Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

German existentialist philosopher Friedrich Nietzsche is seen in an undated photo.  Nietzsche contends that Christianity's…
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

يُشَكِّل "النموذج الصيني" الراهن مِثالا حيَّا لما أسَمِيه دائما: "ظاهرة ازدهار التخلف"، أي التطور المادي التقني الذي لا يقوم فقط على تعمّد تجاهل مسار التقدم التنويري (المطرّد صعودا وتحوّلا منذ فجر عصره الأول، عصر الحركة الإنسانية إبان بزوغ فجر النهضة الأوروبية الحديثة)، وإنما يقوم أيضا ـ وربما بدرجة أساسية ـ على مُعَاداة هذا المسار التنويري، ومحاولة الانقضاض عليه، وتهديمه؛ بتقديم نموذج تقدّمي مُزَيّف حَدَّ الإبهار، نموذج يقطع الطريق على مجرد التفكير في نموذج التقدم الحقيقي: الإنساني.

كل شيء في نموذج "ازدهار التخلّف" يُوحِي بأن ثمة تقدّما مُتَسَارِعا؛ بناء على تسارع مسار النمو الاقتصادي، مقرونا بالبراعة التقنية، فيما الإنسان باقٍ في مساره، باقٍ عند حدود ما قبل تسارع هذا "التقدم المُزَيّف"، بل إن الأمر أسوأ من ذلك، فالإنسان في هذا النموذج يتراجع انحطاطا بالاطراد العكسي مع تصاعد هذا "التقدم المزيف"؛ جرّاء ما يُوَفِّرُه من تطوّر ملحوظ في أساليب إلغاء ومحو الإنسان؛ بإلغاء ومحو مساحة حرياته وخياراته؛ في الوقت الذي يُوهِم فيه بخروج هذا الإنسان المُلْغى من قيود الفقر والجهل والحرمان.

لا شك أن العالم الثالث الواقع بين مخالب الاحتياجات الإنسانية الأولى (أي احتياجات الإنسان في مستوى وجوده الحيواني)، يُريد تجاوز بؤسه الفظيع بأيسر السُّبل وأسرع الطرق. و"التقدم العمراني" الذي يُوَفِّر هذا التجاوز سهل وقابل للإنجاز السريع؛ من حيث هو تقدّم أحادي البعد، تقدّم صامت، تقدم آلي وليس حيويا. ثم هو بعد ذلك مجرد تقدّم ظاهري يُخفي "أصالة التخلف"، من حيث هو يحافظ على البُنْيَة الذهنية التقليدية الموروثة عن الأسلاف، وهي البنية ذاتها التي تنطوي على تقاليد امتثالية راسخة، تجد ترجمتها العملية في القابلية الفائقة للاستغفال، ومن ثم للتطويع والاستغلال.

إن الحضارة الحقيقية التي تنطوي على "قيمة التّحضر" حقيقة هي الحضارة الغربية التي بدأت رحلة انبعاثها الجديد منذ سبعة قرون، بينما تجد بذورها الأولى في التربة الإغريقية الضاربة في عمق 2500 عام. الحضارة الغربية هي الحضارة حقيقة، وما سواها من الحضارات في التاريخ القريب أو البعيد هي حضارات على سبيل المجاز. هذا ما أكدت عليه منذ ثمانية عشر عاما، وأثار عليَّ غضب كثيرين، لا لشيء؛ إلا لاعتقادهم أن إنكارهم الحقيقة الواقعية الصلبة يكفي لنفيها من الواقع، بل ويكفي ـ كما يتوهّمون حالمين ـ أن يكونوا هم أصحاب الحضارة الحقيقية، تلك الحضارة الخيال، الحضارة الوهم التي يعدون فيها بمحض الادعاء الدوغمائي الأيديولوجي، الذي هو ـ في البداية والنهاية ـ مجرد ادعاء فارغ.

ماذا يعني أن الحضارة الغربية في تشكّلها الأخير: الليبرالي، هي الحضارة حقا وحصرا ؟ يعني ـ بكل وضوح وتأكيد ـ أن التحضّر/ التقدّم الحقيقي لا يمكن أن يَمُرَّ إلا من خلالها، أي ليس بالقفز عليها؛ فضلا عن تجاهلها؛ و فضلا عن مناكفتها بأحلام اليقظة المتنرجسة أو المُتَهَلْوِسَة إلى درجة الجنون. 

الحضارة الغربية هي كذلك؛ لأنها ـ رغم كُل شيءٍ عابر، وكل شيء استثنائي، وكل شيء هامشي ـ هي حضارة الإنسان. حتى الأسئلة المتردِّدة من أيام اليونان، والتي بدا وكأنها تبحث في الكون المادي، كانت أسئلة في الإنسان وعن الإنسان أصلا؛ لأنها في نهاية المطاف كانت ترتاد موقع الإنسان في هذا الوجود. 

وقبل سبعة قرون من الآن، عندما استعاد الإنسان الغربي هذه الأسئلة باستعادته الإرث اليوناني، أو هو استعاد هذا الإرث استجابة منه لعودة إلحاح هذه الأسئلة عليه في ظرف تاريخي/ بيئي خاص، كانت "الحركة الإنسانية" إفرازا طبيعيا لهذا الاهتمام؛ حتى وإن كانت في الأصل مصدر الإلهام ـ الواعي وغير الواعي ـ لهذا الاهتمام الاستثنائي بالإنسان.

 كل هذا يؤكد أن التقدم التقني/ التكنولوجي الذي عرّف العالمَ بالغرب، لم يكن هو حقيقة تقدّم/ تحضّر الغرب. كون العالم، اللاّإنساني في معظمه، لم يعرف الغرب ولم يَتعرّف عليه إلا في هذا السياق المادي (= التقني/ التكنولوجي/ الاقتصادي) لا يعني أن الغرب ليس إلا كذلك أصالة؛ فكيف بمن يتوهّم أن الغرب ليس إلا كذلك حصرا ؟!

إن حضارة الغرب التي صنعت كل هذا العالم تمتلك ثراء وتنوّعا غير محدودين. وليس المادي والتقني إلا السطح الذي يمور تحته طوفان من اللاّمادي واللاّتقني، أي ما يتجاوز المحسوس إلى المعقول، بل وما يتجاوز المعقول إلى الباطن الإنساني الذي يحاول التماهي مع جوهر الإنسان في الإنسان؛ فيكاد؛ ولَمَّا يصل. ولكن، وبالرغم من كل ذلك، يقترب جِدًا منه، ويدخل في حالة جذب تَردُّدِي معه، في مسار جدلي مُتعالٍ طموح؛ لِيَحُدَّ في النهاية من غُلَواء كلِّ ما هو مادي وآني وعابر وعارض في مسار تحقق الإنسان جوهرا.

لقد انتفض الوعي الغربي في مسار تحقّقه حتى على "العقل" ذاته؛ عندما شعر أن هذا العقل الذي قطع به أشواطا طويلة في مسار تمدّنه، قد تنكّر ـ في صورة ما ـ لبعض الاحتياجات الأساسية للإنسان. ارْتَدَّ هذا الوعي ـ وفي صورة ما أيضا ـ عن عصر العقل، بعد أن تَشبّع بالمعقول إلى حد التخمة؛ فبدأ بنقد العقل من أجل "عقل أعقل"، ثم تجاوز ذلك إلى فتح مسارات للوعي تتجاوز المعقول ذاته؛ اعتمادا على الحدس، أو الاستشعار الباطني، أو التوظيف الفني لقوى الخيال. 

حدث هذا الانتفاض مع مُكَوِّن أساسي للحضارة الغربية التي تُوصَف بأنها "حضارة العقل" في المجمل العام، ومع كون التمحور حول العقل جزء أصيل (في مسار الجدل بين الله والطبيعة والإنسان) من التمحور حول الإنسان. 

الفيلسوف الألماني/ فريدريك نيتشه عندما رأى أن ثمة خللا أصاب المدنية الغربية، أرجع أسباب هذا الخلل إلى التمحور المبالغ فيه حول العقل، على حساب الطاقة الإبداعية التي تنبع تلقائيا من غريزة/ إرادة الحياة. واجتاز واقعه راجعا إلى التاريخ؛ ليؤكد تعدّد أبعاد الإنسان، وأن العقل ذاته رغم كل ما له من أهمية، ليس إلا بعدا واحدا من أبعاد الإنسان، بل وأن ثمة ما هو أولى منه إنسانيا. وقد وجد مثاله المُفَسِّر في الإرث الإغريقي الذي يُمَثِّل المصدر الأساس للوعي الأوروبي، فرأى أن الضعف والوهن والانحلال الذي أصاب اليونان قديما قد ابتدأ بسقراط وأفلاطون، إذ هما يُمَثّلان انتصار المنطق/ العقل على الأدب، أي انتصار العقل على الإرادة الحرة: إرادة الحياة.

ليس مهما هنا الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الفيلسوف المتمرد والغاضب، وربما المجنون (المجنون حقا في آخر عمره)، وإنما المهم أن ما ألمح إليه هو، وهنري برغسون، و وليم جيمس، وأدباء الرمزية...إلخ مظاهر التمرد على العقل، كل ذلك يعكس أولوية الحس الإنساني في الوعي الغربي، حتى على العقل ذاته؛ رغم الأهمية القصوى للعقل في كل مراحل الوعي الأوروبي الحديث. 

إن أولوية الإنسان في الوعي الغربي هي التي جعلت هذا الوعي يعود إلى التاريخ ليفهم قصة/ حكاية ذاته = حكاية الإنسان. لقد رجع إلى التاريخ في اللحظة القصوى لرهانه على المستقبل، رجع إلى التاريخ وهو في قمة ازدهار العقلاني، وفي قمة خيلائه بفتوحاته المعرفية التي مكنته من فرض سيطرته على الطبيعة، وفي قمة انشداده إلى المستقبل الذي بدا وكأنه يعد بالكثير على ضوء توالي الاختراعات النوعية في القرن التاسع عشر الذي هو عصر الإيمان بالعلم أو عصر الإيمان العلمي. 

لقد أعاد الوعي الأوروبي الاعتبار للتاريخ كعلم؛ لأنه رأى في التاريخ الحقيقة الإنسانية الكبرى في تواصلها، وليس الحقيقة المادية المبتورة، إذ للتاريخ مسار ذو معنى، فضلا عن كون التاريخ ينطوي على مخزون هائل من التجارب/ الدروس البشرية (حتى وإن كان هيغل يقول: الدرس الوحيد الذي نستفيده من التاريخ أن لا أحد يتّعظ بالتاريخ) التي يمكن أن تضع قواعد للأخلاق العامة، ابتداء من الأخلاق الفردية، ووصولا إلى الأخلاق كتشريعات مؤسساتية، للمؤسسات داخل الدول، وللمؤسسات الدولية العابرة للحدود. 

بعد ذلك توالى الاهتمام بالإنساني، وهو الاهتمام الذي ظهر جليا في تشكّل كثير من علوم الإنسان: علم الاجتماع وعلم النفس، فضلا عن بقية العلوم ذات الصلة بالإنسان جسدا وتاريخا، كعلوم الأحياء وعلوم البيولوجيا والأنثروبولوجيا، حتى الأحافير التي وإن كان موضوعها أكبر من الإنسان، بل وأكبر من تتبع الحياة ذاتها، إلا أنها كانت مدفوعة بالبحث عن قصة ظهور الإنسان على ظهر هذا الكوكب؛ من أجل فهم أعمق للظاهرة الإنسانية، حتى يمكن التعامل معهما بصورة تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة لهذا الإنسان في وجوده العابر على هامش ظاهرة الحياة. 

إن إسحق نيوتن، وتوماس أديسون، وجيمس واط...إلخ المخترعين الماديين الكبار، لم يكونوا في الحضارة الغربية أعظم من شكسبير، وهوبس، وفولتير، وجان جاك،  ومونتسكيو، وروسو، وكانط، وهيجل، وجون ستيوارت مل، ويوهان غوته، وفرويد، ودوركهايم، وفيكتور هيجو، وماكس فيبر، وفرانز كافكا، وجورج أورويل...إلخ هؤلاء الذين أسهموا في تقدّم الإنسان أصالة، وصولا إلى تقدّم العمران بالتبع، أي العمران في سياق شرط جوهري، وهو كونه رافدا للإنساني، وليس على حسابه، كما هو جارٍ الآن في المسارات "الصينو ـ روسية" الجافة الباردة المَعنيّة بـ"تقدم العمران وتخلّف الإنسان" !

------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

 

مواضيع ذات صلة

جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد
جانب من مظاهرة في تونس بذكرى "ثورة الياسمين" تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد

كوليت بهنا

في الذكرى الثانية عشرة للثورة، خرج التونسيون قبل أسبوع بمظاهرات عارمة طالبت بإسقاط النظام مع اتهامات حادة بالفساد وتراجع الحريات وتردي الأوضاع الاقتصادية.

الثورة التونسية السلمية، التي تستحضر هنا كأنموذج بوصفها فاتحة ثورات الربيع العربي المتتالية، تبدو وكأنها تعود إلى المربع الأول، وتعيد جرد حساباتها، وتعيد طرح الأسئلة الشائكة المتعلقة بالدستور والأسباب والعثرات التي أعاقت التغيير وتحقيق الأهداف المنشودة، على الرغم من أنها صنفت بالأنجح عربياً حتى اليوم، قياساُ بمآلات ثورات باقي الدول التي لم تفض إلى نتائج مخيبة للآمال فقط، بل إلى خراب العديد منها ومآسٍ يصعب حصرها. 

بالعودة إلى البدايات، ومع الدهشة الأولى التي أصابت العالم عقب خروج الشعوب العربية الثائرة من قمقمها، استبشر العديد من المحللين السياسيين والباحثين والفاعلين الدوليين بموجة التغيير العارمة هذه، فكتبوا وحللوا وقدموا نصائح رئيسة عن الطرق السديدة التي يمكن أن تساعد في الوصول إلى الانتقال الديمقراطي المنشود. منهم ما كتبه في 15 نوفمبر 2011 على سبيل المثال بول سالم، الرئيس السابق لمركز كارنيغي الأميركي للسلام الدولي في الشرق الأوسط، في مقال تحليلي مطول سيبدو اليوم لقارئه أشبه بخريطة طريق رشيدة وضعت في حينه.  

إذ قال في بعض المقتطفات الهامة: "من شأن دستور مدروس ومتوافق عليه أن يكون المفتاح لتحقيق النجاح الديمقراطي". و" إن عملية الانتقال، بمعنى ما، هي ومضة في التاريخ، لكن بناء ديمقراطية قوية وذات ديمومة هي عمل أجيال. ونجاح العملية الانتقالية قد يحدد نجاح أو فشل الديمقراطية الوليدة". و"الهدف الرئيس من وضع أو تعديل الدستور في عمليات الانتقال الديمقراطية لا يكمن في السعي الى الاتفاق على كل مبدأ أو هدف سياسي واجتماعي اقتصادي، بل في اقامة مروحة من المؤسسات والقواعد التي تستوعب الخلافات وتمكّن رأي الأغلبية وتحمي آراء الأقلية". 

فإلى أي مدى ينطبق هذا الكلام مع التغييرات والتحولات التي أعقبت الثورات العربية، وهل تعثُر هذه الثورات، إن لم نقل فشلها والإحباطات والخيبات التي أفضت إليها، يكمن فقط في ضعف شرعية الدساتير العربية وعمليات صياغتها التي أعقبت هذه التحولات ومحدودية دورها الذي صمم للحد من سلطة الشعب بدلاً من سلطة الدولة ومقاومتها لأي تغيير؟ أم لأسباب أخرى تتعلق بهويات هذه الثورات بذاتها والشكل الذي اتخذته في الاحتجاج السلمي أو العنيف أو المسلح أو غيرها من الأسباب الجوهرية؟ 

للإجابة عن هذه الأسئلة والنقاش الأكاديمي الفاعل حول شرعية وعمليات وضع الدساتير في العالم العربي من خلال دراسة التغييرات الدستورية التي اختبرتها مختلف الدول العربية استجابة للاضطرابات الشعبية منذ 2010، اجتمع في بيروت الشهر الفائت، عدد من الباحثين الدوليين وخبراء قانون في مؤتمر متخصص أقيم في إطار مشروع بحثي للباحثة الرئيسية ريم تركماني بعنوان "الشرعية والمواطنة في العالم العربي" في كلية لندن للاقتصاد، وتم تمويله من قبل مؤسسة كارنيجي في نيويورك. 

كما أقيم المؤتمر بالشراكة بين كلية لندن للاقتصاد والمنظمة العربية للقانون الدستوري التي تمثلها المديرة التنفيذية للمنظمة تمارا خوري، والتي تعتبر أول شبكة اقليمية لخبراء صياغة الدساتير في المنطقة العربية، وتهدف الى المساهمة في الحكم الرشيد والتحول والانتقال الديمقراطي وكذلك دعم جهود الاصلاح القانوني والدستوري في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعتبر خبراء المنظمة من كبار المختصين في مجال بناء الدساتير في المنطقة حيث شاركوا في التفاوض على الدساتير وصياغتها في عدد من الدول (المغرب الجزائر تونس ليبيا مصر العراق اليمن). 

بعد الاستماع ومناقشة تجارب الدول المشاركة، وهي بمجموعها الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات شعبية منذ 2010، خلص المؤتمر إلى عدد من النتائج المتعلقة بكيف يصاغ الدستور والتشاركية في صياغته وكم تستغرق هذه الصياغة وغيرها، والتي لخصها البروفسور ناثان براون بعدد من النقاط، وهو أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي. حيث وجد بحسب خبرته وعمله منذ أكثر من نصف قرن في مجال الدستور أن جميع القصص متشابهة في جميع الانتفاضات العربية منذ 2010، ومازالت هناك أسئلة بلا أجوبة ولا توجد خلاصة عامة. كما لا يوجد جواب واحد حول مضمون الدستور، ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع حول ما يجب أن يقوله الدستور. وأن معظم النقاشات تتعلق بشكل الدولة وليس بالحقوق والحريات التي غابت عن معظم التجارب الدستورية العربية، وأفضت إلى نتيجة مخيبة بأنه لا نهايات سعيدة أبداً. 

ويضيف بحسب خلاصة استنتاجاته، أن الحكام العرب يتحججون دوماً بالظروف الاستثنائية لتأخير الديمقراطية، وأن الدستور في المحصلة يجب أن يساعد الناس في إدارة اختلافاتهم، وفي الواقع لم تعبر هذه الدساتير عن إرادة الشعوب، حيث لا توجد مشاركة شعبية حقيقية لأن الجنرالات هم من يتحدثون بالإنابة عن الناس الذين يمكن وصفهم " بالناس الكثر وليس الشعب" كما الحال في مصر، وأن الحالات الأصعب في صياغة الدساتير تتمثل برأيه حين يشارك لاعبون مختلفون يأتون بمفاهيم مختلفة ويعملون على الدساتير، كما الحال في سوريا.  

قد يبدو رأي الباحث براون صائباً في المعنى العام، وإن كان يشي ببعض التشاؤم حول الانسداد العربي، لكن في الواقع، فإن المتابع لمناقشات هذا المؤتمر سيخرج بخلاصة مضافة تحمل الكثير من الإيجابيات التي يمكن توظيفها واستثمارها بشكل أكثر فاعلية وديمومة في المستقبل. وتتلخص بزخم وسخونة النقاشات واحترافية وغنى محتوى الأوراق البحثية التي قدمت من جميع المشاركين والمعقبين. وأهمية تبادل الخبرات العربية والتقاطع فيما بينها، وبشكل خاص الخبرة الدستورية لكل من تونس والمغرب، كتجربتين متفوقتين حتى اليوم قياساً بتجارب عربية أخرى مازالت تراوح في مكانها، أو تتراجع لصالح الأنظمة الحاكمة ومزيد من الشمولية والاستبداد، سواء فيما يخص الجمهوريات أو الملكيات الحاكمة على حد سواء. 

كما برزت أيضاً أهمية مساحة المشاركة النسائية العربية رفيعة المستوى والندية على كافة المستويات، والتي تدفع إلى تفاخر حقيقي بحجم ونوعية الكفاءات النسائية العلمية الموجودة على الساحة العربية، والدور الهام والمبشر الذي يلعبنه، وبشكل خاص فيما يتعلق بمواقعهن كخبيرات قانونيات ودستوريات في عمليات صياغة دساتير بلادهن، أو من خلال مواقعهن الأخرى التي برزن فيها بشكل خاص عقب الثورات العربية، والتي أفضت إلى تغييرات مبشرة وإيجابية فيما يتعلق بدور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والعامة. 

"نحن الشعب، السادة الشرعيون للكونغرس والمحاكم. لا لقلب الدستور، بل لإسقاط الرجال الذين يفسدون الدستور". هذا ما قاله الرئيس الأميركي التاريخي ابراهام لينكولن قبل نحو مائتي عام. وهو ما دفع حياته ثمنا له لأجل أن تحظى الأجيال المقبلة بالمساواة وتنعم بحقوقها وحرياتها.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).