوير القراءاتي الديني، إلا أننا مجتمعات لازلنا نشرع بمنحى ديني تام أحياناً، كما في قوانين الأحوال الشخصية، أو نخلط التشريعات المدنية بالدينية بما يخلق حالة انفصالية غريبة، كما في قوانين الجنسية وقوانين "الشرف" وقوانين الوصاية المتأثرة جداً بالروح الذكورية الدينية، إلى آخرها من القوانين الدينية أو المدنية أو المختلطة والمؤثرة بشكل مستمر في الحياة اليومية للمرأة العربية المسلمة.  

لا تمرر المرأة جنسيتها لأبنائها لأن الأبناء يتبعون الأب، ومن أين أتت وتثبتت هذه الفكرة؟ ما هو أساس فكرة الوصاية في المنظومة القانونية السائدة في معظم مجتماعتنا اليوم؟ لا بد لنا أن نواجه الحقيقة حتى نستطيع أن نعالج المشكلة، أما المعالجة الكليشيهية المتكررة التي تستهدف التخويف فعلياً لا الحوار أو الحل، فلن يستمر تأثيرها كثيراً. سيخاف الناس إلى حين، ثم ينتهي مفعول الخوف ويحدث الانفجار.  

 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).