Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"مطلوب من الإنسان المسلم أن يحيا حذافير حياته بتفاصيل تشريعية دينية"
"مطلوب من الإنسان المسلم أن يحيا حذافير حياته بتفاصيل تشريعية دينية"

ابتهال الخطيب

غريبة هي علاقة الإنسان العربي بمؤسساته الحديثة، ذلك أنه لا يزال يتصرف مع مؤسسات القرن الحادي والعشرين بعقلية القرون الغابرة، القرون التي تسبق تشكيل المنظومات الحقوقية والمفاهيم الفردية والمبادئ الاستقلالية للفرد عن المجموعة وللمجموعة، في حكمها لذاتها، عن الأنظمة الشمولية الأبوية.

لا نزال نحيا بشعار عبد المأمور، بمفاهيم السمع والطاعة، بشعارات الأمان الزائفة للطاعة المطلقة لولي الأمر ولو عصى وفجر و"لرميها برأس عالم واطلع سالم"، بمعنى اتباع ما يقول "عالم الدين" والمشي الأعمى على خطاه وذلك لتحميله هو الذنب حال حاد أو أخطأ، فمن ليست له إرادة لا يتحمل ذنبا أو خطيئة.

وعليه نجد أن مؤسساتنا السياسية مبنية على مفهوم القيادة الأبوية (وهو أحد المفاهيم المعيقة لوجود النساء في المناصب القيادية) ذلك أنه ينظر لصاحب المنصب السياسي القيادي في الدولة ليس على أنه موظف يقدم خدمة تنظيمية للشعب، ولكن على أنه أب، قائد روحي، رمز مقدس يفرض على الآخرين احترامه وطاعته بحكم وجوده لا بحكم عمله.

نلاحظ مثلاً أن شعوب دول الخليج تطلق على قياداتها على مختلف تدرجاتها مصطلحات أبوية تشير إلى أنها تمثل سلطة عائلية كما سلطة سياسية، كما نلاحظ أن الكثير من الخطابات التعاطفية مع الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، قد انطلقت من منطلقات سنه الكبير ومقامه الرفيع وموقعه كأب للأسرة المصرية الكبيرة.

وهكذا تقدم بنا الزمن في شرقنا الأوسط المعتم، إلا أنه سحب معه ذيوله الفكرية الغابرة، حيث لم نستطع الانتقال بمؤسساتنا السياسية من تلك الأبوية الشمولية المطلقة إلى الديمقراطية التكنيكية المستندة على المفهوم الحديث لحكم الشعب لنفسه.

تنعكس صورة مؤسساتنا السياسية هذه على مؤسساتنا التعليمية، فنجد أن الفصل الدراسي في القرن الحادي والعشرين هو ذاته، مع بعض التحسينات الشكلية، للفصل الدراسي الغابر.

ما زال المدرس هو السلطة العليا، ولا زال تقديمه تلقيني مغلف بالحقائق المطلقة، وما زال الحوار مكبوتاً، مغصوباً في طريق أحادي الاتجاه، الأستاذ يقول والطلبة يوافقون، الأستاذ يملي والطلبة ينقلون حرفياً بلا مساحة للتفكير النقدي والحوار التساؤلي.

وما زالت الحركة ممنوعة في الصف الدراسي ليجلس الصغار في مواقعهم محرومين من حرية التجول والتحرك الطبيعي المناسب لأعمارهم، بل وما زال حتى شكل الفصل هو ذاته التقليدي، كراس وأدراج مرصوصة خلف بعضها البعض مذكرة بحافلة ضخمة متجة كلها قسرياً في اتجاه واحد عوضاً مثلاً عن دائرة مستديرة تضع الجميع فعلياً ونفسياً، بمن فيهم المعلم، في واجهة متقدمة موحدة.

ولربما نجد الانعكاس الأقوى للمؤسسة السياسية الشمولية عندنا على المؤسسة الدينية الشمولية والتي لا تزال تعمل من منطلق المنحى الفكري للقرن السابع الميلادي. لربما يجدر التساؤل هنا، هل هذا تأثير المؤسسة السياسية أبوية المنحى على الدينية من حيث ربطها بذات المفاهيم الشمولية أم هي المؤسسة الدينية التي أمعنت في ترسيخ شمولية المؤسسة السياسية ومنعها من السباحة مع تيار التطور الزمني؟

تبدو الدائرة مغلقة كدائرة البيضة والدجاجة، إلا أن المؤكد هو أن مؤسستنا الدينية هي أبلغ مؤسسات أبوية شمولية موجودة على الساحة العامة حالياً، ولربما أكثرها تناقضاً مع الزمن وأحياناً مع مفاهيمها العامة الرئيسية بحد ذاتها.

فعلى سبيل المثال، مطلوب من الإنسان المسلم، خصوصاً في عالمنا العربي، أن يحيا كل تفاصيل حياته من خلال دينه، فتفسير التشريع الإسلامي لم يترك شاردة أو واردة دون أن يتدخل فيها حد تفاصيل المأكل والمشرب وصولاً إلى دخول واستخدام الحمام وانتهاءً بتفاصيل الحياة الخاصة خلف الأبواب المغلقة، إلا أنه وفي نفس الوقت يضع أمام المسلم محاذير لا نهائية تجاه مناقشته أو مساءلته أو اعتراضه على تفاصيل هذا التشريع الديني أو على حيثيات التاريخ الإسلامي أو حول المفاهيم الفلسفية العامة للعقيدة.

مطلوب من الإنسان المسلم أن يحيا حذافير حياته بتفاصيل تشريعية دينية، أن يغلف عمره كاملاً بالقالب الديني ولا يحيد عنه، أن يأكل ويشرب ويعاشر ويتنفس وينظف نفسه ويكوّن أسرته ويعامل أبناءه ويشكّل مؤسساته السياسية ويصوت لمجلسه البرلماني ويختار حاكمه ويؤسس لاقتصاده ويفهم تاريخه ويقدس رموزه وغيرها من الكثير من مناحي الحياة طبقاً للشريعة الإسلامية.

إلا أنه غير مجاز مساءلة تفسيرات هذه الشريعة ولا مناقشة المفاهيم المطروحة عند التشكك أو الرفض لما قد يبدو له مناهضا للمنطق أو المفاهيم الحقوقية. المساحة في المؤسسة الدينية ضيقة جداً حد الاختناق، المتوفر منها هو للتنفيذ، لا للتدبر والتفكير.

لربما معظمنا مر بتجربة الحدود الحمراء الضيقة جداً، فمن جرب منا أن يدفع بهذه الحدود قليلاً أو يوسع منافذ بينها بعض الشيء لابد وأنه اصطدم بالحرامات والكفريات، حيث يرفع الكثير من "رجالات الدين" شعار حرمة التفكير في موضوع معين أو مساءلة رأي معين، مؤكدين على ضرورة تفادي التأمل في أفكار قد تؤدي للتشكك، ذلك أن الشك فردي، يميز الإنسان ويعطي بعداً مختلفاً لفكره، والفردانية والتميز والبعد المختلف كلها كلمات مرعبة لأيديولوجيا قائمة على اليقينيات القطعية والشمولية العبادية والالتزامات الجماعية.

لا مكان للفرد بتساؤلاته المنفرده في القالب الجمعي الشمولي الذي نحيا كلنا فيه قسراً في عالمنا العربي الإسلامي، ولذا، نحن لا نتحرك كثيراً، لربما لا نتحرك مطلقاً، إنما ندور في أضلع القالب الصفيحي المغلق علينا، لا أمام ولا خلف، لا ماض يمكن أن نفهمه حقيقة ولا مستقبلا يمكن أن نقيّمه بحرية، نحيا اللحظة كما هي موصوفة لنا، وإذا تعديناها لما بعدها، سرعان ما تعيدنا حرمة التساؤل إلى سابقتها.

لا أسئلة، ولذلك لا أجوبة، وعليه لا مكان نذهب إليه إلا لحظتنا العصابية المستمرة كأنها لعنة سيزيف الموعود بحمل صخرته من أسفل الجبل إلى أعلاه، لتعود متدحرجة نزولاً وليعود هو لعذاب حملها صعوداً من جديد. أي شيفرة سحرية يمكن لها أن تنقذنا، فترفع اللعنة وتفتح العلبة الصفيح؟

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).