Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الكاتب المغربي الطاهر بن جلون (يسار الصف الأمامي) مع فرانسوا هولاند ومحمد السادس
الكاتب المغربي الطاهر بن جلون (يسار الصف الأمامي) مع فرانسوا هولاند ومحمد السادس

عبد الرحيم التوراني

عديدون هم الأدباء الذين تمردوا على "سلطة اللغة"، فهربوا إلى الفرشاة والألوان. ولأن "الرسم بالكلمات" لا يفي بالتعبير عما استعصى على اللغة المكتوبة، فلا مناص من البحث عما لا يتيحه "النص الكتابي". 

عربيا، نسوق أسماء أدباء زاوجوا ما بين الكتابة والرسم، في مقدمتهم جبران خليل جبران وغسان كنفاني وجبرا ابراهيم جبرا ومظفر النواب وأدونيس وسليم بركات ومؤيد الراوي وصلاح فائق وعبد القادر الشاوي ومحمد خير الدين.  

كما نجد في المقابل رسامين جربوا كتابة الشعر والكتابة الأدبية، منهم في المغرب محمد القاسمي وعمر بوركبة وماحي بنبين.  

إن هؤلاء، وكثيرون غيرهم، سعوا إلى ردم الحدود الفاصلة بين الفنون والآداب، واعتبار الإبداع مساحة واحدة متداخلة. 

بهذه الكوكبة التحق أشهر الكتاب وأكثرهم حضورا، المغربي الطاهر بن جلون (78 سنة)، حيث يستعد "رواق 21" بالدار البيضاء لعرض آخر أعماله الفنية، في 10 ماي الحالي، تحت شعار: "لون الكلمات". 

لم يكن بنجلون بعيدا عن الفنون التشكيلية، إذ كتب نصوص "كتالوغات" خاصة بمعارض تشكيلين مختلفين، مثل فريد بلكاهية ومحمد شبعة وفؤاد بلامين والشعيبية طلال والجيلالي الغرباوي ومحمد القاسمي. كما كتب عن ماتيس، وجياكوميتي، وكلاوديو برافو، ميمو روتيلا. 

اشتهر الطاهر بن جلون كأستاذ فلسفة وروائي وكاتب مقالات باللغة الفرنسية. ويقول إن علاقته بالرسم قديمة، حتى قبل أن يكرس نفسه للكتابة، لكن مجيئه للرسم لم يحدث إلا في العقد الأخير، عندما منحه معهد العالم العربي بباريس سنة 2010 "تفويضًا مطلقًا" لتقديم إبداعاته في الرسم، لتوضع لوحاته بجانب أعمال تشكيليين كبار.  

يومها خرج بن جلون متحدثا عن معرضه بـأنه "كتابة خاصة عن آلام العالم". وأن "لوحاتي سعيدة وحيوية وملونة. كما هو الحال في كتبي، إنه ألم العالم، من خلال لوحاتي أحاول استعادة نور العالم". 

إلا أن لوحات بن جلون بألوانها الفاتحة تعبر أكثر عن فرحة، فلا دراما وراء رسوماته، بخلاف أعماله الأدبية المولودة من رحم المعاناة. 

يتدخل بن جلون ليوضح أنه "يخربش ويرسم دائمًا" لا أكثر. وبناءً على طلب أحد أصدقائه، بدأ يعمل على تلوين رسوماته المكبرة، ثم أخذ يدنو من القماش الأبيض، إلى أن أصبح الرسم وظيفة بالنسبة له مثل الكتابة. ثم اكتسب الثقة، وأصبح يسعد بمهاجمة القماش. 

*** 
لا شك أن أعماله التشكيلية حظيت باهتمام أكبر من كتاباته، من قبل أصحاب المجموعات الفنية والمؤسسات والمتاحف الكبرى العالمية. وإلى جانب أغنياء المغرب، نجد من بين أبرز مقتني لوحات بن جلون، الملك محمد السادس المعروف باهتمامه بالفن التشكيلي. وسبق للملك أن اشترى جميع لوحات معرض للفنان والكاتب الماحي بنبين، قبل عرضها على الجمهور.  

وهنا يسوقنا الحديث إلى تحول علاقة الطاهر بن جلون مع النظام المغربي، بعد أن كان في شبابه محسوبا على اليسار، ولا يزال البعض يصنفه مثقفا ملتزما، كتب عن المعتقل السري الرهيب "تازمامارت"، وعن سنوات الرصاص، التي كان في مرحلته الطلابية من ضحاياها، حينما اقتيد إلى معسكر تجنيد تأديبي.  

*** 
في 1987 كان الطاهر بن جلون أول عربي يفوز بأرفع جائزة أدبية فرنسية "الغونكور"، فتم استقباله من طرف الملك الحسن الثاني وتوشيحه بوسام ملكي. وبدأت عملية تعميده كأبرز كاتب فرنكفوني من أصل مغاربي، وكخبير ومحلل مرموق. وصارت الصحف والمجلات الكبرى تتهافت على نشر مقالاته، والقنوات الإذاعية والتلفزيونية تتسابق لاستضافته ليتحدث عن الإسلام والحركات الإرهابية وثورات الربيع العربي.  

لكن صاحب "ليلة القدر" وقع غير ما مرة في ما يسميه البعض بـ "التعالي" و"احتقار" المغاربة، وهو يدلي للفرنسيين بمعلومات خاطئة عنهم، ويطلق أحكام قيمة مغلوطة عن المغرب.  

وتجاوزت الانتقادات كتاباته إلى شخصه، فأطلق عليه البعض لقب "الكاتب الفلكلوري" ولاحقته صفات "الانتهازي"، وقيل أنه ليس مستغربا أن تلقى كتبه نجاحا واسعا، فقد خبر الرجل الذهنية الفرنكفونية، وأتقن حرفته من خلال تقديمه عوالم عجائيبة، تشفي غائلة الجمهور الفرنسي، بما يشتهونه من صندوق الخرافة والسحر والشعوذة.  

وفي مستهل الألفية الجديدة أتت الفضيحة كاملة، لما تناول الإعلام الفرنسي قصته مع خادمته، وقيل للناس إنه ليس ذاك المثقف التقدمي الذي يتمثلونه، فلم يتردد في استعباد امرأة قروية جاء بها كخادمة من بلده الأصلي، ولم يحفظ لها حقوقها كعاملة مهاجرة، هو الذي لا يتوقف عن الانتصار للعمال المهاجرين. 

*** 
ضمن هذا السياق، نسترجع مضمون تحقيق شهير نشر في سبتمبر 2000، أعده الصحفي الأميركي ستيفن سميث، الذي كان يعمل بصحيفة "ليبراسيون" الباريسية، هو من سيقترن لاحقا بمليكة أوفقير ابنة الجنرال الذي تمت تصفيته إثر محاولة انقلاب ضد النظام الملكي. 

جاء التحقيق تحت عنوان مثير: "الكاتب والخادمة والملك". ويمكن استعادته اليوم كسيناريو ناجح مقتبس من إحدى كتب بن جلون، حيث ختم سميث تحقيقه بسخرية لاذعة، قائلا إن قراء بن جلون، ينتظرون منه التكفير عن ذنبه بتأليف كتاب جديد، على منوال مؤلفه: "العنصرية كما شرحتها لابنتي"، وليكن عنوانه: "العبودية كما شرحتها لخادمتي". 

*** 
يبين التحقيق أن الخادمة الشابة (فاطنة. س) كانت تعمل بشكل غير قانوني، ولا تنال الحد الأدنى من الأجور، رغم كونها تعتني بأطفال بن جلون الأربعة، بما في ذلك ابن كان يبلغ من العمر ثماني سنوات ونصف مصاب بمتلازمة داون، وكانت تطبخ "بشكل جيد" أثناء سهرات العشاء التي يقيمها الكاتب بمنزله.  

ادعى الكاتب أنه يدفع لخادمتة ألفين درهم شهريًا، وقال: "في رأيي، لم يكن راتبًا، بل مساعدة". إن أسرة فاطنة فقيرة، "فقراء يعيشون في حفرة... وقد توفيت الأم من فترة قريبة بنوبة قلبية، أما والدها فسكير مدمن".  

بعد أن ساءت العلاقة بين الخادمة ومشغلها، طردها بحجة أنها تضرب أطفاله. ولطي الموضوع، اقتنى الكاتب تذكرة سفر من أجل عودة فاطنة إلى المغرب، لكنها رفضت.  

وعشية مغادرتها، تركت فاطنة رسالة وداع. بعد عبارة البسملة، كتبت بدارجة عربية متلعثمة: "وداعا وشكرا جزيلا، غادرتُ مع امرأة لا أعرفها.. ولا أعرف إلى أين"...  

يتحدث التحقيق الذي أنجزته لجنة مناهضة العبودية الحديثة، عن فاطنة: "لقد كانت مجرد دمية تم التلاعب بها"، "لقد رفضت أي تعاون"، "ما هو أكثر من ذلك، إن الكاتب يكذب أحيانًا، على سبيل المثال حول الرعاية الطبية، التي أكدت إنها حُرمت منها". تتذكر الخبيرة القانونية: "لقد أرادت فاطنة أن تحصل فقط على أوراق  الإقامة وأن تبقى في فرنسا، إن هذا كل ما يثير اهتمامها". ومع ذلك، ظل جواز سفر فاطنة في درج الطاهر بن جلون. الذي احتج قائلاً: "لم نحتجزه". 

بعدها تولت اللجنة مسؤولية فاطنة، وقامت بإيوائها مؤقتًا. واستنتجت أنها لم تكن "عبدة"، لكنها حُرمت من حقوقها كعاملة منزلية جلبتها عائلة بن جلون إلى فرنسا بتأشيرة سياحية. وحسب القانون، فإنه في حالة عدم وجود سوء معاملة، يقع النزاع ضمن اختصاص المحكمة الصناعية. 

 في 26 مايو، اقترح محامي اللجنة "اتفاقًا وديًا"، وهو دفع تعويض. لكن عائلة بن جلون اتهموا فاطنة بسرقة "الكثير من الأشياء" قبل مغادرتها، دون تحديد أي منها، وزعمت العائلة أنها قدمت شكوى في القضية. "قمنا بتمشيط حقائبها، التي بقيت مع اللجنة، لكننا لم نجد شيئًا ذا قيمة". 

 في 8 يونيو، تم تنظيم اجتماع توفيقي. أصيبت فاطنة بحالة هستيرية، لأنها لا تريد العودة إلى المغرب، ولا الرجوع إلى بن جلون. لدرجة أن أعضاء اللجنة فكروا في الاتصال بالأمن للتهدئة. عندها، وبحسب شهود عيان، على الفور اقترحت زوجة الطاهر بن جلون "توقيع إبراء ذمة". 

يشرح عضو من اللجنة: "لم نرغب في مواصلة الإصرار أو نشر القضية، لأن المشغل كان شخصية معروفة". 

اختفى المغربي "الطاهر" في باريس لمدة أسبوعين. بعدها صرح: "اتصل بنا أحدهم قائلا: الآن علينا أن ندفع". وبحسب ما ورد طُلب منه مبلغ 250 ألف فرنك فرنسي. عند الوصول، سيدفع أقل من ذلك بكثير.   

في يوليوز تمكنت امرأة من معارف فاطنة، من إعادتها بسيارتها إلى المغرب، ولما كان الكاتب في إجازة بطنجة، في منتصف أغسطس، التقت به المرأة بحضور والد فاطنة، حيث قدم الكاتب للأخير مبلغ 16 ألف درهم، وبذلك تمت التسوية التي وقعت عليها فاطنة، عندها قال مؤلف "أقصى درجات العزلة" (عزلة المهاجرين): "لقد كتبتْ فاطنة رسالة الشكر هذه دون إكراه". 

*** 
رد الكاتب، أن القضية هي مؤامرة مدبرة من أعداء شخصيين، ومن مجهولين في المغرب، يريدون "تشويه سمعته"، وربما حتى "تصفيته". 

 لكن من هم يا ترى هؤلاء الأعداء المجهولين والقتلة؟  

ألم يكتب بن جلون رواية مستوحاة من المعتقل السري "تازمامارت"، حيث حكم الحسن الثاني على انقلابيين بالموت البطيء؟ 

في الواقع، الوحيد الذي تورط بالحالتين (مشكلة الخادمة وكتاب تازمامات) هو نائب القنصل المغربي في باريس نجيب بنبين، الأخ غير الشقيق لعزيز بنبين أحد الناجين من تازمامارت، من تسرد فصول الرواية مأساته. لما أرسل الطاهر بن جلون إلى صديقه الديبلوماسي جواز سفر فاطنة، ليغطي نفسه ضد أي اتهام بالاختطاف. وقد رافق نجيب زوجة الكاتب إلى اللجنة، لإنهاء المشكلة بلا فضيحة. 

في الديوان الملكي بالرباط، ساد شعور بالغضب من "ثرثرة الطاهر التي انتشرت في كل مكان، من خلال نسب أزماته إلى المخابرات المغربية". كما يقر الكاتب بأنه في يوليو في طنجة، سأله الناطق الرسمي باسم البلاط، حسن أوريد، ببساطة عما إذا كان بإمكانه تأجيل نشر روايته "تلك العتمة المبهرة"، دون إصرار. كما يؤكد أن فؤاد علي الهمة، أقرب معاوني الملك، اتصل به هاتفيا للحصول على ضوء أخضر لا لبس فيه. قال له: "نحن مستعدون حتى لمساعدتك على نشره في المغرب". 

إذاً أين تكمن المشكلة؟  

بشكل أساسي كانت توجد برأس الطاهر بن جلون، الذي لم يعارض سلطات بلاده، ولم يقل أي كلمة عن استبداد الملك الحسن الثاني.  

في عام 1997 تم حظر برنامج بنجلون على إذاعة طنجة "ميدي 1"، لأنه تحدث عن قوانين الهجرة وعنصرية الجبهة الوطنية. فتم إنهاء تعاونه مع المحطة التي كان يديره الكورسيكي بيير كازالتا.  

ولكن، إذا كان قد أعلن على الهواء اسم "تازمامارت"، السجن السري الذي نددت به منذ بداية الثمانينيات صديقته كريستين دور، زوجة زعيم المنظمة الماركسية السرية "إلى الأمام" أبراهام السرفاتي، لكان قد مُنع من قضاء العطلات ومن الشرف في بلده الأصلي. ولهذا وبخ الناجون من جحيم الموت الكاتب، وفكر البعض في رفع دعوى قضائية ضد روايته، لاستغلاله لوقائع حياتهم المدمرة خلال 18 عامًا".  

لم يصمت الطاهر بن جلون: "إنهم يريدونني تمامًا أن أتوقف عن الكتابة والنشر والتواجد". 

*** 
بعد أكثر من عقدين على الواقعة، لا يزال الكاتب الكبير يكتب وينشر ومتواجدا بقوة، بل فتحت له أبواب الإشعاع ونوافذه، وشوهد إلى جانب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ثم خلفه الرئيس فرنسوا هولاند، أثناء استقبال كل منها للعاهل محمد السادس، ودخل مرات إلى القصر الملكي، وظل مرحبا به في قنوات تلفزيون المغرب، كما أنه ينشر بشكل دائم بموقع إلكتروني يملكه منير الماجدي سكرتير الملك الخاص. 

وها هو القصر يقتني اليوم أكثر من لوحة للرسام الطاهر بن جلون، الذي أعلن: "لقد بدأت الرسم لأجعل الناس ينسون الجزء المظلم من العالم الذي كنت أكتب عنه". 

 فهل يمكن اعتبار حكاية فاطنة جزءا من ذلك العالم، الذي لم يجرؤ قط على الكتابة عن ظلامه، وهل تستطيع ألوان الفرح في لوحاته تبديد "تلك العتمة المبهرة"؟! 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

لا نتمنى أن يكون الوضع الحالي ينضوي تحت حكم: "الثالثة ثابثة". فلا شيء سيبقى ثابتا بعد الفناء.

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).