Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

محكمة الأسرة في الرباط قضت برفض دعوى الزوج
محكمة الأسرة في الرباط قضت برفض دعوى الزوج

سناء العاجي

هي حكاية زوجة ترفض العلاقة الجنسية مع زوجها.  لا يتوفر لدينا ما يكفي من المعطيات لكي نعرف أسباب رفضها للعلاقة الحميمية.. لكن ما نعرفه أن زوجها، وبدل أن يحاول استرضاءها وإثارة رغبتها، قرر أن يرفع دعوى قضائية ضدها يطالب فيها المحكمة بإجبارها على العلاقة الجنسية بحكم قضائي..! 

هذه ليست نكتة ولا سيناريو لكاتب غير موهوب. الحكاية حقيقية ووقعت في الرباط صيف 2019! الحكم الصادر، لاحقا، عن محكمة الأسرة في الرباط قضى برفض دعوى الزوج وتحميله صائر القضية.  

في تعليلها للقرار، اعتبرت هيئة القضاء أن "المساكنة الشرعية هي في الوقت ذاته واجب وحق لكلا الزوجين، وهي إنما تدرك بالصفا لا بالجفا، لقول الرسول "لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول، قيل وما الرسول يا رسول الله، قال القبلة والكلام".

هيئة القضاء أضافت في تعليلها لرفض طلب الزوج أن "الشرع الحكيم لم يجعل من الباءة مجرد غريزة وقضاء عابر للوطر، بل قرنها بآداب المعاشرة التي يجب التقيد بها من طرف الزوجين عند صفاء الجو بينها؛ ولا يتصور قط احترام هذه الآداب متى وجد ما يكدر صفو الحميمية ويقوض انجذاب الشريك لشريكه؛ فالجرم أن تنفيذ المعاشرة الزوجية من طرف الزوجة جبرا بعد الحكم به عليها قضاء، يجافي مقاصد الشرع من الجماع المتمثلة في بعث السرور عند الزوجين معا توطيدا للعلاقة بينهما بما يكفل تكثير النسل والعفة عن الحرام".

الحركات الحقوقية والنسوية في المغرب استبشرت خيرا بهذا القرار القضائي واعتبرت أن هذا الاجتهاد القضائي يجعلنا نتوجه فعليا نحو التجريم القانوني للاغتصاب الزوجي، والذي لا يعترف به القانون المغربي حاليا.

لكن، خارج الاجتهاد القضائي وتعليل منطوق الحكم، دعونا نتأمل كل هذه التفاصيل من بابها الإنساني. 

كيف نستوعب أن هناك زوجا، في مكان ما بالقرب منا، يؤمن في قرارة نفسه أن العلاقة الجنسية هي إيلاج وقذف فقط! علاقة ميكانيكية يراها من "حقه" ويراها "واجبا" على زوجته. لا يهم ما الذي تشعر به تلك الزوجة، ولا رغبتها، ولا تجاوبها معه خلال العلاقة الجنسية..

كيف نستوعب أن هذا الزوج يؤمن، في قرارة نفسه، أنه يستطيع أن يجبرها، بقرار قضائي، على العلاقة الجنسية؟ ماذا مثلا لو وافقت المحكمة على طلبه؟ أي طعم لعلاقة جنسية يعيشها مع زوجته تحت طائلة "تنفيذ حكم قضائي"؟ أي تصور يملكه هذا الرجل للعلاقة الجنسية وللعلاقة مع زوجته؟ أي تصور يملكه لجسده ولرغبته؛ لجسدها ولرغبتها؛ للمتعة الجنسية؟  

المثير للأسف وللألم أن هذا الرجل يقتسم تصوراته الغريزية مع العشرات غيره؛ إذ أن الكثير من التعليقات على القرار القضائي كانت تذهب في نفس الاتجاه: لماذا تزوجها؟ لماذا أعطى صداقا؟ لماذا ينفق عليها؟ 

وكأن أصحاب هذه التعليقات يعتبرون أنه، مادام ينفق ومادام قد أعطى مهرا، فجسد زوجته ملك له. هل يتصور هذا الزوج وهؤلاء الذين يقتسمون نفس تصوره أنهم، في النهاية، يترجمون تصورا مقززا للعلاقة الزوجية؟ تصور لا يمكن اختزاله خارج هذه المعادلة: المال (المهر\الإنفاق\السكن) مقابل الجنس؟ 

والمفارقة أن هؤلاء أنفسهم يعتبرون كل مَطالب الحريات الفردية (والجنسية منها) دعوة للعهر والفساد. أي فساد وأي عهر أكثر من أن تعتبر أنك تدفع مهرا وتنفق في بيتك... مقابل الجنس، حتى لو كان بالإكراه!  

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

 

مواضيع ذات صلة

ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف
ناشطة نسوية في مظاهرة بإسبانيا- أرشيف

ابتهال الخطيب

كنت قد كتبت في المقال السابق حول موضوع تعامل الناشطات مع بعضهن البعض في مساحة الحراك النسوي العربي، وحول المشكلات التي نواجهها كنساء حقوقيات يعشن ويعملن ضمن منظومة ذكورية غاية في العنف والتطرف.

مقال اليوم يتعامل مع الموضوع الأكثر حساسية وتعقيداً ألا وهو أسلوب العمل النسوي والمقاومة النسوية الخارجيين، أي تجاه المجتمع ككل. فلقد أتت ردود أفعال قوية وغاضبة من الشابات الفاعلات على وسائل التواصل تجاه ما اعتقدنه دعوة للتهدئة في التعامل مع الواقع المجتمعي.

بالتأكيد، وكما ذكرت سابقاً، لا يمكن لإنسان عاقل، أو واقعي، مطالبة "صانعي" حراك إنساني له هذا التاريخ الدموي الطويل وهذا الواقع القمعي المستمر بأن يكونوا هادئين وحكيمين في خطابهم تجاه المؤسسة التي تقمعهم وتستبيح حيواتهم ودمائهم كل يوم.

كما وأن محاولة "ترشيح" أسلوب واحد للنضال هو ضرب من الخيال، ذلك أن أساليب الناس تتعدد بتعدد تجاربهم، طبائعهم، وطبيعة نفسياتهم. وعليه سيكون في الحراك النسوي، كما في أي حراك آخر، قطبين متطرفين ما بين مهادنة شديدة وتطرف أقصى بكل درجات المقاومة بينهما. فدوماً ما ستكون هناك المنظِّرات والحكيمات والفاعلات على أرض الواقع والعاملات من خلال القنوات القانونية والمؤثرات من خلال ملاعبة القنوات الذكورية بحد ذاتها والمناضلات الثوريات وصولاً إلى أشدهن قسوة تجاه وعداءاً ليس فقط للمؤسسة الذكورية، بل للرجال كبشر بحد ذاتهم، وهذا ما رآه الحراك النسوي على مدى قرون من الزمان في الواقع، وهو طبيعي في أي وكل حراك يقوم عليه البشر المضطهدين. 

ما أرمي إليه من خلال النقد هو ليس تحديد أسلوب للنضال النسوي يكون مفروضاً على نساء الحراك، فلا أنا ولا غيري يمكنهم ذلك أو لهم حق فيه، إنما أنا هنا أقيم التحرك النسائي العربي، والخليجي تحديداً والشاب في تحديد التحديد، خصوصاً في ظل مساحة "الحرية المتخفية" التي وفرتها مشكورة وسائل التواصل الاجتماعي. بالتأكيد، مثلما ليست كل النساء قادرات على المقاومة المباشرة أو الغاضبة أحياناً، ليست كلهن قادرات على تفهم التقييم أو حتى تقبله، فالمضطهدة المكلومة ستجد في عملية التقييم استخفاف بألمها وفوقية وطبقية لا تستشعر طبيعة حياتها الحقيقية على أرض الواقع. إلا أنه وعلى الرغم مما قد تستثيره المراجعات من غضب الفاعلات في القضية، إلا أن هذه المراجعات لربما هي الأهم اليوم على ساحة النضال. فبلا إعادة تقييم للعمل ومخرجاته، لن تكون هناك نتائج حقيقية مؤثرة. 

ما يفترض بنا تقييمه في الحراك النسوي في رأيي هو ليس مقدار الغضب المستخدم في التعبير، والذي باتت الناشطات تعتبره مؤشراً لقوة الحراك، فنحن لا نختلف على أنه مستحق بكثرته أو قلته، إنما التقييم يفترض أن يكون لما يقوله هذا الغضب وما يقدمه للقضية. تتبنى البعض من شابات الحراك النسوي اليوم، بما يكفي لتشكيل ظاهرة، نموذج البطل المعاصر المنتشرة نوعيته على تويتر ووسائل التواصل، هذا الذي يعتز ليس فقط بغضبه وقسوته ولكن كذلك بما هو أشد درجة، بالعنف اللغوي المتيسر استخدامه في ذلك المحيط، والذي لا بد من الإقرار بكونه، تحت الكثير من الظروف، أسلوب تعبير ومقاومة مشروع ومهم.

وعليه، على الرغم من أن أقصى درجات البذاءة، كما أقصى درجات اللباقة، كلها فاعلة في أي حراك، وكثيراً ما تكون الأولى أكثر فاعلية في الواقع من الثانية، إلا أن اعتماد الثانية كمنهجية سائدة ومفترضة ومتطلبة من الجميع هو الإشكالية الحقيقية، وهو، أي هذا القسر المنهجي، يشكل صورة من صور القمع الذكوري المسيطرة إلى حد ما على ساحة النضال النسوي. يذكرني واقع الحال هذا بالموجة الثانية من النضال الغربي النسوي، حين كان ينظر لكل امرأة تتزين أو تختار أن تكون ربة بيت أو تختار نمط تقليدي لحياتها مع شريكها على أنها خائنة للحراك النسوي وخارجة عن سياق النضال فيه. لقد كانت مثل هذه الأحكام المغلظة سبباً رئيسياً في الإنهاء السريع للموجة الثانية انتقالاً للثالثة الأكثر إنسانية، واقعية وفاعلية. 

لن يكون الحراك النسوي أقوى كلما ازداد الغضب فقط، وإنما كلما تقوَّى بفحوى يخدمه، فحوى له رسالة وهدف، وقادر على اجتذاب المجتمع للقضية لتحقيق القفزات المطلوبة فيها. أي فائدة لخطاب غاضب قوي لكنه مستمر بعشوائية بلا رسالة أو هدف؟ بالتأكيد سيروج للقضية إلى حين، سيجذب الأنظار، سيستحوذ على آذان الناس، سيتفاعل معه المجتمع تأثراً واستغراباً وأحياناً حتى استهجاناً، وهذا تأثير مطلوب في الواقع، ولكن ماذا بعد ذلك؟ كيف سينقذ الخطاب الغاضب القاسي وأحياناً العنيف امرأة ريفية مقهورة بظروفها المعيشية القاسية أو زوجة أو ابنة معنفة أو امرأة متحرش بها في مكان عام؟    

هذا ولابد من توقع أن يُقابل هذا الأسلوب القاسي في المقاومة نقدا شديدا في مواجهته، ذلك أن القسوة، ولو كانت مبررة، عصية على القبول عند العامة. بلا شك فإن طبيعة قضية المرأة، بتاريخها الطويل ودمويتها وضحاياها اللانهائيات منذ فجر البشرية ولحد اليوم تصد النقد بشكل كاف، تماماً كما يصده ويرده حقيقة أن القسوة والعنف اللفظي هما من آخر الخيارات المتاحة للنساء لإيصال الرسالة والاستحواذ على شيئ من الانتباه. فعلياً، هذه أسباب تكفي وتزيد لترد النقد، إلا أن تأثيرها لن يستمر على المدى البعيد كما وأنها لن تحرز الانتصارات المنشودة مع كل الحالات ونحن كل الظروف، خصوصاً إذا ما اصطبغ الحراك بلون سائد، مبتعداً عن التنظيم والتخطيط ومنصباً بظاهره الواضح للعيان على الانفعال اللغوي والتنفيس الكتابي. 

قبل أي وكل شيئ نحتاج للتعاضد النسائي، نحتاج لترتيب الصفوف والأفكار، ونحتاج لخلق مسار وصنع خطة، قدر الإمكان، عناداً مع ما تسمح به ظروفنا المتباينة وفرص تواصلنا الضعيفة. بالتأكيد ليس هذا العمل المرتب والممنهج مطلوب من الجميع ولن يكون ديدن الجميع. لا زلنا نحتاج للغضب والقسوة والصراخ، لربما سنحتاج الصراخ تحديداً دائماً في العمل الممنهج قبل العشوائي، وسيبقى غضب وانفعال الناشطات مدخر ثمين للقضية ووقود مهم لها بل ومتنفس حيوي لصاحبات القضية بحد ذاتهن، إلا أنه لا يفترض به أن يستفرد بساحة العمل وأن تُحيَّد من ترفضه أو لا تستطيعه. وإلى المزيد من القراءة في طبيعة العمل على الساحة العربية النسوية في المقال القادم.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).