Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تاريخ الفن الشعبي المغربي محط خلاف
تاريخ الفن الشعبي المغربي محط خلاف

عبد الرحيم التوراني

فجأة، تحول اهتمام جمهور الفيس بوك في المغرب، خلال شهر رمضان هذا العام، من شكوى الغلاء وارتفاع الأسعار، وانتقاد سياسة حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، إلى لغط وصخب حول بعض الأعمال الدرامية التي تبثها حاليا قنوات التلفزيون المغربي، أولها مسلسل "فتح الأندلس" (على القناة الأولى)، الذي نال الكثير من الانتقادات ركزت على أصل الفاتح طارق بن زياد، أهو عربي كما يقدمه المسلسل، أم أمازيغي أصيل؟  

لوحظ أن بعض الفيسبوكيين، وبتعصب عرقي مبالغ فيه، ذهبوا إلى أن طارق بن زياد أمازيغي النسب. هكذا من دون الإدلاء بحقائق تاريخية دامغة، أقلها ما يتصل على سبيل المثال، باسم هذه الشخصية التاريخية، واسم والده، وهما اسمان عربيان، إذا كيف يحدث قبل وصول العرب بسنوات معدودة إلى أرض المغرب، أن يقدم جده البربري على تسمية ابنه باسم عربي، أي "زياد"؟ وكيف سمى هذا الابن ولده باسم "طارق"؟ وهما معا من الأسماء العربية الخالصة. كما أشار إلى ذلك الباحث اللساني الأستاذ أحمد العلوي. معلقا: إن"الأمر واضح، ولكن الأهواء المريضة لا ضابط لها". هكذا اختلط الحابل بالنابل، وأصبح الجميع يجرؤون على تقديم انتقادات حول "وجود أخطاء تاريخية في المسلسل"! 

لم تخمد بعد "الزوبعة" المتصلة بـ "الأصل الأمازيغي" لفاتح الأندلس، حتى انطلقت موجة موازية من الانتقادات، عمَّتْ وسائل التواصل الاجتماعي، للرد والهجوم على داعية إسلامي، انتقد بحدة مضمون مسلسل تلفزيوني آخر يبث على القناة الثانية بعنوان: "المكتوب"، تتناول قصته موضوع "الشيخات" (راقصات ومغنيات شعبيات). فتوزع الناس بين مدافع عن "الشيخات"، وبين داعم لرأي الشيخ. 

اعتبر الشيخ ياسين العمري، كما هو مسجل على قناة اليوتيوب، أن مسلسل "المكتوب" يحرض على "الانحلال الخلقي والتطبيع مع المنكر"، عندما يقدم الشيخة باعتبارها "قدوة للمجتمع"، مما يعطي صورة خاطئة عن المجتمع المغربي المحافظ والمتدين.  

 أما المختلفون مع الداعية، فرأوا في كلامه تهجما على الفن والتراث المغربي. بل إن البعض منهم تمادى أكثر، ليصف المغنية "الشيخة" بـ"المناضلة والوطنية والشهيدة". وأن الشيخات "لعبن أدواراً مهمة في تاريخ البلاد، تعدت نطاق الفن والفرجة"، مبرهنين على أقوالهم بكلمات تنسب لشيخة تدعى "خربوشة"، غنتها ضد أحد حكام الفترة الاستعمارية (القايد بن عيسى)، ويقال إنها كانت من محظياته، قبل أن يهينها وتتمرد هي عليه. 

إلا أن أغلب ما وصلنا من تراث غناء "الشيخات" يدخل في باب الخمريات والقصف والمجون، وما يخالف هذا المجال ليس مؤكدا وغير مدقق، أو يدخل في نطاق الندرة. كما أن لا شيء يذكر عن أغانٍ غنتها "الشيخات" وكان لها دور في إلهاب الشعور الشعبي والوطني للمغاربة، وأدت إلى استثارة هممهم من أجل الحرية والاستقلال. 

*** 
في مستهل العقد الثاني من الألفية الجديدة، لما كان الصديق المخرج شفيق السحيمي يحضر لإعداد مسلسله الشهير "شوك السدرة"، وتدور أحداثه في زمن الاستعمار الفرنسي، استدعاني لأحضر إلى جانبه لقاء خاصا مع المغني الشعبي عبد الله البيضاوي، (قتل لاحقا على يد خليله). سأل السحيمي المغني الشعبي هل تطرق غناء "العيطة" الذي تؤديه الشيخات، إلى موضوع المقاومة والكفاح ضد الفرنسيين؟ 

من دون أدنى تردد وبيقين تام، أجاب عبد الله البيضاوي:  

- هل لديكم شكوك في هذا؟.. إن "العيطة" كلها مقاومة... 

 ثم طلب منه السحيمي الإتيان بنماذج إن كان يحفظها وذكر أصحابها. فارتجل البيضاوي بعض الكلمات غير المضبوطة، لم أعد أتذكر منها سوى التالية: 

 - (وسِرْ يا ابن عَرَفَة.. يا لحية العزَّافة.. دابا تضربك تلافة...). 

كلمات مناهضة للسلطان محمد بن عرفة، الذي نصبه الاستعمار الفرنسي عام 1953، بديلا عن ابن عمه السلطان محمد ين يوسف (الملك محمد الخامس).  

ثم وعد المغني عبد الله البيضاوي بتوفير النصوص التي طلبها منه المخرج شفيق السحيمي في وقت لاحق. لكن ذلك لم يحصل. ما دفع السحيمي إلى أن يكتب هو بنفسه نصوصا زجلية أداها بأسلوب غناء "العيطة" المغني الشعبي مصطفى بوركون.   

بعد لقائنا مع المغني الشعبي عبد الله البيضاوي، تبادلت مع شفيق السحيمي الحديث. وتأكدنا أن عبد الله البيضاوي لفق ما حكاه لنا من كلام. فلا وجود لأي "شيخة" أو "شيخ" تجرأ وغنى مثل تلك الكلمات في عهد البطش الاستعماري، خصوصا إذا علمنا أن "العيطة" فن ازدهر ونما فوق كرم موائد الإقطاع الموالي للاستعمار. فلم يكن بإمكان الطبقات الدنيا الاستمتاع برقص وغناء "الشيخات"، لأنه كان فنا موجها لتسلية وإمتاع طبقة الأغنياء، من الأعيان والإقطاعيين وأصحاب السلطة وذوي النفوذ، وفي مقدمتهم "القياد" والباشوات، الذين كانت تعينهم وتفرضهم سلطات الإقامة العامة الفرنسية. وظل غناء "العيطة" المصحوب بالرقص الشعبي، إنتاجا خالصا من إنتاج المنتمين لأدنى الفئات الاقتصادية والاجتماعية. 

كانت الشيخة امرأة متمردة على مجتمعها. تتوق للتعبيرعن ذاتها، والسعي لمواجهة قدرها من أجل تغيير واقعها تحقيق أحلامها، من خلال استعراض موهبتها الفطرية ومفاتنها الجسدية.  

وأغلب الشيخات هن نساء أميات، هاربات من قسوة الأب أو الإخوة الذكور، أو من قهر العنف الأسري للزوج. وفي هروبهن كن يعشن جماعة مع "شيخات" أخريات، يقوم بتأمين أمورهن رجل "شيخ"، عازف آلة الكمنجة أو صاحب "التعريجة" أو ناقر "البندير". هو من يجري الاتصال به من أجل جلبهن لإحياء الحفلات الخاصة والأعراس. كما كان ممنوعا على النساء  حضور حفلات تنشطها "الشيخات". وجميع "الشيخات" يعتبرن مهنتن قدرا وابتلاء كتب عليهن، من هنا عنوان المسلسل المعني (المكتوب). 

ويمكن الاستدلال على هذا بقصة المغنية الشعبية حادة أوعكي، وقصة المغنية نجاة اعتابو وأخريات، وهروب كل واحدة منهن من بيت العائلة، (الفيديوهات متوفرة على اليوتيوب لمن يرغب)... 

*** 
الشيخات كن دائما يستدعين لتنشيط الحفلات الرسمية، على رأسها حفلات عيد العرش، أو ذكرى ميلاد الملك التي يطلق عليها "عيد الشباب"، وتسهر على تنظيمها الجهات والمصالح الإدارية الرسمية. وتحضر فرق "الشيخات" أيضا في بعض الحملات الانتخابية الخاصة بمرشحين من أعيان دوائر المناطق القروية. وبعدما كان غناء "الشيخات" مديحا لقياد الاستعمار، تحول بعد الاستقلال إلى مدح للملك.. حيث تنتهي أغانيهن عادة بـ (والله ينصر سيدنا مولاي الحسن...). كما كان الجنرال محمد أوفقير والجنرال أحمد الدليمي، (الاثنان تورطا على التوالي في محاولات قلب النظام الملكي)، من المواظبين على إحياء حفلات خاصة بـرقص "الشيخات". 

ولأن أعراس الناس العاديين هي صورة مقتبسة عن أعراس وحفلات الحكام وطبقات الأغنياء، فقد أصبحت "الشيخات" ينشطن أيضا الأعراس الشعبية. 

ولم يحدث أن تمت دعوة "الشيخات" إلى حفلات أو تجمعات رعتها منظمات وهيئات اليسار وجهات المعارضة مثلا.. إذا كان الكلام يستقيم عن "نضالية" الشيخات وفنهم "الملتزم".  

كما أن كلمة "الشيخة" اعتبرت دائما لفظة قدحية ونابية، خصوصا إذا ما وجهت لشخص ما كشتيمة، بالقول: "يا ولد أو يا ابنة الشيخة". وليس هناك أحد ممن انبروا اليوم للدفاع عن "الشيخات"، يتمنى أن تصبح ابنته أو أخته أو قريبته "شيخة". لأن مكانتها الاجتماعية أكثر من دونية، ولأن نظرة المجتمع لا تفصل بين الشيخة والراقصة والعاهرة.  

ورغم ما تحظى به "الشيخة" من حفاوة واهتمام أثناء تنشيطها للحفلات والأعراس، فما تلبث حتى تجد نفسها أعيدت إلى الهامش منبوذة بعد لحظات الفرح التي أشاعتها بين الناس، حيث " يدير المجتمع ظهره لها بسرعة بعد انقضاء حاجته منها"، كما يؤكد الباحث حسن بحراوي.  

ويمكن القول أنه في العقود الأخيرة أعيد لـ "الشيخات" بعض الاعتبار، وتزايد الاهتمام بفن "العيطة" كموروث غنائي شعبي، من لدن عدد من الباحثين والدارسين. من بينهم رئيس اتحاد كتاب المغرب السابق، الشاعر حسن نجمي الذي كرس موضوع أطروحته لنيل الدكتوراه لموضوع "العيطة"، (نشرت لاحقا في جزءين). فإن رقص "الشيخات" لم يرق إلى ما لقيه الرقص الشرقيّ من عناية المثقفين، ونكتفي هنا بالدراسة التي خصها مثقف كبير من قامة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد للراقصة المصرية تحية كاريوكا في بحث شهير له. 

إلا أن موقف المفكر المغربي عبد الله العروي مختلف تماما، حيث يعتبر الثقافة الشعبية التي يسميها الفولكلور (وضمنها طبعا غناء "العيطة")، خالية من أية قيمة ثقافية وتعبيرية. رغم استدراكه بعدم معاداته للثقافة الفولكلورية ولا الأدب الشعبي، بقوله: "لا أعارض التأليف باللهجة العامية، أيا كانت، ولا البحث في أبنيتها، لكني أرفض أن أتصرّف وكأنّنا أمة أمية".   

*** 
في سنة 2016، أقدمت مجموعة شباب من مدينة الدار البيضاء، وفي إطار "تكريم" النساء الشيخات، و"التعاطف معهن" كما صرحوا، على تأسيس فرقة استعراضية سموها "كباريه الشيخات". بعد تجربة بأحد مطاعم العاصمة الاقتصادية للبلاد، وقفوا على خشبة إحدى دورات مهرجان "بولفار" في الدار البيضاء، وعلى وجوههم مكياج نسائي وأحمر الشفاه، رغم أنهم ملتحون، وظهروا مرتدين قفاطين وإكسيسورات نسائية، وهم يؤدون أغاني من تراث "العيطة"، في مشهد مسرحي فالت، مليء بالغرابة القصوى ومثير للسخرية، يبعث على الضحك قبل أي شيء آخر.  

وإن لقيت فكرة "كباريه الشيخات" بعض الاستحسان والتشجيع، فإنها قوبلت بكثير من الامتعاض أيضا من آخرين، تعاملوا مع أفراد فرقة "كباريه الشيخات" "المتشبهين بالنساء"، كشاذين، وصنفوهم في خانة مثليي الجنس.  

*** 
لا ريب أن عددا كبيرا ممن انساقوا في ركاب الحملة الهجومية ضد الداعية الإسلامي ياسين العمري، فعلوا ذلك لأنهم رأوها مناسبة سانحة لإعلاء راية الحداثة، يمكن استغلالها للنيل من الظلاميين والإخونجية. بالقدر الذي وجد فيه الداعية موضوع المسلسل فرصة سانحة للبروز على السطح، والهجوم على مجتمع يخاصمه الشيخ ويرفضه، لأنه "مبتعد عن أصول الدين" في نظره. 

*** 
ولا يسعنا هنا إلا القول إن من يسهر على تحريك الخيوط من خلف الستار في الكواليس، نجح في إشغال بعض المغاربة من أهل الفيس بوك، وإلهائهم عن حقائق الأمور المتصلة بواقعهم الصعب والمرير، فانصاع بعضهم بسهولة، وعن غير وعي، في لعبة التغطية على مآل الملايير المهدورة من المال العمومي على إنتاجات ضحلة دون المستوى، لا تساهم إلا في نشر التردي والتضليل والتخلف.  

أما غالبية الناس، فهم يكابدون قدرهم "المكتوب"، ويحترقون يوميا بنيران الغلاء وبلهيب الأسعار..

كل هذا في ظل وضعٍ مأزوم وقاسٍ تشهده الحريات العامة بالبلاد، إذ يسجل المغرب تراجعا مريعا في قضايا حقوق الإنسان. كما تشهد على ذلك المنظمات الحقوقية الدولية.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.
شهدت مدن عدة مظاهرات منددة بحرق القرآن.

حسن منيمنة

قام أحدهم لغرض الاستفزاز، مستفيداً من الالتزام المتقدم بحرية التعبير في الغرب، بإحراق مصحف أمام سفارة دولة للإسلام حضور بارز فيها. نجح الرجل في استفزازه، وأثارت المسألة استهجان الدولة المعنية، كما أشعلت مجدداً الغضب في أرجاء العالم الإسلامي حول امتهان المحرّمات وازدراء الإسلام في الغرب. السؤال الذي يتكرر في هذه الأوساط المعترضة هو أنه طالما أن الزعم أن الالتزام بحرية التعبير هو الأصل، وإذا كانت الرسوم البذيئة التي تصوّر الشخصيات الدينية الإسلامية وجهاً من أوجه هذه الحرية، لماذا يحاكم ويسجن من يطرح الأسئلة وحسب، دون استهزاء أو رذالة، بشأن المحرقة مثلاً، ولماذا يدان بأشد العبارات والإجراءات من يدعو إلى اعتبار المثلية حالة مرضية تستوجب العلاج؟ أليس بالأمر نفاق؟

في الأمر خلاف عميق، يجري غالباً اختزاله لراحة بال كل من الجانبين على أنه نفاق أو ازدواجية معايير لدى أحدهما، أو رجعية وتخلف لدى الآخر، ليعود كل إلى صفّه مطمئناً إلى سلامة موقفه. بل ويقف مع المسلمين المدافعين عن الرسول والقرآن بعض التقدميين وغيرهم من الغربيين، لتصبح مواقف هؤلاء تأكيداً إضافياً على صحة الموقف الإسلامي وعلى أكاذيب الغرب ونفاقه وريائه. كما يقف مع المتمسكين بحرية التعبير في الغرب أعداد من العلمانيين والتنويريين والمنفتحين ضمن المحيط العربي، داعين إلى الرقي الحضاري إزاء التخلف العام في مجتمعاتهم، ومتماهين منسجمين مع الموقف السائد في الغرب، وإن لم يعرهم هذا الغرب من الانتباه إلا القليل بالمقارنة مع ما يمنحه الطرح الإسلامي من صدارة لمن يؤيده من الغربيين الناقدين للذات.  

رغم غلبة تأطير الخلاف على أنه حول حرية التعبير، ثمة ما يشير إلى طبيعة أخرى له. مساحة التعبير الحر أوسع بمساحات شاسعة في الغرب منها في المحيط العربي. أي أن الناقد الغربي يغترف من مجموعة كبيرة من المحظورات في السياق العربي أو الإسلامي للتأكيد على عدم التنازل عن مجال حرية التعبير المتاح له في مجتمعه، إثر قدوم المهاجرين من مجتمعات تعتمد هذه المحظورات. من نقض الأبوية وسائر أشكال الذكورية والمساواة بين الرجل والمرأة، إلى الحريات الجنسية بما فيها المثلية، وتقييد الولاية على الأطفال أو حتى سحبها، مروراً بالطعن بالمستبدين من رؤوس الدول والجماعات الإسلامية. كلها أبواب متحققة للتحدي، اللطيف حيناً، اللاذع أحياناً. نتيجة خطوات التحدي هذه قد تكون الاستياء، أو الامتعاض، أو الاستهجان في الأوساط الإسلامية. قلّ إن تكون الحراك الغاضب.

الغضب، والعنف الذي يليه، من الجانبين وإن بأشكال مختلفة، يحصل عندما يكون المقدّس هو المستهدف. يمكن القول بالتالي أن جوهر الخلاف هو حول المقدّس أولاً، وحرية التعبير ليست منه بالتأكيد في الموروث الإسلامي. أما المقدّس في الغرب فهو أوسع من حرية التعبير كذلك، وإن ساد الوهم بأن هذه الحرية هي قدس الأقداس.

من حق الفكر الإسلامي أن يسعى، حيثما شاء، إلى استيعاب مفهوم حرية التعبير، انطلاقاً مثلاً من تثمين "كلمة الحق عند السلطان الجائر"، على أن مفهوم الحرية هنا هو المقتصر على المجاهرة بالإسلام أو ما لا يعارضه. أما المسعى العميق المطلوب إسلامياً في سبيل تأصيل حرية التعبير دون القيد الضيق، فيجب قطعاً أن يمرّ بخبر عصماء بنت مروان.

لا بد هنا من تجنب الاستعراضيات والمناكفات الدينية المعتمدة على انتقاء ما يحتمل وجه إساءة من المادة الموروثة وتبديل موازين الاعتبار لتوظيفها في العداء المتنكر بالنقد. ولا بد من التذكير بأن السيرة النبوية ليست سجلاً تاريخياً وقائعياً، وإن جرت العادة في المجتمعات الإسلامية على إضفاء هذا المقام عليها.

المقصود بالوقائعية هنا توفر ما يفيد اليقين أو التصديق أو حتى الظن دون الاعتماد على القناعة الإيمانية. والعلة في المنهجية الأخبارية ومن باب أولى الحديثية، والتي يجري تقديمها، لاتساعها في الجرح والتعديل وغيرها من أدوات التحقق، على أنها مكافئة أو حتى سبّاقة للمنهجية التاريخية الوقائعية، هي أنها تقف عند إقرار عدالة الصحابة لدى السنة أو عصمة الأئمة لدى الشيعة. ولها ذلك طبعاً، كفعل إيماني، يلزم من شاء من المؤمنين، ولكنه لا يكفي من يريد التثبت الوقائعي، أي دعم الخبر بما يؤيده من خارج القناعة الإيمانية، وهو غائب بما يقارب الشكل الكامل. لا يصحّ بالتالي، من عند القراءة الموضوعية، التعامل مع أخبار السيرة على أنها موجبة لليقين أو التصديق، وإن كانت تبقى قابلة للظن وما هو أدنى منه.

كل هذا للقول إنه ليس لزاماً عند استدعاء خبر من أخبار السيرة تصديقه، ولا يجوز تجييره للتعيير، بل الممكن وحسب هو الاستفادة من عبرته في تأطير الفكر الإسلامي الذي يقبله، الأمس كما اليوم.

في السيرة، وسائر التراث الإخباري الإسلامي الكثير من الفظائع (كما في كل رصيد تراثي إنساني، أي أن المسألة طبعاً ليست حكراً على الإسلام). على أنه قد لا يكون في مجمل هذا الرصيد ما هو أبلغ وأخطر في ذاته وفي مقتضاه مما رضي ويرضى به قرّاء خبر عصماء بنت مروان، من المفكرين المسلمين على مدى تلقيهم له، منذ صدر الإسلام وإلى هذا القرن الواحد والعشرين.

عصماء بنت مروان شاعرة يثربية سإاءها تعاظم سلطة الرسول في مدينتها، بعد هجرته إليها، فألقت أبياتاً تحث فيها رجال مدينتها على رفض ما اعتبرته استبداداً، مهينة فيها الرسول وصحبه. هي كلمات نطقت بها هذه المرأة، في ديارها، بين أهلها. وفق ما ينقل، عظم الأمر على الرسول وصحبه، فبعث من يقتصّ منها. ليس بأبيات تفحمها وتدحض أقوالها. بل ببيض الصفائح لا سود الصحائف. جاءها البطل المغوار، بل الرواية تريده أعمى للإمعان بتقدير بطولته، فدخل منزلها ليلاً وهي نائمة، وكان عليه أن يدفع رضيعها عن صدرها، من باب مكارم الأخلاق، قبل أن يطعنها في قلبها، ويتركها قتيلة مضرّجة ورضيعها يسبح بدمائها، محقّقاً عدالة ما بنظر من بعثه، ووفق قناعته بنظر من بعث من بعثه.

كما في خبر بني قريظة، والذين ذُبح رجالهم وسُبيت نساؤهم واستُرق أطفالهم، في عقوبة جماعية صارمة لكلمة تفوّه بها كبيرهم، التفضيل لدى المفكرين المسلمين المعاصرين هو ألا يتطرقوا إلى خبر عصماء بنت مروان. ولكنهم إن فعلوا، فإنهم يبحثون عن السبيل لتبرير هذا الفعل، المنفّر بالفطرة، بحجة أنه يأتي في إطار الدفاع عن حكومة الرسول ساعة نشأتها، وأن ذبح عصماء بنت مروان يضاهي قتل محارب في ساحة القتال، وما شابه من الأعذار الواهية والمتخبطة، إن لم تكن المنافقة والكاذبة.

الفكر الإسلامي، في جناحه الذي لا يعبأ لا بالفطرة ولا بالقيم العالمية، يطالب المسلمين ألا يعتذروا لدينهم، بل أن يلتزموا الطاعة دون استحياء. فمن جاهر بالعداء للإسلام يقتل. لا زعم هنا أنه لحرية التعبير مكانة. أما الفكر الإسلامي، بجناحه الآخر الساعي إلى التآلف مع الفطرة، إن لم يكن مع القيم العالمية، فإنه يقع في مأزق صعب.

للخروج من هذا المأزق، ثمة من يرى التخلي عن معظم الموروث النصي، والاقتصار على القرآن، وضمن القرآن اعتماد المجاز والتخصيص والتفصيل والتقييد والنسخ وغيرها لإيصال النص إلى قدر من التوافق مع القيم العالمية. على أن هذه المنهجية، الانتقائية الأهوائية، على شحة مادتها وهشاشتها، أكثر خصوبة وصلابة عند توظيفها من جانب من يسعى إلى التشدد والتزمت بل القسوة والتوحش.

المأزق الفكري هنا عائد إلى زعم الوقائعية، في صيغتها القصوى الموجبة لليقين، بحق الأخبار الدينية، بدلاً مثلاً من اعتبار مادة خبر عصماء بنت مروان كما مادة خبر بني قريظة من باب القصص الديني الداعي إلى الاعتبار لا الإخبار.

ما هو أقرب إلى الصواب، على أي حال، هو أنه، دون تفكيك خبر عصماء بنت مروان، لا يمكن الزعم الصادق بأن حرية التعبير قيمة إسلامية. القدسية، إسلامياً، هي لذوات مشهودة دينياً وكيانات معنوية، الإله طبعاً، ثم الرسول والقرآن والإسلام، والصحابة أو الأئمة. وإذا كان لا بد من تحديد مفاهيم فيما عدا ذلك تطالها القدسية، فربما هي الإيمان والتقوى والطاعة.

في المقابل، يتجلى الادعاء الغربي حول إطلاقية حرية التعبير في العبارة القائلة بـ"أنني قد اختلف معك في الرأي ولكنني سوف أدافع حتى الموت عن حقك بالتعبير عنه". هي عبارة منسوبة خطأً للفيلسوف الفرنسي ڤولتير، غير أنها تتردد بصفة ترتقي معها إلى مقام القدسية على مدى الفكر الغربي الحديث والمعاصر. على أرض الواقع، هي مبالغة يقتصر العمل بها بالصيغة المطلقة على ناشطين عقائديين قلّة، محافظين حيناً وتقدميين أحياناً.

أما معظم ما يدرج ضمن خانة القدسية في الغرب المعاصر فهو ما جرت مراجعته من الفصول التاريخية التي يعتبر الغرب أنه تورّط فيها ظالماً. وكلما اقترب هذا الاعتبار من الإجماع، كلما ارتفع مستوى القدسية. فالقدسية في الغرب ليست للدين، بل الدين كغيره من الظواهر الاجتماعية والفكرية موضوع تقدير وتثمين، كما هو موضوع نقد ونقض. أما الخطايا التاريخية، من اضطهاد اليهود إلى استعباد الأفارقة والاعتداء على المثليين، فجهود تصحيحها هي موضع القدسية بما يتجاوز حرية التعبير.

لا صلاحية تلقائية لأحد أن يلزم من يحاوره أو من يخاصمه بأن ينصاع لمفاهيمه حول القدسية. هو الدين في المجتمعات الإسلامية، وهي خطوات تصحيح الخطايا التاريخية في المجتمعات الغربية. المطالبات التي تتقدم بها الجهات الإسلامية بأن تلتزم المجتمعات الغربية القناعة الإسلامية بأن القدسية واجبة للدين تبدو خارج السياق عند الحد الأدنى، بل ينظر إليها على أنها تطفّل ومحاولة تكميم حريات وممارسات حققتها المجتمعات الغربية بعد طول نظر وسجال. ولا يغيب عن المتابع الغربي للمطالبات الإسلامية أن دعوته للقدسية تقتصر على الدين الإسلامي وحسب، حيث الأديان الأخرى مستباحة نقداً وطعناً في العديد من الدول الإسلامية، دون اعتراض من جانب من يطالب بإحاطة الإسلام بالقدسية في الغرب.

الأصحّ أنه لكل طرف أن يدعو الآخر إلى تفهّم منطلقاته وأن يتوقع منه المحافظة الطوعية على اللياقة، بالإجمال. قد يصيب هذا التوقع، أو قد يخطئ ولا سيما إذا كان في التفصيل ثمة من يتعمد الفعل لتسجيل النقاط، للاستفزاز، للتحدي. ما ليس مناسباً، على أي حال، هو الاتهام بالنفاق من خلال تأطير المسألة بأنها قضية حرية تعبير. وحيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، لا بد إسلامياً من البحث عن السبيل لتصدق مقولة انسجام الدين مع حرية التعبير. والدليل السريع على التحقق العتيد لهذا الأمر قد يكون في النجاح في تفكيك خبر عصماء بنت مروان، وصولاً إلى الإقرار، دون تبرير ودون اعتذار ودون طي ولي للحجج والمنطق، بأنها، سواء كان خبرها التاريخي وقائعياً أو رمزياً، وبغضّ النظر عن مضمون أشعارها، قُتلت في تجاوز قبيح لحرية التعبير.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).