Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"الشعب الأميركي هو الشعب الوحيد في العالم الذي عرف التاريخ لغويا كرديف للاشيء"
"الشعب الأميركي هو الشعب الوحيد في العالم الذي عرف التاريخ لغويا كرديف للاشيء"

مالك العثامنة

استيقظ الأميركيون صباح الحادي عشر من سبتمبر ليجدوا أن الأطلسي نفسه قد اختفى فجأة.

تلك عبارة قالها لنا - مجموعة من الإعلاميين العرب- في واشنطن سيناتور أميركي قضى سنوات من عمره سفيرا في دول عربية.

كانت عبارته تلك لافتة ومحفزة لي لأنتهي بعدها وعلى فترات في جولة "فهم مكثف" داخل الولايات المتحدة للحصول على مفاتيح أقفال العقل السياسي الأميركي، ومن "جوف الآلة"، كما وصفها الباحث العربي الكبير حليم بركات، بدأت رحلة بحث مطلع الألفية.

ومن بين ما رسخ في ذاكرتي من أحداث ذلك اللقاء مع مسؤول طاقة في هيوستن بولاية تكساس، حين قال لي ما معناه إنه من العبث وكثير من مضيعة الوقت توجه السياسيين إلى واشنطن والبيت الأبيض يحملون مطالبهم السياسية.

ثم أردف مفسرا: الأجدى أن يتوجه هؤلاء إلى مكامن القوة في جماعات الضغط التي تؤثر على ساكن البيت الأبيض، عليهم أن يتوجهوا إلى هيوستن مثلا إذا كان لديهم ما يقنعنا في ملف الطاقة والنفط.

هذا الحديث بذات الفحوى والمعنى كان أيضا ما سمعته من السياسي الأميركي الراحل زبغنيو بريجنسكي، حين انتبهت مصادفة عام ٢٠٠٣ أنه يترأس ما تم تسميته "اللجنة الأميركية للسلام في الشيشان - ACPC"  وكان معظم اللجنة مكونا من أعضاء مجالس إدارات شركات عملاقة وضخمة! 

بريجنسكي حينها قال لي إنه وفي حال تصادف أن التقيت بقيادات شيشانية تطالب بالاستقلال عن روسيا، فإنه يوجه نصيحة لهم أن يحملوا مطالبهم إلى مكتب اللجنة في واشنطن، وهم سيدرسون المطالب "والمصالح" ويضغطون على الإدارة لغايات تحقيقها.

تلك دروس تعلمتها، ولا أزال أتعلم، في علوم العلاقات الدولية من ضفاف الصحافة التي أمتهنها، تخللها قراءات كثيرة بما تيسر لي من كتب مفيدة، جعلتني أصل إلى قناعات واجتهادات في فهم العقل السياسي لواشنطن وذلك العالم الجديد خلف الأطلسي الذي اختفى فجأة عام ٢٠٠١.

التركيبة الأساسية للولايات المتحدة الأميركية مختلفة عن غيرها من الدول، وهي تركيبة يمكن اعتبارها صنيعة ذاتها، وخلطة ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، ابتكرها المستوطنون الأوائل حين وطئت أقدامهم شواطئ الساحل الشرقي للقارة، وتبلورت الصيغة الاجتماعية بعد ذلك وبتسارع من خلال الصراع مع الطبيعة والتوسع نحو الغرب الأميركي.

كل مدينة أميركية ناشئة كانت تصطبغ بالصبغة الثقافية لقاطنيها، إما إيرلنديون، أو أسكتلنديون، أو جرمان .. إلخ، لكن قساوة العيش في قارة لا محدودة في الجغرافيا والموارد والطبيعة والمخاطر، أفرزت الحاجة لقوانين خاصة اتفق عليها ضمنا لتسهيل العيش، وكانت طلقة المسدس هي أول قانون استنه المستوطنون الأوائل لتنظيم أمورهم!

فقوانين أوروبا الاجتماعية مرفوضة ما دامت أوروبا لفظت أغلبهم، وثقافة أوروبا السياسية غير مقبولة ما دامت هذه الثقافة هي التي قذفتهم خلف المحيط، وعليه كان لا بد من قانون قوة يحكم مصالحهم، وثقافة تسلط تنظم أمورهم، ومن هنا يمكن تمييز الأميركي عن الأوروبي بسهولة بعد خمس دقائق من الحديث معه أو مراقبة سلوكه في مقهى!! 

حتى الدولة، ككيان، كان لها تركيبتها الفريدة والمتميزة عن أي دولة في العالم المعاصر والقديم معا، فالمؤسسون الأوائل، حين فكروا في كينونة الدولة، كانت فلسفة المنفعة الاقتصادية هي جوهر هذا الكيان، ومن هنا أيضا فأميركا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمي الحكومة بها إدارة، وكل وزير فيها سكرتير في هذه الإدارة، والانتخابات تمول بقوانين تنظم التمويل، ومفهوم المواطنة مختلف، فالمواطن معناه دافع ضرائب، بمعنى أن أميركا أشبه بشركة عملاقة ضخمة، مواطنوها يدفعون ثمن المساهمة في مواطنتهم، ويديرها مجلس إدارة يهتم بالمصالح، والمصلحة في النهاية للأقوى! 

التاريخ، بكل معانيه سواء بمعناه الكلاسيكي كتتابع اعتباطي للأحداث، أو بمعناه الهيغلي الفلسفي، غير مهم في الثقافة الأميركية الدارجة، فكل شيء يبدأ الآن وينتهي الآن، حتى في اللغة، فإن الشعب الأميركي هو الشعب الوحيد في العالم الذي عرف التاريخ لغويا كرديف للاشيء، فحين يهدد أميركي غيره يقول له: إنك صرت تاريخا (you are history)! 

البطولات والأبطال التاريخيون دوما مقرونون بالبطش والدم، وأغلب الأحيان خارجون عن القانون، ففي الثقافة الشعبية الأميركية هناك تقدير لأشخاص مثل بيلي ذا كيد، الذي كان قاتلا وحشيا متميزا، وبفلو بيل، وهو سارق مواشٍ ماهر ثم استثمر شهرته ليعمل في السيرك، وريل ماككوي، وكل بطولته تتمحور حول قبضته التي تصرع رجلا بضربة واحدة.

ولندرة الأبطال التاريخيين، كانت هوليوود مصنعا لأبطال من نوع آخر، وحسب الذائقة الأميركية، هم إما من الخارجين عن القانون، أو مدمرين متمردين عليه.

المأساة، أن هذه "الثقافة!" بكل مكوناتها هي التي تتسيد العالم الآن، وهذه الثقافة هي التي ترى في نفسها بديلا عن دكتاتوريات العالم الثالث في نفس هذا العالم الثالث وعبر وسطاء تجاريين ووكلاء غير حصريين!

وعودا على بدء، ولأن أميركا شركة مساهمة غير محدودة، أتساءل إن كنا فكرنا في المساهمة في الاكتتاب المفتوح في هذا البازار الأميركي العولمي؟! وهي ربما الوسيلة الوحيدة في السياسة الأميركية التي تتيح لحامل الأسهم أن يشارك في صنع القرار، وترتيب المصالح.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة
مسلمون يؤدون مناسك الحج في مكة المكرمة

د. توفيق حميد

يتسابق الملايين لأداء الحج والعمرة كل عام. وتعمدت في هذا المقال ألا أستخدم تعبير "فريضة الحج" لأن الحج ليس فريضة على جميع المسلمين وإنما على القادرين منهم فقط الذين يستطيعون تحمل نفقاته كما قال تعالى" وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (سورة آل عمران آية 97). 

وتصل نفقات الحج في دولة مثل مصر إلى أكثر من مئة ألف جنيه للشخص الواحد، وهي معرضة للزيادة خاصة بعد ارتفاع الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة أمام الجنيه المصري.

ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لإدراك كم طفل مريض يمكن إنقاذ حياته وكم أسرة يمكن حمايتها من الإنهيار وكم إنسان جائع يمكن إطعامه بثمن حجة واحدة!

وأستطيع أن أتفهم أن يحج الإنسان إلى بيت الله الحرام مرة واحدة إن كان قادراً، ولكني لا أستطيع أن أتفهم تكرار الحج، وبخاصة الحج السياحي وأداء العمرة كل عام، وأداء الحج عن الغير بالرغم من وضوح القرآن التام أن الإنسان لا يجني إلا ثمار عمله هو كما  قال القرآن الكريم " وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ" (سورة النجم آية 39). والعجيب في الأمر أن القرآن الكريم استخدم تعبير "سعى"، وهو نفس التعبير الذي يستخدمه الناس لوصف أحد طقوس الحج وهو " السعي بين الصفا والمروة"!

وهناك العديد من النقاط التي توضح أن أمورا مثل إطعام جائع أو إنقاذ إنسان هي أفضل عند الله تعالى من تكرار الحج والإسراف فيه. ومن هذه النقاط ما يلي:

أولاً: جعل الله تعال الحج "مثابة للناس وأمنا" فهل إنفاق مئات الآلاف من الجنيهات على الحج  بدلاً من إنفاقها على المحتاجين والضعفاء فيه أي مثابة للناس؟ 

ثانياً: ذكر القرآن الكريم الحج مرات محدودة فقط يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة، وعلى العكس تماماً من هذا، فقد ذكر القرآن الكريم الإنفاق على المحتاجين وإطعام الفقراء عشرات المرات، وبالعديد من التعبيرات اللغوية، مثل :" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون ( أي الذين لا ينفقون في سياق الآية) هم الظالمون." (البقرة 254)....  ومثل " مَّثَلُ ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِی كُلِّ سُنۢبُلَةࣲ مِّا۟ئَةُ حَبَّةࣲۗ وَٱللَّهُ یُضَـٰعِفُ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَ ٰ⁠سِعٌ عَلِیمٌ" (البقرة 261)...  ومثل  "ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا یُتۡبِعُونَ مَاۤ أَنفَقُوا۟ مَنࣰّا وَلَاۤ أَذࣰى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ"  (البقرة  162).

فهل لو كان الحج أهم عند الله تعالى من الإنفاق وإطعام الجوعى كان ذكره مرات محدودة فقط، وعلى العكس تماماً ذكر الإنفاق على المحتاجين عشرات - إن لم يكن المئات - من المرات!  

ثالثاُ: حينما ذكر القرآن يوم القيامة لم يذكر ولو لمرة واحدة الحج، ولم يعاتب الناس على عدم أدائه، ولكن القرآن الكريم على العكس تماما، ربط بين دخول الجنة والنجاة من النار، وبين الإنفاق على المحتاجين، وإطعام اليتامى فقال جل وعلا مايلي...

"فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ… فَكُّ رَقَبَةٍ… أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ… أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ… ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ… أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (أي أهل الجنة) (سورة البلد 11 ـ 18) ".

وقال صراحة " لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ " ولم يقل "حتى تحجون"!

وحين عاتب الخالق سبحانه وتعالى الناس يوم الدين، عاتبهم على عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين، ولم يعاتبهم على عدم أداء الحج والعمرة فقال في محكم آيات  الذكر الحكيم في سورة النجم مايلي....

" كلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ   وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ   وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا   وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا   كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا   وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ " (سورة النجم آية 17-23).

وحينها سيتذكر الكثيرون أن إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين لم يكن أهم أولوياتهم الدينية!

وأضيق لهذا السياق تعريف القرآن لمن يكذب بالدين " أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ  وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ" (سورة الماعون آية 1-3) فالمكذب بالدين هو من يقسو على اليتيم ولا يحض على طعام المسكين وليس من لا "يحج"!  

رابعاً: ذكر الله تعالى الإنفاق باستخدام فعل الأمر كما قال " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ"، ولم يذكر الحج بنفس القوة اللغوية أو استخدام فعل الأمر بصورة صريحة كما ذكر في الإنفاق.

وكل ماسبق يطرح نقاطا تحتاج إلى تفكير في الأولويات الدينية، وهل الحج أهم عند الله تعالى من إكرام اليتيم، ومن الرحمة بالفقير ومن إطعام المسكين - خاصة في ظل مناخ اقتصادي قاتم تسبب في إفقار الكثيرين في الآونة الأخيرة! 

وللحديث بقية!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).