Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الكاتب المغربي الطاهر بن جلون (يسار الصف الأمامي) مع فرانسوا هولاند ومحمد السادس
الكاتب المغربي الطاهر بن جلون (يسار الصف الأمامي) مع فرانسوا هولاند ومحمد السادس

عبد الرحيم التوراني

عديدون هم الأدباء الذين تمردوا على "سلطة اللغة"، فهربوا إلى الفرشاة والألوان. ولأن "الرسم بالكلمات" لا يفي بالتعبير عما استعصى على اللغة المكتوبة، فلا مناص من البحث عما لا يتيحه "النص الكتابي". 

عربيا، نسوق أسماء أدباء زاوجوا ما بين الكتابة والرسم، في مقدمتهم جبران خليل جبران وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا ومظفر النواب وأدونيس وسليم بركات ومؤيد الراوي وصلاح فائق وعبد القادر الشاوي ومحمد خير الدين.  

كما نجد في المقابل رسامين جربوا كتابة الشعر والكتابة الأدبية، منهم في المغرب محمد القاسمي وعمر بوركبة وماحي بنبين.  

إن هؤلاء، وكثيرون غيرهم، سعوا إلى ردم الحدود الفاصلة بين الفنون والآداب، واعتبار الإبداع مساحة واحدة متداخلة. 

بهذه الكوكبة التحق أشهر الكتاب وأكثرهم حضورا، المغربي الطاهر بن جلون (78 سنة)، حيث يستعد "رواق 21" بالدار البيضاء لعرض آخر أعماله الفنية، في 10 ماي الحالي، تحت شعار: "لون الكلمات". 

لم يكن بنجلون بعيدا عن الفنون التشكيلية، إذ كتب نصوص "كتالوغات" خاصة بمعارض تشكيلين مختلفين، مثل فريد بلكاهية ومحمد شبعة وفؤاد بلامين والشعيبية طلال والجيلالي الغرباوي ومحمد القاسمي. كما كتب عن ماتيس، وجياكوميتي، وكلاوديو برافو، ميمو روتيلا. 

اشتهر الطاهر بن جلون كأستاذ فلسفة وروائي وكاتب مقالات باللغة الفرنسية. ويقول إن علاقته بالرسم قديمة، حتى قبل أن يكرس نفسه للكتابة، لكن مجيئه للرسم لم يحدث إلا في العقد الأخير، عندما منحه معهد العالم العربي بباريس سنة 2010 "تفويضًا مطلقًا" لتقديم إبداعاته في الرسم، لتوضع لوحاته بجانب أعمال تشكيليين كبار.  

يومها خرج بن جلون متحدثا عن معرضه بـأنه "كتابة خاصة عن آلام العالم". وأن "لوحاتي سعيدة وحيوية وملونة. كما هو الحال في كتبي، إنه ألم العالم، من خلال لوحاتي أحاول استعادة نور العالم". 

إلا أن لوحات بن جلون بألوانها الفاتحة تعبر أكثر عن فرحة، فلا دراما وراء رسوماته، بخلاف أعماله الأدبية المولودة من رحم المعاناة. 

يتدخل بن جلون ليوضح أنه "يخربش ويرسم دائمًا" لا أكثر. وبناءً على طلب أحد أصدقائه، بدأ يعمل على تلوين رسوماته المكبرة، ثم أخذ يدنو من القماش الأبيض، إلى أن أصبح الرسم وظيفة بالنسبة له مثل الكتابة. ثم اكتسب الثقة، وأصبح يسعد بمهاجمة القماش. 

*** 
لا شك أن أعماله التشكيلية حظيت باهتمام أكبر من كتاباته، من قبل أصحاب المجموعات الفنية والمؤسسات والمتاحف الكبرى العالمية. وإلى جانب أغنياء المغرب، نجد من بين أبرز مقتني لوحات بن جلون، الملك محمد السادس المعروف باهتمامه بالفن التشكيلي. وسبق للملك أن اشترى جميع لوحات معرض للفنان والكاتب الماحي بنبين، قبل عرضها على الجمهور.  

وهنا يسوقنا الحديث إلى تحول علاقة الطاهر بن جلون مع النظام المغربي، بعد أن كان في شبابه محسوبا على اليسار، ولا يزال البعض يصنفه مثقفا ملتزما، كتب عن المعتقل السري الرهيب "تازمامارت"، وعن سنوات الرصاص، التي كان في مرحلته الطلابية من ضحاياها، حينما اقتيد إلى معسكر تجنيد تأديبي.  

*** 
في 1987 كان الطاهر بن جلون أول عربي يفوز بأرفع جائزة أدبية فرنسية "الغونكور"، فتم استقباله من طرف الملك الحسن الثاني وتوشيحه بوسام ملكي. وبدأت عملية تعميده كأبرز كاتب فرنكفوني من أصل مغاربي، وكخبير ومحلل مرموق. وصارت الصحف والمجلات الكبرى تتهافت على نشر مقالاته، والقنوات الإذاعية والتلفزيونية تتسابق لاستضافته ليتحدث عن الإسلام والحركات الإرهابية وثورات الربيع العربي.  

لكن صاحب "ليلة القدر" وقع غير ما مرة في ما يسميه البعض بـ "التعالي" و"احتقار" المغاربة، وهو يدلي للفرنسيين بمعلومات خاطئة عنهم، ويطلق أحكام قيمة مغلوطة عن المغرب.  

وتجاوزت الانتقادات كتاباته إلى شخصه، فأطلق عليه البعض لقب "الكاتب الفلكلوري" ولاحقته صفات "الانتهازي"، وقيل أنه ليس مستغربا أن تلقى كتبه نجاحا واسعا، فقد خبر الرجل الذهنية الفرنكفونية، وأتقن حرفته من خلال تقديمه عوالم عجائيبة، تشفي غائلة الجمهور الفرنسي، بما يشتهونه من صندوق الخرافة والسحر والشعوذة.  

وفي مستهل الألفية الجديدة أتت الفضيحة كاملة، لما تناول الإعلام الفرنسي قصته مع خادمته، وقيل للناس إنه ليس ذاك المثقف التقدمي الذي يتمثلونه، فلم يتردد في استعباد امرأة قروية جاء بها كخادمة من بلده الأصلي، ولم يحفظ لها حقوقها كعاملة مهاجرة، هو الذي لا يتوقف عن الانتصار للعمال المهاجرين. 

*** 
ضمن هذا السياق، نسترجع مضمون تحقيق شهير نشر في سبتمبر 2000، أعده الصحفي الأميركي ستيفن سميث، الذي كان يعمل بصحيفة "ليبراسيون" الباريسية، هو من سيقترن لاحقا بمليكة أوفقير ابنة الجنرال الذي تمت تصفيته إثر محاولة انقلاب ضد النظام الملكي. 

جاء التحقيق تحت عنوان مثير: "الكاتب والخادمة والملك". ويمكن استعادته اليوم كسيناريو ناجح مقتبس من إحدى كتب بن جلون، حيث ختم سميث تحقيقه بسخرية لاذعة، قائلا إن قراء بن جلون، ينتظرون منه التكفير عن ذنبه بتأليف كتاب جديد، على منوال مؤلفه: "العنصرية كما شرحتها لابنتي"، وليكن عنوانه: "العبودية كما شرحتها لخادمتي". 

*** 
يبين التحقيق أن الخادمة الشابة (فاطنة. س) كانت تعمل بشكل غير قانوني، ولا تنال الحد الأدنى من الأجور، رغم كونها تعتني بأطفال بن جلون الأربعة، بما في ذلك ابن كان يبلغ من العمر ثماني سنوات ونصف مصاب بمتلازمة داون، وكانت تطبخ "بشكل جيد" أثناء سهرات العشاء التي يقيمها الكاتب بمنزله.  

ادعى الكاتب أنه يدفع لخادمتة ألفين درهم شهريًا، وقال: "في رأيي، لم يكن راتبًا، بل مساعدة". إن أسرة فاطنة فقيرة، "فقراء يعيشون في حفرة... وقد توفيت الأم من فترة قريبة بنوبة قلبية، أما والدها فسكير مدمن".  

بعد أن ساءت العلاقة بين الخادمة ومشغلها، طردها بحجة أنها تضرب أطفاله. ولطي الموضوع، اقتنى الكاتب تذكرة سفر من أجل عودة فاطنة إلى المغرب، لكنها رفضت.  

وعشية مغادرتها، تركت فاطنة رسالة وداع. بعد عبارة البسملة، كتبت بدارجة عربية متلعثمة: "وداعا وشكرا جزيلا، غادرتُ مع امرأة لا أعرفها.. ولا أعرف إلى أين"...  

يتحدث التحقيق الذي أنجزته لجنة مناهضة العبودية الحديثة، عن فاطنة: "لقد كانت مجرد دمية تم التلاعب بها"، "لقد رفضت أي تعاون"، "ما هو أكثر من ذلك، إن الكاتب يكذب أحيانًا، على سبيل المثال حول الرعاية الطبية، التي أكدت إنها حُرمت منها". تتذكر الخبيرة القانونية: "لقد أرادت فاطنة أن تحصل فقط على أوراق  الإقامة وأن تبقى في فرنسا، إن هذا كل ما يثير اهتمامها". ومع ذلك، ظل جواز سفر فاطنة في درج الطاهر بن جلون. الذي احتج قائلاً: "لم نحتجزه". 

بعدها تولت اللجنة مسؤولية فاطنة، وقامت بإيوائها مؤقتًا. واستنتجت أنها لم تكن "عبدة"، لكنها حُرمت من حقوقها كعاملة منزلية جلبتها عائلة بن جلون إلى فرنسا بتأشيرة سياحية. وحسب القانون، فإنه في حالة عدم وجود سوء معاملة، يقع النزاع ضمن اختصاص المحكمة الصناعية. 

 في 26 مايو، اقترح محامي اللجنة "اتفاقًا وديًا"، وهو دفع تعويض. لكن عائلة بن جلون اتهموا فاطنة بسرقة "الكثير من الأشياء" قبل مغادرتها، دون تحديد أي منها، وزعمت العائلة أنها قدمت شكوى في القضية. "قمنا بتمشيط حقائبها، التي بقيت مع اللجنة، لكننا لم نجد شيئًا ذا قيمة". 

 في 8 يونيو، تم تنظيم اجتماع توفيقي. أصيبت فاطنة بحالة هستيرية، لأنها لا تريد العودة إلى المغرب، ولا الرجوع إلى بن جلون. لدرجة أن أعضاء اللجنة فكروا في الاتصال بالأمن للتهدئة. عندها، وبحسب شهود عيان، على الفور اقترحت زوجة الطاهر بن جلون "توقيع إبراء ذمة". 

يشرح عضو من اللجنة: "لم نرغب في مواصلة الإصرار أو نشر القضية، لأن المشغل كان شخصية معروفة". 

اختفى المغربي "الطاهر" في باريس لمدة أسبوعين. بعدها صرح: "اتصل بنا أحدهم قائلا: الآن علينا أن ندفع". وبحسب ما ورد طُلب منه مبلغ 250 ألف فرنك فرنسي. عند الوصول، سيدفع أقل من ذلك بكثير.   

في يوليوز تمكنت امرأة من معارف فاطنة، من إعادتها بسيارتها إلى المغرب، ولما كان الكاتب في إجازة بطنجة، في منتصف أغسطس، التقت به المرأة بحضور والد فاطنة، حيث قدم الكاتب للأخير مبلغ 16 ألف درهم، وبذلك تمت التسوية التي وقعت عليها فاطنة، عندها قال مؤلف "أقصى درجات العزلة" (عزلة المهاجرين): "لقد كتبتْ فاطنة رسالة الشكر هذه دون إكراه". 

*** 
رد الكاتب، أن القضية هي مؤامرة مدبرة من أعداء شخصيين، ومن مجهولين في المغرب، يريدون "تشويه سمعته"، وربما حتى "تصفيته". 

 لكن من هم يا ترى هؤلاء الأعداء المجهولين والقتلة؟  

ألم يكتب بن جلون رواية مستوحاة من المعتقل السري "تازمامارت"، حيث حكم الحسن الثاني على انقلابيين بالموت البطيء؟ 

في الواقع، الوحيد الذي تورط بالحالتين (مشكلة الخادمة وكتاب تازمامات) هو نائب القنصل المغربي في باريس نجيب بنبين، الأخ غير الشقيق لعزيز بنبين أحد الناجين من تازمامارت، من تسرد فصول الرواية مأساته. لما أرسل الطاهر بن جلون إلى صديقه الديبلوماسي جواز سفر فاطنة، ليغطي نفسه ضد أي اتهام بالاختطاف. وقد رافق نجيب زوجة الكاتب إلى اللجنة، لإنهاء المشكلة بلا فضيحة. 

في الديوان الملكي بالرباط، ساد شعور بالغضب من "ثرثرة الطاهر التي انتشرت في كل مكان، من خلال نسب أزماته إلى المخابرات المغربية". كما يقر الكاتب بأنه في يوليو في طنجة، سأله الناطق الرسمي باسم البلاط، حسن أوريد، ببساطة عما إذا كان بإمكانه تأجيل نشر روايته "تلك العتمة المبهرة"، دون إصرار. كما يؤكد أن فؤاد علي الهمة، أقرب معاوني الملك، اتصل به هاتفيا للحصول على ضوء أخضر لا لبس فيه. قال له: "نحن مستعدون حتى لمساعدتك على نشره في المغرب". 

إذاً أين تكمن المشكلة؟  

بشكل أساسي كانت توجد برأس الطاهر بن جلون، الذي لم يعارض سلطات بلاده، ولم يقل أي كلمة عن استبداد الملك الحسن الثاني.  

في عام 1997 تم حظر برنامج بنجلون على إذاعة طنجة "ميدي 1"، لأنه تحدث عن قوانين الهجرة وعنصرية الجبهة الوطنية. فتم إنهاء تعاونه مع المحطة التي كان يديره الكورسيكي بيير كازالتا.  

ولكن، إذا كان قد أعلن على الهواء اسم "تازمامارت"، السجن السري الذي نددت به منذ بداية الثمانينيات صديقته كريستين دور، زوجة زعيم المنظمة الماركسية السرية "إلى الأمام" أبراهام السرفاتي، لكان قد مُنع من قضاء العطلات ومن الشرف في بلده الأصلي. ولهذا وبخ الناجون من جحيم الموت الكاتب، وفكر البعض في رفع دعوى قضائية ضد روايته، لاستغلاله لوقائع حياتهم المدمرة خلال 18 عامًا".  

لم يصمت الطاهر بن جلون: "إنهم يريدونني تمامًا أن أتوقف عن الكتابة والنشر والتواجد". 

*** 
بعد أكثر من عقدين على الواقعة، لا يزال الكاتب الكبير يكتب وينشر ومتواجدا بقوة، بل فتحت له أبواب الإشعاع ونوافذه، وشوهد إلى جانب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ثم خلفه الرئيس فرنسوا هولاند، أثناء استقبال كل منها للعاهل محمد السادس، ودخل مرات إلى القصر الملكي، وظل مرحبا به في قنوات تلفزيون المغرب، كما أنه ينشر بشكل دائم بموقع إلكتروني يملكه منير الماجدي سكرتير الملك الخاص. 

وها هو القصر يقتني اليوم أكثر من لوحة للرسام الطاهر بن جلون، الذي أعلن: "لقد بدأت الرسم لأجعل الناس ينسون الجزء المظلم من العالم الذي كنت أكتب عنه". 

 فهل يمكن اعتبار حكاية فاطنة جزءا من ذلك العالم، الذي لم يجرؤ قط على الكتابة عن ظلامه، وهل تستطيع ألوان الفرح في لوحاته تبديد "تلك العتمة المبهرة"؟! 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).