Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تاريخ الفن الشعبي المغربي محط خلاف
تاريخ الفن الشعبي المغربي محط خلاف

عبد الرحيم التوراني

فجأة، تحول اهتمام جمهور الفيس بوك في المغرب، خلال شهر رمضان هذا العام، من شكوى الغلاء وارتفاع الأسعار، وانتقاد سياسة حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، إلى لغط وصخب حول بعض الأعمال الدرامية التي تبثها حاليا قنوات التلفزيون المغربي، أولها مسلسل "فتح الأندلس" (على القناة الأولى)، الذي نال الكثير من الانتقادات ركزت على أصل الفاتح طارق بن زياد، أهو عربي كما يقدمه المسلسل، أم أمازيغي أصيل؟  

لوحظ أن بعض الفيسبوكيين، وبتعصب عرقي مبالغ فيه، ذهبوا إلى أن طارق بن زياد أمازيغي النسب. هكذا من دون الإدلاء بحقائق تاريخية دامغة، أقلها ما يتصل على سبيل المثال، باسم هذه الشخصية التاريخية، واسم والده، وهما اسمان عربيان، إذا كيف يحدث قبل وصول العرب بسنوات معدودة إلى أرض المغرب، أن يقدم جده البربري على تسمية ابنه باسم عربي، أي "زياد"؟ وكيف سمى هذا الابن ولده باسم "طارق"؟ وهما معا من الأسماء العربية الخالصة. كما أشار إلى ذلك الباحث اللساني الأستاذ أحمد العلوي. معلقا: إن"الأمر واضح، ولكن الأهواء المريضة لا ضابط لها". هكذا اختلط الحابل بالنابل، وأصبح الجميع يجرؤون على تقديم انتقادات حول "وجود أخطاء تاريخية في المسلسل"! 

لم تخمد بعد "الزوبعة" المتصلة بـ "الأصل الأمازيغي" لفاتح الأندلس، حتى انطلقت موجة موازية من الانتقادات، عمَّتْ وسائل التواصل الاجتماعي، للرد والهجوم على داعية إسلامي، انتقد بحدة مضمون مسلسل تلفزيوني آخر يبث على القناة الثانية بعنوان: "المكتوب"، تتناول قصته موضوع "الشيخات" (راقصات ومغنيات شعبيات). فتوزع الناس بين مدافع عن "الشيخات"، وبين داعم لرأي الشيخ. 

اعتبر الشيخ ياسين العمري، كما هو مسجل على قناة اليوتيوب، أن مسلسل "المكتوب" يحرض على "الانحلال الخلقي والتطبيع مع المنكر"، عندما يقدم الشيخة باعتبارها "قدوة للمجتمع"، مما يعطي صورة خاطئة عن المجتمع المغربي المحافظ والمتدين.  

 أما المختلفون مع الداعية، فرأوا في كلامه تهجما على الفن والتراث المغربي. بل إن البعض منهم تمادى أكثر، ليصف المغنية "الشيخة" بـ"المناضلة والوطنية والشهيدة". وأن الشيخات "لعبن أدواراً مهمة في تاريخ البلاد، تعدت نطاق الفن والفرجة"، مبرهنين على أقوالهم بكلمات تنسب لشيخة تدعى "خربوشة"، غنتها ضد أحد حكام الفترة الاستعمارية (القايد بن عيسى)، ويقال إنها كانت من محظياته، قبل أن يهينها وتتمرد هي عليه. 

إلا أن أغلب ما وصلنا من تراث غناء "الشيخات" يدخل في باب الخمريات والقصف والمجون، وما يخالف هذا المجال ليس مؤكدا وغير مدقق، أو يدخل في نطاق الندرة. كما أن لا شيء يذكر عن أغانٍ غنتها "الشيخات" وكان لها دور في إلهاب الشعور الشعبي والوطني للمغاربة، وأدت إلى استثارة هممهم من أجل الحرية والاستقلال. 

*** 
في مستهل العقد الثاني من الألفية الجديدة، لما كان الصديق المخرج شفيق السحيمي يحضر لإعداد مسلسله الشهير "شوك السدرة"، وتدور أحداثه في زمن الاستعمار الفرنسي، استدعاني لأحضر إلى جانبه لقاء خاصا مع المغني الشعبي عبد الله البيضاوي، (قتل لاحقا على يد خليله). سأل السحيمي المغني الشعبي هل تطرق غناء "العيطة" الذي تؤديه الشيخات، إلى موضوع المقاومة والكفاح ضد الفرنسيين؟ 

من دون أدنى تردد وبيقين تام، أجاب عبد الله البيضاوي:  

- هل لديكم شكوك في هذا؟.. إن "العيطة" كلها مقاومة... 

 ثم طلب منه السحيمي الإتيان بنماذج إن كان يحفظها وذكر أصحابها. فارتجل البيضاوي بعض الكلمات غير المضبوطة، لم أعد أتذكر منها سوى التالية: 

 - (وسِرْ يا ابن عَرَفَة.. يا لحية العزَّافة.. دابا تضربك تلافة...). 

كلمات مناهضة للسلطان محمد بن عرفة، الذي نصبه الاستعمار الفرنسي عام 1953، بديلا عن ابن عمه السلطان محمد ين يوسف (الملك محمد الخامس).  

ثم وعد المغني عبد الله البيضاوي بتوفير النصوص التي طلبها منه المخرج شفيق السحيمي في وقت لاحق. لكن ذلك لم يحصل. ما دفع السحيمي إلى أن يكتب هو بنفسه نصوصا زجلية أداها بأسلوب غناء "العيطة" المغني الشعبي مصطفى بوركون.   

بعد لقائنا مع المغني الشعبي عبد الله البيضاوي، تبادلت مع شفيق السحيمي الحديث. وتأكدنا أن عبد الله البيضاوي لفق ما حكاه لنا من كلام. فلا وجود لأي "شيخة" أو "شيخ" تجرأ وغنى مثل تلك الكلمات في عهد البطش الاستعماري، خصوصا إذا علمنا أن "العيطة" فن ازدهر ونما فوق كرم موائد الإقطاع الموالي للاستعمار. فلم يكن بإمكان الطبقات الدنيا الاستمتاع برقص وغناء "الشيخات"، لأنه كان فنا موجها لتسلية وإمتاع طبقة الأغنياء، من الأعيان والإقطاعيين وأصحاب السلطة وذوي النفوذ، وفي مقدمتهم "القياد" والباشوات، الذين كانت تعينهم وتفرضهم سلطات الإقامة العامة الفرنسية. وظل غناء "العيطة" المصحوب بالرقص الشعبي، إنتاجا خالصا من إنتاج المنتمين لأدنى الفئات الاقتصادية والاجتماعية. 

كانت الشيخة امرأة متمردة على مجتمعها. تتوق للتعبيرعن ذاتها، والسعي لمواجهة قدرها من أجل تغيير واقعها تحقيق أحلامها، من خلال استعراض موهبتها الفطرية ومفاتنها الجسدية.  

وأغلب الشيخات هن نساء أميات، هاربات من قسوة الأب أو الإخوة الذكور، أو من قهر العنف الأسري للزوج. وفي هروبهن كن يعشن جماعة مع "شيخات" أخريات، يقوم بتأمين أمورهن رجل "شيخ"، عازف آلة الكمنجة أو صاحب "التعريجة" أو ناقر "البندير". هو من يجري الاتصال به من أجل جلبهن لإحياء الحفلات الخاصة والأعراس. كما كان ممنوعا على النساء  حضور حفلات تنشطها "الشيخات". وجميع "الشيخات" يعتبرن مهنتن قدرا وابتلاء كتب عليهن، من هنا عنوان المسلسل المعني (المكتوب). 

ويمكن الاستدلال على هذا بقصة المغنية الشعبية حادة أوعكي، وقصة المغنية نجاة اعتابو وأخريات، وهروب كل واحدة منهن من بيت العائلة، (الفيديوهات متوفرة على اليوتيوب لمن يرغب)... 

*** 
الشيخات كن دائما يستدعين لتنشيط الحفلات الرسمية، على رأسها حفلات عيد العرش، أو ذكرى ميلاد الملك التي يطلق عليها "عيد الشباب"، وتسهر على تنظيمها الجهات والمصالح الإدارية الرسمية. وتحضر فرق "الشيخات" أيضا في بعض الحملات الانتخابية الخاصة بمرشحين من أعيان دوائر المناطق القروية. وبعدما كان غناء "الشيخات" مديحا لقياد الاستعمار، تحول بعد الاستقلال إلى مدح للملك.. حيث تنتهي أغانيهن عادة بـ (والله ينصر سيدنا مولاي الحسن...). كما كان الجنرال محمد أوفقير والجنرال أحمد الدليمي، (الاثنان تورطا على التوالي في محاولات قلب النظام الملكي)، من المواظبين على إحياء حفلات خاصة بـرقص "الشيخات". 

ولأن أعراس الناس العاديين هي صورة مقتبسة عن أعراس وحفلات الحكام وطبقات الأغنياء، فقد أصبحت "الشيخات" ينشطن أيضا الأعراس الشعبية. 

ولم يحدث أن تمت دعوة "الشيخات" إلى حفلات أو تجمعات رعتها منظمات وهيئات اليسار وجهات المعارضة مثلا.. إذا كان الكلام يستقيم عن "نضالية" الشيخات وفنهم "الملتزم".  

كما أن كلمة "الشيخة" اعتبرت دائما لفظة قدحية ونابية، خصوصا إذا ما وجهت لشخص ما كشتيمة، بالقول: "يا ولد أو يا ابنة الشيخة". وليس هناك أحد ممن انبروا اليوم للدفاع عن "الشيخات"، يتمنى أن تصبح ابنته أو أخته أو قريبته "شيخة". لأن مكانتها الاجتماعية أكثر من دونية، ولأن نظرة المجتمع لا تفصل بين الشيخة والراقصة والعاهرة.  

ورغم ما تحظى به "الشيخة" من حفاوة واهتمام أثناء تنشيطها للحفلات والأعراس، فما تلبث حتى تجد نفسها أعيدت إلى الهامش منبوذة بعد لحظات الفرح التي أشاعتها بين الناس، حيث " يدير المجتمع ظهره لها بسرعة بعد انقضاء حاجته منها"، كما يؤكد الباحث حسن بحراوي.  

ويمكن القول أنه في العقود الأخيرة أعيد لـ "الشيخات" بعض الاعتبار، وتزايد الاهتمام بفن "العيطة" كموروث غنائي شعبي، من لدن عدد من الباحثين والدارسين. من بينهم رئيس اتحاد كتاب المغرب السابق، الشاعر حسن نجمي الذي كرس موضوع أطروحته لنيل الدكتوراه لموضوع "العيطة"، (نشرت لاحقا في جزءين). فإن رقص "الشيخات" لم يرق إلى ما لقيه الرقص الشرقيّ من عناية المثقفين، ونكتفي هنا بالدراسة التي خصها مثقف كبير من قامة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد للراقصة المصرية تحية كاريوكا في بحث شهير له. 

إلا أن موقف المفكر المغربي عبد الله العروي مختلف تماما، حيث يعتبر الثقافة الشعبية التي يسميها الفولكلور (وضمنها طبعا غناء "العيطة")، خالية من أية قيمة ثقافية وتعبيرية. رغم استدراكه بعدم معاداته للثقافة الفولكلورية ولا الأدب الشعبي، بقوله: "لا أعارض التأليف باللهجة العامية، أيا كانت، ولا البحث في أبنيتها، لكني أرفض أن أتصرّف وكأنّنا أمة أمية".   

*** 
في سنة 2016، أقدمت مجموعة شباب من مدينة الدار البيضاء، وفي إطار "تكريم" النساء الشيخات، و"التعاطف معهن" كما صرحوا، على تأسيس فرقة استعراضية سموها "كباريه الشيخات". بعد تجربة بأحد مطاعم العاصمة الاقتصادية للبلاد، وقفوا على خشبة إحدى دورات مهرجان "بولفار" في الدار البيضاء، وعلى وجوههم مكياج نسائي وأحمر الشفاه، رغم أنهم ملتحون، وظهروا مرتدين قفاطين وإكسيسورات نسائية، وهم يؤدون أغاني من تراث "العيطة"، في مشهد مسرحي فالت، مليء بالغرابة القصوى ومثير للسخرية، يبعث على الضحك قبل أي شيء آخر.  

وإن لقيت فكرة "كباريه الشيخات" بعض الاستحسان والتشجيع، فإنها قوبلت بكثير من الامتعاض أيضا من آخرين، تعاملوا مع أفراد فرقة "كباريه الشيخات" "المتشبهين بالنساء"، كشاذين، وصنفوهم في خانة مثليي الجنس.  

*** 
لا ريب أن عددا كبيرا ممن انساقوا في ركاب الحملة الهجومية ضد الداعية الإسلامي ياسين العمري، فعلوا ذلك لأنهم رأوها مناسبة سانحة لإعلاء راية الحداثة، يمكن استغلالها للنيل من الظلاميين والإخونجية. بالقدر الذي وجد فيه الداعية موضوع المسلسل فرصة سانحة للبروز على السطح، والهجوم على مجتمع يخاصمه الشيخ ويرفضه، لأنه "مبتعد عن أصول الدين" في نظره. 

*** 
ولا يسعنا هنا إلا القول إن من يسهر على تحريك الخيوط من خلف الستار في الكواليس، نجح في إشغال بعض المغاربة من أهل الفيس بوك، وإلهائهم عن حقائق الأمور المتصلة بواقعهم الصعب والمرير، فانصاع بعضهم بسهولة، وعن غير وعي، في لعبة التغطية على مآل الملايير المهدورة من المال العمومي على إنتاجات ضحلة دون المستوى، لا تساهم إلا في نشر التردي والتضليل والتخلف.  

أما غالبية الناس، فهم يكابدون قدرهم "المكتوب"، ويحترقون يوميا بنيران الغلاء وبلهيب الأسعار..

كل هذا في ظل وضعٍ مأزوم وقاسٍ تشهده الحريات العامة بالبلاد، إذ يسجل المغرب تراجعا مريعا في قضايا حقوق الإنسان. كما تشهد على ذلك المنظمات الحقوقية الدولية.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).