Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"الشيخة، في الثقافة المغربية، هي مغنية متخصصة في أصناف خاصة من الموسيقى الشعبية"
"الشيخة، في الثقافة المغربية، هي مغنية متخصصة في أصناف خاصة من الموسيقى الشعبية"

سناء العاجي

انتفض الشيخ الإسلامي وانتفضت معه الجموع: كيف يعقل أن يقدم لنا مسلسل مغربي نموذجا للشيخة وكأنه نموذج يحتذى به؟ أليس هذا تشجيعا على الانحراف والانحلال وتشجيعا للفساد؟ 

الشيخة، في الثقافة المغربية، هي مغنية متخصصة في أصناف خاصة من الموسيقى الشعبية، أهمها وأشهرها هو فن "العيطة". 

لكن، بالنسبة للإسلاميين وأتباعهم، فكل الموسيقى حرام وكل الرقص حرام ودنس وفساد. لذلك، فقد انتفض أحدهم في فيديو ضد الشيخات وضد حضورهن في الدراما الرمضانية.

الشيخ الإسلامي، الذي سبق له أن كفّر الكثير من الصحافيين والمفكرين المغاربة والأجانب؛ واعتبر وضع "لايك" لفتاة فسادا واعتبر سفر الفتيات وحدهن حراما دون مرافق ذكر، حتى لو كان ذلك بهدف الدراسة أو العمل، هذا الشيخ اعتبر أن في حضور "شيخة" في المسلسل تشجيعا على الرذيلة وتطبيعا مع الانحلال. 

لكننا لم نسمع هذا الشيخ وغيره ينددون بوجود لصوص في فيلم مغربي، أو متحرشين، أو صعاليك يهاجمون الناس في الشارع، أو فاسدين، ولم يعتبروا كل هذه الشخوص المتخيلة تطبيعا مع السرقة والتحرش والعنف والفساد، وحده جسد النساء يزعجهم ووحده حضور النساء في الساحة العامة يسبب لهم القلق، سواء كانت فنانة أو مديرة أو عاملة نظافة!

الحقيقة أن هذا الشيخ وأتباعه استغلوا حضور الشيخة في مسلسل "المكتوب" ليكشروا عن أنيابهم التي لا ترفض فقط حضور الشيخة في الدراما وفي المجتمع، لكنها تكره كل أشكال الفن.

فهم يكرهون أيضا وديع الصافي وأم كلثوم وفيروز ونعيمة سميح وعبد الوهاب الدكالي وكل مطربي العالم.

يكرهون الفن والغناء والموسيقى والرقص. يكرهون الفرح، لكنهم استغلوا الصورة المغلوطة الموجودة في مخيلات الكثيرين عن الشيخات، ليربطوهن بالفساد وليترجموا موقفهم الحقيقي من الفن والفنانين عموما. 

الشيخ سأل الحاضرين معه إن كان أحدهم يسكن قرب "شيخة"، ثم استنتج أن لا مغربي يسكن قرب الشيخات؛ فلماذا، من وجهة نظره، يقدم المسلسل الشيخة وسط حي شعبي آهل بالسكان. فأين مثلا تسكن كل شيخات المغرب؟ في زحل؟

ثم، شخصيا، لا تسكن بالقرب مني شيخة، لكن، أيضا، لا يسكن بالقرب مني فقيه! لا يسكن بالقرب مني طبيب! لا يسكن بالقرب مني مقدم برامج تلفزيون! فهل يمكن أن نأخذ معاييرنا الخاصة (المبنية على الصدف أحيانا) لنعمم منها واقعا مجتمعيا؟ 

ثم، دعونا نتساءل: ماذا يكون موقفنا اليوم من شيخات من قبيل "فاطنة بنت الحسين" و"الحاجة الحمداوية" و"الحاجة الحمونية"، اللواتي عرفن بمواقفهن النضالية ضد المستعمر الفرنسي؟ ماذا نفعل أمام صوت رهيب كصوت "حادة أوعكي"؟ ماذا سيكون موقفنا أمام قامة كبيرة مثل خربوشة، "عيطة حق عند سلطان جائر"، كما وصفها أحد المواقع المغربية، في إشارة لفن "العيطة" وعلاقته بمواجهة الاستبداد! 

خربوشة التي قاومت استبداد شيخ القبيلة، القايد عيسى بن عمر، لسنوات وغنت فيه أشعارا رددتها أجيال من بعدها، هذه بعض أبياتها:

فِي أَيَّامْك... الجِيِّد مَا بْقَالُو شَانْ
والرّعْوَانِي زِيّدْتِيه القُدَّام
سِير أَعِيسَى بْن عُمَر أَوكَّال الجِّيفَة... 
وَيَا قْتَّال خُّوتُه، ومْحَلَّل الحْرَام
عْمَّر الظَّالْم مَا يْرُوح سَالْم
وعْمَّر العَلْفَة مَا تْزِيد بْلا عْلاَم

وهي القصيدة التي كانت سببا في ثورة قبيلتها ضد "القايد عيسى بن عمر" الذي كان طاغية زمانه، والذي حكم جهة دكالة-عبدة أيام السلطان المغربي المولى عبد العزيز. بسبب قصائدها النضالية، قام القايد بالتنكيل بخربوشة وتعذيبها وقتلها. 

فهل هذه هي "الشيخة" التي يعتبرها السلفيون وحملة الخطاب المتطرف فاسدة منحلة، أم أن الفن بكل أشكاله، في قواميسهم، لا يمكن أن يكون إلا رذيلة؟

الحقيقة أن حملة الخطابات الدينية المتطرفة يكرهون الفن ويكرهون الفنانين. يكرهون الحرية والجمال ولا يعترفون إلا بخطابات الكراهية، لذلك، فكل صوت ينفلت من عقال القمع والإرهاب يزعجهم. 

لكن، هل تراها رقصة الذبيح الذي بدأ يلمح تغيرات المجتمع وانطلاقه نحو آفاق الحرية والجمال والفن، وانتشار المعرفة فيه تدريجيا، وانقشاع غبش الخرافات والتطرف، فبدأ (الذبيح) يخرج كل أسلحته، حتى الاعتباطية منها، أملا في تمكين بدأ ينفلت من بين يديه؟ 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة
مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة

د. توفيق حميد

يتسابق الملايين لأداء الحج والعمرة كل عام. وتعمدت في هذا المقال ألا أستخدم تعبير "فريضة الحج" لأن الحج ليس فريضة على جميع المسلمين وإنما على القادرين منهم فقط الذين يستطيعون تحمل نفقاته كما قال تعالى" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (سورة آل عمران آية 97). 

وتصل نفقات الحج في دولة مثل مصر إلى أكثر من مئة ألف جنيه للشخص الواحد، وهي معرضة للزيادة خاصة بعد ارتفاع الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة أمام الجنيه المصري.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لإدراك كم طفل مريض يمكن إنقاذ حياته وكم أسرة يمكن حمايتها من الإنهيار وكم إنسان جائع يمكن إطعامه بثمن حجة واحدة!

وأستطيع أن أتفهم أن يحج الإنسان إلى بيت الله الحرام مرة واحدة إن كان قادراً، ولكني لا أستطيع أن أتفهم تكرار الحج، وبخاصة الحج السياحي وأداء العمرة كل عام، وأداء الحج عن الغير بالرغم من وضوح القرآن التام أن الإنسان لا يجني إلا ثمار عمله هو كما  قال القرآن الكريم " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ" (سورة النجم آية 39). والعجيب في الأمر أن القرآن الكريم استخدم تعبير "سعى"، وهو نفس التعبير الذي يستخدمه الناس لوصف أحد طقوس الحج وهو " السعي بين الصفا والمروة"!

وهناك العديد من النقاط التي توضح أن أمورا مثل إطعام جائع أو إنقاذ إنسان هي أفضل عند الله تعالى من تكرار الحج والإسراف فيه. ومن هذه النقاط ما يلي:

أولاً: جعل الله تعال الحج "مثابة للناس وأمنا" فهل إنفاق مئات الآلاف من الجنيهات على الحج  بدلاً من إنفاقها على المحتاجين والضعفاء فيه أي مثابة للناس؟ 

ثانياً: ذكر القرآن الكريم الحج مرات محدودة فقط يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، وعلى العكس تماماً من هذا، فقد ذكر القرآن الكريم الإنفاق على المحتاجين وإطعام الفقراء عشرات المرات، وبالعديد من التعبيرات اللغوية، مثل :" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون ( أي الذين لا ينفقون في سياق الآية) هم الظالمون." (البقرة 254)....  ومثل " مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنۢبُلَةࣲ مِّا۟ئَةُ حَبَّةࣲۗ وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمٌ" (البقرة 261)...  ومثل  "ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا یُتۡبِعُونَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ مَنࣰّا وَلَاۤ أَذࣰى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ"  (البقرة  162).

فهل لو كان الحج أهم عند الله تعالى من الإنفاق وإطعام الجوعى كان ذكره مرات محدودة فقط، وعلى العكس تماماً ذكر الإنفاق على المحتاجين عشرات - إن لم يكن المئات - من المرات!  

ثالثاُ: حينما ذكر القرآن يوم القيامة لم يذكر ولو لمرة واحدة الحج، ولم يعاتب الناس على عدم أدائه، ولكن القرآن الكريم على العكس تماما، ربط بين دخول الجنة والنجاة من النار، وبين الإنفاق على المحتاجين، وإطعام اليتامى فقال جل وعلا مايلي...

"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (أي أهل الجنة) (سورة البلد 11 ـ 18) ".

وقال صراحة " لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ " ولم يقل "حتى تحجون"!

وحين عاتب الخالق سبحانه وتعالى الناس يوم الدين، عاتبهم على عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين، ولم يعاتبهم على عدم أداء الحج والعمرة فقال في محكم آيات  الذكر الحكيم في سورة النجم مايلي....

" كلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ   وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ   وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا   وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا   كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا   وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ " (سورة النجم آية 17-23).

وحينها سيتذكر الكثيرون أن إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين لم يكن أهم أولوياتهم الدينية!

وأضيق لهذا السياق تعريف القرآن لمن يكذب بالدين " أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ" (سورة الماعون آية 1-3) فالمكذب بالدين هو من يقسو على اليتيم ولا يحض على طعام المسكين وليس من لا "يحج"!  

رابعاً: ذكر الله تعالى الإنفاق باستخدام فعل الأمر كما قال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، ولم يذكر الحج بنفس القوة اللغوية أو استخدام فعل الأمر بصورة صريحة كما ذكر في الإنفاق.

وكل ماسبق يطرح نقاطا تحتاج إلى تفكير في الأولويات الدينية، وهل الحج أهم عند الله تعالى من إكرام اليتيم، ومن الرحمة بالفقير ومن إطعام المسكين - خاصة في ظل مناخ اقتصادي قاتم تسبب في إفقار الكثيرين في الآونة الأخيرة! 

وللحديث بقية!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).