Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"دعم "الفكر النقدي" داخل المناهج التعليمية ومن خلال برامج إعلامية وثقافية أهم خطوة لمواجهة التطرف"
"دعم "الفكر النقدي" داخل المناهج التعليمية ومن خلال برامج إعلامية وثقافية أهم خطوة لمواجهة التطرف"

د. توفيق حميد

جلست أرتشف فنجان قهوة ساخن صباح اليوم، وأنا أتابع تعليقات الناس في المجتمع العربي على مسلسلات رمضان هذا العام، والتي تطرقت للفكر الديني المتطرف ووضعته تحت المجهر من عدة زوايا.  

وتذكرت وأنا أتابع التعليقات، التي تراوحت بين مؤيد ومعارض، أول أيامي في الجماعة الإسلامية المصرية، وكنت وقتها طالبا في كلية الطب - جامعة القاهرة. 

وكانت الموضوعات والدراسات العلمية التي أدرسها في كلية الطب حينذاك سببا رئيسيا لاتجاهي ناحية الدين بصورة عامة والإسلام بصورة خاصة. فكنت أتأمل إبداع الخالق في خلق الإنسان والأعين والشفتين والجهاز العصبي والقلب النابض والرئتين، وأربط هذا بدعوة القرآن للتأمل في ملكوت السموات والأرض كما قال القرآن في محكم آياته "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (سورة آل عمران).  

وتنبه لاهتمامي بالدين وقتها قيادات الجماعة الإسلامية بكلية الطب، وتمت دعوتي للانضمام إليهم لنصرة الإسلام ولدعم الصحوة الإسلامية - كما يقولون! 

وبدأت لحظاتي الأولى في الانضمام إليهم بلقاء مع أمير الجماعة لسنة رابعة طب، وكان اسمه "مختار مختار". والتقيت بمختار أمام مبنى محاضرات "ا" (ألف) بالكلية وبدأنا أول خطوات للتحرك نحو مسجد الجماعة بالكلية للصلاة معهم والانضمام إليهم.  

ولم أزل أتذكر ماقاله لي "مختار مختار" حينذاك ونحن في بداية تحركنا نحو مسجدهم داخل الكلية. فقد قال لي بالحرف الواحد أن أهم شيء لابد أن أدركه لكي أكون عضوا جيدا بالجماعة الإسلامية أن "الفكر كفر"! 

ووسط ذهولي من الكلمة أعقبها بتوضيح وشرح لها، فقال لي أنني حينما أركب "حمارا" أو دابة للوصول إلى قصر السلطان أو في حالتنا "الإسلام" أو "الله" فهل أأخذ "حماري" (أو بمعنى آخر هنا "عقلي") معي للقاء السلطان أم أتركه خاج القصر وأدخل بدونه! وكانت إجابتي وقتها إنني في هذه الحالة لابد أن أدخل بدونه! أي بدون "عقلي"! 

وأعجبت إجابتي مختار فقد كانت أول وأهم خطوة في انضمامي إليهم هي إحباط الفكر النقدي في عقلي وقبولي لمبدأ الاتباع والقبول من دون تفكير!  

ولذا فأنا أرى من منظوري أن دعم "الفكر النقدي" داخل المناهج التعليمية ومن خلال برامج إعلامية وثقافية أهم خطوة لمواجهة التطرف - وهو المرحلة الأساسية التي تتسبب بعد ذلك في  حدوث الإرهاب.   

وتم التحاقي بالجماعة قبل الصلاة بمنتهى البساطة، فكان الأمر لا يحتاج وقتها إلا لإضافة الاسم في ورقة صغيرة لا أظن أنهم كانو يحتفظون بها! 

وبدأت الصلاة وتلقيت الدرس الثاني في لحظات اصطفاف المصلين لأداء الصلاة. فقد طلب منا الإمام يومها – وكان كما ذكرت أول يوم لي في الجماعة الإسلامية – أن نحاذي الأكتاف ثم نحاذي الأرجل حتى لا يكون هناك أي فراغ بيننا وقت الصلاة! وكان الأمر الأخير جديدا بالنسبة لي بالمقارنة بالمساجد العادية! وكنت متعجبا لأن الإمام استغرق قرابة 20 دقيقة لكي يتأكد أنه لا يوجد أي فراغات بين المصلين على الإطلاق! ولم أكن أعرف سبب اهتمامه الشديد بهذا الأمر حتى أوضحه قبل بدأ الصلاة بقوله "إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌ مَّرْصُوصٌ" (سورة الصف آية 4). أي أنه كان يريد أن نشعر أننا مصطفين كالجدار الواحد لمواجهة العدو! 

وفي هذه اللحظة شعرت بأنني لست في صلاة تبتل إلى الخالق بل في مواجهة جهادية حربية ضد من كنا نسميهم "أعداء الإسلام". وكان ألد أعدائنا في تلك الأيام - أي أواخر السبعبنيات من القرن االماضي - هم الغرب والعلمانيون وأنصار حقوق المرأة وحريتها! 

وللأسف اتبعت فكرهم لمدة عامين تقريبا قبل تركهم ورفض فكرهم بعد ذلك! 

وأتذكر هذه الأحداث لأنها توضح كيف أن هذه الجماعات تستغل النزعة الدينية النقية عند البعض لتوجيهها إلى العنف وإلى كراهية الآخر. فقد استطاعوا تحويلي من إنسان محب لله إلى كائن مملوء بالكراهية لكل من يخالفه في الفكر في بضعة أشهر فقط! 

وفهم طريقة عمل هذه الجماعات وأسلوبهم في "غسيل عقول" أتباعهم هو أمر ضروري لإعداد برامج متخصصة لحماية أبناء المجتمع من الوقوع ضحية لفكرهم المريض! 

وللحديث بقية..

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).