Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

أعشاب تستخدم في علاج بعض الأمراض في ما يسمى بالعلاج البديل
أعشاب تستخدم في علاج بعض الأمراض في ما يسمى بالعلاج البديل

د. توفيق حميد

انتشرت ظاهرة ما يسمى بـ"الطب النبوي" في العقود الأخيرة، وهي تشمل في مضمونها التداوي بالأعشاب وبوسائل بدوية بسيطة وأمور أخرى مثل التداوي ببول البعير والحجامة وغيرها. وأصبحت هذه الظاهرة مصدر ربح لكثيرين ممن ينتمون للتيار الإسلامي المتشدد. فكل ما على هؤلاء هو أن يقنعوا البسطاء بأن ما سيتاولونه هو "علاج نبوي" موحى به من السماء ليشفي جميع أمراضهم. وأصبحت مبيعات "الطب النبوي" بملايين تصب في النهاية في جيوب المنتفعين من نشر هذا الفكر!

وأول سؤال يطرح نفسه هنا، هو لماذا يذهب العديد من الشيوخ للعلاج في الخارج إذا كان "الطب النبوي" فعالا لهذه الدرجة؟! ومن أشهر هؤلاء الشيخ متولي الشعراوي، الذي ذهب للعلاج في أوروبا بعد أن نهى الناس والعوام عن عمل غسيل كلى لوالديهم وتركهم يعانون حتى الموت!

أما الأمر الثاني فهو هل هناك أي دليل على أن التداوي بالأعشاب موحى به من الله؟!

لقد قال القرآن للرسول عليه السلام " قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ" (سورة الكهف آية 110) أي أنه كان مثل باقي البشر حوله يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون ويتداوى بالأعشاب والحجامة مثلهم. وبمعنى آخر لو كان العلاج بإشعاعات الليزر موجود في عصر الرسول لاستخدمه مثل باقي البشر حوله. وعلينا دائما أن نتذكر أن شيئا مثل الحجامة كان يتم استخدامه أيضا من كفار قريش ومن أبي لهب وأبي جهل. فهل هو علاج نبوي أم علاج شعبوي كان يستخدمه الجميع في ذلك العصر؟ وهل استخدامه هو اقتداء بالرسول أم اقتداء بأبي لهب؟ 

والأمر الثالث الذي أود ذكره في هذا السياق، هو أن طب الأعشاب، الذي يستخدمه كثيرون له أسس علمية في كثير من الأحيان، ولكن تكون مبالغة شديدة إن قلنا أنه شفاء لكل داء، كما يتكلم البعض ويذكرون حديثا للرسول عليه السلام، يقول فيه أن "الحبة السوداء شفاء لكل داء".

فعلى سبيل المثال، فإن الحبة السوداء أو كما تسمى أيضا "حبة البركة" تحتوي على مادة عضوية تسمى "ثيموكوينون" وهي مادة ذات خصائص طبية مفيدة في مقاومة السرطان وعلاج بعض الأمراض الإلتهابية وتنشيط خلايا الكبد وغيرها من الخصائص الرائعة. ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أنها شفاء لكل داء كما جاء في الحديث المذكور أعلاه. فهي على سبيل المثال لا الحصر لن تعالج مريضا مصابا بانفجار شريان في المخ، ولن تداوي إنسانا ينزف نزيفا حادا بعد حادثة مروعة، ولن تعيدَ البصر لمريض مصاب بشلل تام بسبب تلف خلايا المخ.

ومن إحدى المشاكل في موضوع الطب النبوي هو محاولة منع الناس من استخدام العلاجات الطبية المعروفة، بحجة أن الأعشاب تكفي. وكما ذكرنا، فالأعشاب قد تكون مفيدة في حالات عديدة ولكن ليس من الحكمة إقحامها في كل شيء.

وجدير بالذكر هنا أن كتبا طبية حديثة بدأت تذكر بعض الوسائل الطبيعية في علاج بعض الأمراض ولكن يتم ذلك بعد عمل تجارب وبحوث عن مكوناتها العضوية وكيف تعمل.

وفي جميع الأحوال، فإن العلاج بالأعشاب لا ينبغي أن نطلق عليه طبا نبويا لأنه لم يكن بوحي من السماء ولم تنزل به آيات القرآن بل – كما ذكرنا – هو العلاج السائد في تلك العصور. وليس أدل على ذلك من أن الحبة السوداء أو "حبة البركة"، على سبيل المثال، تم استخدامها في التداوي منذ عصور المصريين القدماء، واستخدمها الرومان والعرب والإغريق والفرس قبل مولد الرسول بمئات السنين. فهل هي (أي الحبة السوداء) يا ترى طب نبوي أم روماني أم إغريقي أم فرعوني؟ 

وللحديث بقية ..

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة
مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة

د. توفيق حميد

يتسابق الملايين لأداء الحج والعمرة كل عام. وتعمدت في هذا المقال ألا أستخدم تعبير "فريضة الحج" لأن الحج ليس فريضة على جميع المسلمين وإنما على القادرين منهم فقط الذين يستطيعون تحمل نفقاته كما قال تعالى" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (سورة آل عمران آية 97). 

وتصل نفقات الحج في دولة مثل مصر إلى أكثر من مئة ألف جنيه للشخص الواحد، وهي معرضة للزيادة خاصة بعد ارتفاع الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة أمام الجنيه المصري.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لإدراك كم طفل مريض يمكن إنقاذ حياته وكم أسرة يمكن حمايتها من الإنهيار وكم إنسان جائع يمكن إطعامه بثمن حجة واحدة!

وأستطيع أن أتفهم أن يحج الإنسان إلى بيت الله الحرام مرة واحدة إن كان قادراً، ولكني لا أستطيع أن أتفهم تكرار الحج، وبخاصة الحج السياحي وأداء العمرة كل عام، وأداء الحج عن الغير بالرغم من وضوح القرآن التام أن الإنسان لا يجني إلا ثمار عمله هو كما  قال القرآن الكريم " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ" (سورة النجم آية 39). والعجيب في الأمر أن القرآن الكريم استخدم تعبير "سعى"، وهو نفس التعبير الذي يستخدمه الناس لوصف أحد طقوس الحج وهو " السعي بين الصفا والمروة"!

وهناك العديد من النقاط التي توضح أن أمورا مثل إطعام جائع أو إنقاذ إنسان هي أفضل عند الله تعالى من تكرار الحج والإسراف فيه. ومن هذه النقاط ما يلي:

أولاً: جعل الله تعال الحج "مثابة للناس وأمنا" فهل إنفاق مئات الآلاف من الجنيهات على الحج  بدلاً من إنفاقها على المحتاجين والضعفاء فيه أي مثابة للناس؟ 

ثانياً: ذكر القرآن الكريم الحج مرات محدودة فقط يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، وعلى العكس تماماً من هذا، فقد ذكر القرآن الكريم الإنفاق على المحتاجين وإطعام الفقراء عشرات المرات، وبالعديد من التعبيرات اللغوية، مثل :" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون ( أي الذين لا ينفقون في سياق الآية) هم الظالمون." (البقرة 254)....  ومثل " مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنۢبُلَةࣲ مِّا۟ئَةُ حَبَّةࣲۗ وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمٌ" (البقرة 261)...  ومثل  "ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا یُتۡبِعُونَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ مَنࣰّا وَلَاۤ أَذࣰى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ"  (البقرة  162).

فهل لو كان الحج أهم عند الله تعالى من الإنفاق وإطعام الجوعى كان ذكره مرات محدودة فقط، وعلى العكس تماماً ذكر الإنفاق على المحتاجين عشرات - إن لم يكن المئات - من المرات!  

ثالثاُ: حينما ذكر القرآن يوم القيامة لم يذكر ولو لمرة واحدة الحج، ولم يعاتب الناس على عدم أدائه، ولكن القرآن الكريم على العكس تماما، ربط بين دخول الجنة والنجاة من النار، وبين الإنفاق على المحتاجين، وإطعام اليتامى فقال جل وعلا مايلي...

"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (أي أهل الجنة) (سورة البلد 11 ـ 18) ".

وقال صراحة " لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ " ولم يقل "حتى تحجون"!

وحين عاتب الخالق سبحانه وتعالى الناس يوم الدين، عاتبهم على عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين، ولم يعاتبهم على عدم أداء الحج والعمرة فقال في محكم آيات  الذكر الحكيم في سورة النجم مايلي....

" كلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ   وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ   وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا   وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا   كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا   وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ " (سورة النجم آية 17-23).

وحينها سيتذكر الكثيرون أن إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين لم يكن أهم أولوياتهم الدينية!

وأضيق لهذا السياق تعريف القرآن لمن يكذب بالدين " أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ" (سورة الماعون آية 1-3) فالمكذب بالدين هو من يقسو على اليتيم ولا يحض على طعام المسكين وليس من لا "يحج"!  

رابعاً: ذكر الله تعالى الإنفاق باستخدام فعل الأمر كما قال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، ولم يذكر الحج بنفس القوة اللغوية أو استخدام فعل الأمر بصورة صريحة كما ذكر في الإنفاق.

وكل ماسبق يطرح نقاطا تحتاج إلى تفكير في الأولويات الدينية، وهل الحج أهم عند الله تعالى من إكرام اليتيم، ومن الرحمة بالفقير ومن إطعام المسكين - خاصة في ظل مناخ اقتصادي قاتم تسبب في إفقار الكثيرين في الآونة الأخيرة! 

وللحديث بقية!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).