Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

German existentialist philosopher Friedrich Nietzsche is seen in an undated photo.  Nietzsche contends that Christianity's…
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

يُشَكِّل "النموذج الصيني" الراهن مِثالا حيَّا لما أسَمِيه دائما: "ظاهرة ازدهار التخلف"، أي التطور المادي التقني الذي لا يقوم فقط على تعمّد تجاهل مسار التقدم التنويري (المطرّد صعودا وتحوّلا منذ فجر عصره الأول، عصر الحركة الإنسانية إبان بزوغ فجر النهضة الأوروبية الحديثة)، وإنما يقوم أيضا ـ وربما بدرجة أساسية ـ على مُعَاداة هذا المسار التنويري، ومحاولة الانقضاض عليه، وتهديمه؛ بتقديم نموذج تقدّمي مُزَيّف حَدَّ الإبهار، نموذج يقطع الطريق على مجرد التفكير في نموذج التقدم الحقيقي: الإنساني.

كل شيء في نموذج "ازدهار التخلّف" يُوحِي بأن ثمة تقدّما مُتَسَارِعا؛ بناء على تسارع مسار النمو الاقتصادي، مقرونا بالبراعة التقنية، فيما الإنسان باقٍ في مساره، باقٍ عند حدود ما قبل تسارع هذا "التقدم المُزَيّف"، بل إن الأمر أسوأ من ذلك، فالإنسان في هذا النموذج يتراجع انحطاطا بالاطراد العكسي مع تصاعد هذا "التقدم المزيف"؛ جرّاء ما يُوَفِّرُه من تطوّر ملحوظ في أساليب إلغاء ومحو الإنسان؛ بإلغاء ومحو مساحة حرياته وخياراته؛ في الوقت الذي يُوهِم فيه بخروج هذا الإنسان المُلْغى من قيود الفقر والجهل والحرمان.

لا شك أن العالم الثالث الواقع بين مخالب الاحتياجات الإنسانية الأولى (أي احتياجات الإنسان في مستوى وجوده الحيواني)، يُريد تجاوز بؤسه الفظيع بأيسر السُّبل وأسرع الطرق. و"التقدم العمراني" الذي يُوَفِّر هذا التجاوز سهل وقابل للإنجاز السريع؛ من حيث هو تقدّم أحادي البعد، تقدّم صامت، تقدم آلي وليس حيويا. ثم هو بعد ذلك مجرد تقدّم ظاهري يُخفي "أصالة التخلف"، من حيث هو يحافظ على البُنْيَة الذهنية التقليدية الموروثة عن الأسلاف، وهي البنية ذاتها التي تنطوي على تقاليد امتثالية راسخة، تجد ترجمتها العملية في القابلية الفائقة للاستغفال، ومن ثم للتطويع والاستغلال.

إن الحضارة الحقيقية التي تنطوي على "قيمة التّحضر" حقيقة هي الحضارة الغربية التي بدأت رحلة انبعاثها الجديد منذ سبعة قرون، بينما تجد بذورها الأولى في التربة الإغريقية الضاربة في عمق 2500 عام. الحضارة الغربية هي الحضارة حقيقة، وما سواها من الحضارات في التاريخ القريب أو البعيد هي حضارات على سبيل المجاز. هذا ما أكدت عليه منذ ثمانية عشر عاما، وأثار عليَّ غضب كثيرين، لا لشيء؛ إلا لاعتقادهم أن إنكارهم الحقيقة الواقعية الصلبة يكفي لنفيها من الواقع، بل ويكفي ـ كما يتوهّمون حالمين ـ أن يكونوا هم أصحاب الحضارة الحقيقية، تلك الحضارة الخيال، الحضارة الوهم التي يعدون فيها بمحض الادعاء الدوغمائي الأيديولوجي، الذي هو ـ في البداية والنهاية ـ مجرد ادعاء فارغ.

ماذا يعني أن الحضارة الغربية في تشكّلها الأخير: الليبرالي، هي الحضارة حقا وحصرا ؟ يعني ـ بكل وضوح وتأكيد ـ أن التحضّر/ التقدّم الحقيقي لا يمكن أن يَمُرَّ إلا من خلالها، أي ليس بالقفز عليها؛ فضلا عن تجاهلها؛ و فضلا عن مناكفتها بأحلام اليقظة المتنرجسة أو المُتَهَلْوِسَة إلى درجة الجنون. 

الحضارة الغربية هي كذلك؛ لأنها ـ رغم كُل شيءٍ عابر، وكل شيء استثنائي، وكل شيء هامشي ـ هي حضارة الإنسان. حتى الأسئلة المتردِّدة من أيام اليونان، والتي بدا وكأنها تبحث في الكون المادي، كانت أسئلة في الإنسان وعن الإنسان أصلا؛ لأنها في نهاية المطاف كانت ترتاد موقع الإنسان في هذا الوجود. 

وقبل سبعة قرون من الآن، عندما استعاد الإنسان الغربي هذه الأسئلة باستعادته الإرث اليوناني، أو هو استعاد هذا الإرث استجابة منه لعودة إلحاح هذه الأسئلة عليه في ظرف تاريخي/ بيئي خاص، كانت "الحركة الإنسانية" إفرازا طبيعيا لهذا الاهتمام؛ حتى وإن كانت في الأصل مصدر الإلهام ـ الواعي وغير الواعي ـ لهذا الاهتمام الاستثنائي بالإنسان.

 كل هذا يؤكد أن التقدم التقني/ التكنولوجي الذي عرّف العالمَ بالغرب، لم يكن هو حقيقة تقدّم/ تحضّر الغرب. كون العالم، اللاّإنساني في معظمه، لم يعرف الغرب ولم يَتعرّف عليه إلا في هذا السياق المادي (= التقني/ التكنولوجي/ الاقتصادي) لا يعني أن الغرب ليس إلا كذلك أصالة؛ فكيف بمن يتوهّم أن الغرب ليس إلا كذلك حصرا ؟!

إن حضارة الغرب التي صنعت كل هذا العالم تمتلك ثراء وتنوّعا غير محدودين. وليس المادي والتقني إلا السطح الذي يمور تحته طوفان من اللاّمادي واللاّتقني، أي ما يتجاوز المحسوس إلى المعقول، بل وما يتجاوز المعقول إلى الباطن الإنساني الذي يحاول التماهي مع جوهر الإنسان في الإنسان؛ فيكاد؛ ولَمَّا يصل. ولكن، وبالرغم من كل ذلك، يقترب جِدًا منه، ويدخل في حالة جذب تَردُّدِي معه، في مسار جدلي مُتعالٍ طموح؛ لِيَحُدَّ في النهاية من غُلَواء كلِّ ما هو مادي وآني وعابر وعارض في مسار تحقق الإنسان جوهرا.

لقد انتفض الوعي الغربي في مسار تحقّقه حتى على "العقل" ذاته؛ عندما شعر أن هذا العقل الذي قطع به أشواطا طويلة في مسار تمدّنه، قد تنكّر ـ في صورة ما ـ لبعض الاحتياجات الأساسية للإنسان. ارْتَدَّ هذا الوعي ـ وفي صورة ما أيضا ـ عن عصر العقل، بعد أن تَشبّع بالمعقول إلى حد التخمة؛ فبدأ بنقد العقل من أجل "عقل أعقل"، ثم تجاوز ذلك إلى فتح مسارات للوعي تتجاوز المعقول ذاته؛ اعتمادا على الحدس، أو الاستشعار الباطني، أو التوظيف الفني لقوى الخيال. 

حدث هذا الانتفاض مع مُكَوِّن أساسي للحضارة الغربية التي تُوصَف بأنها "حضارة العقل" في المجمل العام، ومع كون التمحور حول العقل جزء أصيل (في مسار الجدل بين الله والطبيعة والإنسان) من التمحور حول الإنسان. 

الفيلسوف الألماني/ فريدريك نيتشه عندما رأى أن ثمة خللا أصاب المدنية الغربية، أرجع أسباب هذا الخلل إلى التمحور المبالغ فيه حول العقل، على حساب الطاقة الإبداعية التي تنبع تلقائيا من غريزة/ إرادة الحياة. واجتاز واقعه راجعا إلى التاريخ؛ ليؤكد تعدّد أبعاد الإنسان، وأن العقل ذاته رغم كل ما له من أهمية، ليس إلا بعدا واحدا من أبعاد الإنسان، بل وأن ثمة ما هو أولى منه إنسانيا. وقد وجد مثاله المُفَسِّر في الإرث الإغريقي الذي يُمَثِّل المصدر الأساس للوعي الأوروبي، فرأى أن الضعف والوهن والانحلال الذي أصاب اليونان قديما قد ابتدأ بسقراط وأفلاطون، إذ هما يُمَثّلان انتصار المنطق/ العقل على الأدب، أي انتصار العقل على الإرادة الحرة: إرادة الحياة.

ليس مهما هنا الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الفيلسوف المتمرد والغاضب، وربما المجنون (المجنون حقا في آخر عمره)، وإنما المهم أن ما ألمح إليه هو، وهنري برغسون، و وليم جيمس، وأدباء الرمزية...إلخ مظاهر التمرد على العقل، كل ذلك يعكس أولوية الحس الإنساني في الوعي الغربي، حتى على العقل ذاته؛ رغم الأهمية القصوى للعقل في كل مراحل الوعي الأوروبي الحديث. 

إن أولوية الإنسان في الوعي الغربي هي التي جعلت هذا الوعي يعود إلى التاريخ ليفهم قصة/ حكاية ذاته = حكاية الإنسان. لقد رجع إلى التاريخ في اللحظة القصوى لرهانه على المستقبل، رجع إلى التاريخ وهو في قمة ازدهار العقلاني، وفي قمة خيلائه بفتوحاته المعرفية التي مكنته من فرض سيطرته على الطبيعة، وفي قمة انشداده إلى المستقبل الذي بدا وكأنه يعد بالكثير على ضوء توالي الاختراعات النوعية في القرن التاسع عشر الذي هو عصر الإيمان بالعلم أو عصر الإيمان العلمي. 

لقد أعاد الوعي الأوروبي الاعتبار للتاريخ كعلم؛ لأنه رأى في التاريخ الحقيقة الإنسانية الكبرى في تواصلها، وليس الحقيقة المادية المبتورة، إذ للتاريخ مسار ذو معنى، فضلا عن كون التاريخ ينطوي على مخزون هائل من التجارب/ الدروس البشرية (حتى وإن كان هيغل يقول: الدرس الوحيد الذي نستفيده من التاريخ أن لا أحد يتّعظ بالتاريخ) التي يمكن أن تضع قواعد للأخلاق العامة، ابتداء من الأخلاق الفردية، ووصولا إلى الأخلاق كتشريعات مؤسساتية، للمؤسسات داخل الدول، وللمؤسسات الدولية العابرة للحدود. 

بعد ذلك توالى الاهتمام بالإنساني، وهو الاهتمام الذي ظهر جليا في تشكّل كثير من علوم الإنسان: علم الاجتماع وعلم النفس، فضلا عن بقية العلوم ذات الصلة بالإنسان جسدا وتاريخا، كعلوم الأحياء وعلوم البيولوجيا والأنثروبولوجيا، حتى الأحافير التي وإن كان موضوعها أكبر من الإنسان، بل وأكبر من تتبع الحياة ذاتها، إلا أنها كانت مدفوعة بالبحث عن قصة ظهور الإنسان على ظهر هذا الكوكب؛ من أجل فهم أعمق للظاهرة الإنسانية، حتى يمكن التعامل معهما بصورة تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة لهذا الإنسان في وجوده العابر على هامش ظاهرة الحياة. 

إن إسحق نيوتن، وتوماس أديسون، وجيمس واط...إلخ المخترعين الماديين الكبار، لم يكونوا في الحضارة الغربية أعظم من شكسبير، وهوبس، وفولتير، وجان جاك،  ومونتسكيو، وروسو، وكانط، وهيجل، وجون ستيوارت مل، ويوهان غوته، وفرويد، ودوركهايم، وفيكتور هيجو، وماكس فيبر، وفرانز كافكا، وجورج أورويل...إلخ هؤلاء الذين أسهموا في تقدّم الإنسان أصالة، وصولا إلى تقدّم العمران بالتبع، أي العمران في سياق شرط جوهري، وهو كونه رافدا للإنساني، وليس على حسابه، كما هو جارٍ الآن في المسارات "الصينو ـ روسية" الجافة الباردة المَعنيّة بـ"تقدم العمران وتخلّف الإنسان" !

------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

 

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).