Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

يستعد الرئيس التركي للانتخابات المقبلة التي ستجري بعد نحو عام
يستعد الرئيس التركي للانتخابات المقبلة التي ستجري بعد نحو عام

رستم محمود

منذ عدة شهور، لا يؤدي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أعماله كرئيس لدولة، ذو حزمة من السلطات المقيدة بعدد من الأطر الدستورية، بل يتصرف كمرشح جامح للانتخابات الرئاسية، التي ستجري في أوائل العام المقبل، حيث لا تعطيه استطلاعات الراي العام أية حظوظ للفوز بها. لأجل ذلك، فإن أردوغان يتصرف كمرشح رئاسي، وسيبقى، ودون أية قيود، لهدف واحد فحسب، هو قلب النتائج لصالحه. 

في هذا المقام، يبدو أردوغان مشدودا للبقاء في السلطة بأي ثمن، فنوعية وعيه وعقله الباطن تعتبر الظفر بالسلطة الدائمة جوهر الفاعلية والمعنى في عالم السياسة. إذ لا يشبه أردوغان نوعية القادة السياسيين العالميين، في البلدان الديمقراطية، ومن ضمنهم بعض الساسة والقادة الذين كانوا في تركيا نفسها، هؤلاء الذين يعتبرون نيل السُلطة أمر وهدف نسبي في عالم السياسة، يُستطاع الاستغناء عنها، لو تعارض الحصول عليها مع بعض المرتكزات السياسية والسلوكية، وهو أمر لا يمنحه أردوغان في وعيه أي اعتبار. 

فأردوغان وإن كان قد وصل للسلطة بأدوات الحداثة السياسية وضمن عالمها الكلي، عبر انتخابات برلمانية تملك الكثير من الملامح الديمقراطية، إلا أن كامل مسيرته السياسية، منذ عشرين عاما وحتى الآن، يمكن تكثيفها بالسعي الحثيث للانقلاب على تلك الأداة، للحصول على نوع من السلطة العارية، الأبدية والمطلقة. غير الدستور أكثر من مرة، بدل نوعية النظام السياسي، اعتقل عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين والمدنيين، استخدم المال والعائلة، وأرسل العصابات المسلحة إلى مختلف دول المنطقة، خاض الحروب وأجرى عشرات الصفقات من تحت الطاولة، فقط في سبيل ذلك.  

راهناً، يبدو أردوغان في واحدة من أكثر أوقاته حرجا، إذ لم يبقَ لموعد الانتخابات إلا قرابة عام، واستطلاعات الرأي العام تشير إلى تفوق لتحالف أحزاب المعارضة، فيما صحة أردوغان الجسدية في وضع لا يطمئن مؤيديه، ومختلف مؤشرات الأداء الاقتصادي تقول إنه لا انفراجات في الأفق المنظور للاقتصاد التركي، وحزب العدالة والتنمية منقسم على نفسه داخليا، بين مؤيدين وموالين لعائلة أردوغان والتحالف مع حزب الحركة القومية المتطرفة، وبين منجذبين للقادة التقليديين للحزب، ورؤيته الإصلاحية الأكثر فساحة. 

في هذا الوقت بالذات، ومما يمكن رصده يوميا من قرارات وتوجهات يتخذها أردوغان، فإن توجها ثلاثيا استراتيجيا سيأخذ كامل اهتمام أردوغان خلال الشهور المقبلة، وفي سبيل هدف واحد فحسب، الاحتفاظ بالسلطة.  

أولاً، سيسعى لتصفية أية شروخ وصراعات سياسية وخطابية وإيديولوجية كانت تغطي شكل علاقاته مع المحيط الإقليمي، تلك التي ظل طوال عقد كامل يستخدمها كأداة لزيادة وتيرة حضوره الشعبوي في المتن العام. 

فما أظهره أردوغان من إعادة للعلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل، قد تمتد عما قريب، لتشمل دولا وأنظمة مثل سوريا ومصر واليونان وأرمينيا. تلك التي كال لها أردوغان بحرا من الاتهامات وأشكال الوعيد، التي وصلت لحد التكفير، السياسي والديني والأمني والعسكري.

لأن الجذر البراغماتي في سلوك أردوغان يقول إن إعادة هيكلة تلك العلاقات، وإن عبر الكثير من التنازلات الشخصية والسياسية، قد تجلب بعض الاستثمارات والثقة بالاقتصاد التركي، وتمنع هذه الدول والأنظمة من دعم معارضي أردوغان بشكل أو آخر. لكن الجذر الآخر لذلك السلوك، أي الشعبوية الدائمة، تؤشر إلى أن هذا التواطؤ تكتيكي فحسب، وأنه سيعود لرفع وتيرة التصعيد الخطابي في وجه هذه الدول والأنظمة عما قريب، فيما لو ظفر بالسلطة مرة أخرى.  

المسعى الآخر لأردوغان سيكون عبر خوضه حربا عسكرية ضد المناطق والجهات الكردية، سواء في سوريا والعراق، أو حتى ضد البنية المدنية الكردية داخل تركيا نفسها.

سيستعيد أردوغان عبر ذلك بما فعله قبل سبعة سنوات. فحينما لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على نصف مقاعد البرلمان، في الانتخابات البرلمانية الأولى التي جرت في العام 2015، وتاليا فشل في إمكانية تشكيل الحكومة لوحده. خاض حربا ضروسا ضد ثلاثة مدن كردية في تركيا، دياربكر نصيبين وسلوبي، بحجة وجود مقاتلين لحزب العمال الكردستاني. دمر أكثر من نصف تلك المدن الثلاث وقتل آلاف المدنيين، ومن ثم عاد وأعلن عن انتخابات جديدة، جندت لصالحه أصوات القوميين الأتراك (وما أكثرهم)، وأحدثت رعبا في أوساط الناخبين الأكراد، المناهضين لأردوغان تقليديا. 

أغلب الظن، سيعيد أردوغان فعل ذلك، لتحقيق الأمرين السابقين، ولزيادة اللحمة ضمن تحالفه الحاكم، ولدفع أحزاب المعارضة لتأييديه رغما عنهم، فالأكراد هم الحجة المثالية لأية سلطة تركيا لتكريس السكون السلطوي. 

أخيرا، فإن حساسية واهتمام أردوغان بالعلاقة الوثيقة بين نوعية السلطة والحاكمين في تركيا وما يناظرها من توازنات دولية تبدو عالية للغاية في هذا الوقت. تلك العلاقة التي يعرفها أردوغان أكثر من غيره بكثير، وهو أساسا وصل للسلطة خلال العام 2002، وحافظ عليها حتى الآن، بناء على نوعية تلك التوازنات. 

فالقوى الدولية، بالذات الولايات المتحدة وكتلة الاتحاد الأوربي، ذات تأثير حيوي على الاقتصاد التركي ونخب رجال الأعمال، وإلى حد بعيد على قادة الجيش والأجهزة الأمنية والشركات والمؤسسات الاقتصادية، الصناعية والتجارية منها بالذات، وتاليا ذات وزن وقدرة على التأثير في العالم السياسي التركي. 

لأجل ذلك، فإن أردوغان يبدو متلهفا لتنفيذ كل ما يُطلب منه في العلاقات الدولية راهنا. من خلال خلق وساطات للحوار بين روسيا وأوكرانيا، أو الالتزام المؤقت بما قد تتوصل إليه القوى السياسية الليبية من تفاهمات، الأمر نفسه ينطبق على مختلف البؤر التي تنشط بها تركيا. فالهدف الأهم بالنسبة له هو إثبات الالتزام بقوس المصالح العليا للدول الغربية. 

في ظلال هذا القوس السياسي/السلوكي الذي قد يتخذه أردوغان، من تنازلات للدول والأنظمة الإقليمية، وصولا لحرب أو حروب متوقعة ضد الأكراد، وليس انتهاء بما قد يتصرف به كمساعد لتيسير استراتيجيات الدول الكبرى، فأنه يبدو كشمولي شعبوي تقليدي، يتلهف للبقاء في السلطة بكل ثمة، وأولا على حساب الالتزام الأخلاقي والوجداني والسياسي المفترض أن يكون خاضعا له، ألا وهو تحسين شروط وظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأبناء بلده، تقليل مستويات الاستقطاب الخطابي والسياسي والهوياتي بين مكوناته، زيادة مستويات التنمية الإنسانية المستدامة. 

فعل كل ذلك، وإن كان على حسابه مصالحه الشخصية والسياسية الأكثر ضيقا، المتمثل بديمومة البقاء في السلطة. حيث أن الأمر هذا، هو الفارق البسيط، لكن الأكثر عمقا ودورا، في تكوين وسلوك القادة الديمقراطيين جذريا، وآخرين يستخدمون الديمقراطية حسب حاجاتهم المباشرة، كما يستخدمون ويبدلون أزرار قمصانهم. 

------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب
شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب

سناء الحنفي العاجي

بعد سنوات من العشرة الطيبة والمحبة والتساكن، تكتشف فوزية خيانة زوجها لها مع ابنة أختها، في قلب بيتها. من هول الصدمة ووجع الغدر، تغادر بيتها وتتوجه لفندق تقضي فيه الليلة إلى أن تقرر ما هي فاعلة. هنا، تكتشف أن الفندق يرفض استقبالها لأنه يوجد في مدينة الدار البيضاء... ولأن بطاقتها تشير إلى كونها تقيم في نفس المدينة! هل هناك قانون يقر بهذا؟ أبدا... لكنها ممارسة فعلية في الفنادق المغربية. ورغم أن وزير الداخلية يقول إنها غير قانونية، لكن هذا لا يمنع من كونها حقيقية ومازالت تُفَعَّل إلى غاية الآن!

هذا أحد مشاهد المسلسل المغربي الجميل جدا، "بغيت حياتك"، والذي تبثه حاليا القناة الثانية. المسلسل، الذي أخرجه شوقي العوفير ويؤدي أدواره الأساسية ثلة من النجوم المغاربة (سامية أقريو، نورا الصقلي، عزيز الحطاب، مريم الزعيمي، عبد الله شاكيري، عبد اللطيف شوقي، عبد الله ديدان، بشرى أهريش وغيرهم) يتطرق لعدد من القضايا الإنسانية، بفنية وجرأة. جرأة لم تتعامل مع هذه القضايا بخطاب نضالي ترافعي لا يفترض أن يكون الفن مكانَه، لكن بفنية وسلاسة وجمالية راقية. 
المسلسل يسائل مثلا قضية شديدة الحساسية كالأمومة، حين لا تكون اختيارا واعيا. قوة السيناريو وعبقريته أنه لا يُوَجّه سهام الاتهام لشخصية الأم، التي اكتشفت أنها غير راغبة ولا قادرة على الأمومة، لكنها لم تفكر في الأمر مسبقا. تزوجت رجلا تحبه وأنجبت كما تنجب ملايين النساء، دون تفكير واعي في تبعات الأمومة! 

يتطرق المسلسل للعلاقات الإنسانية وتعقيداتها، الهشاشة النفسية والعاطفية للأفراد... الشخصيات حقيقية وإنسانية بهشاشتها وتعقيداتها دون أحاديات تجعلها شريرة في المطلق أو طيبة في المطلق. الجارة نجاة بتناقضاتها وشطحاتها التي لا تنزع عنها شعلة الإنسانية والطيبة حين يستلزم الأمر تغليب الإنسان فيها؛ كريم بهشاشته في حبه، لكن من دون أن يكون ضعيفا مهزوزا كما قد تصوِّر شخصيَته العديد من الأعمال الدرامية؛ مريم التي نتساءل هل تحب فعلا أم أنها تدمن العلاقة العاطفية السامة ببعضٍ من الألفة؛ عزيز الذي يحب ولكنه يستكين لوضع مريح بالنسبة له؛ الجار علال كما نعرف المئات منه في أحيائنا الشعبية: "زهواني"، خدوم، شعبي حتى النخاع لكن دون ابتذال، فوضوي وفي نفس الوقت "ولد البلاد" حين يقتضي الأمر ذلك... 

شخصيات حقيقية كما نحن، صادقة حتى في خبثها أحيانا. هشة حينا وضاجة في أحيان أخرى.  كما أن إحدى ميزات المسلسل، فضلا عن سيناريو محبوك إلى غاية الحلقات التي تابعناها (إذ أن بث الحلقات لم يكتمل بعد)، كونه تطرق لقضايا جريئة دون أن يحاكم الشخصيات التي قد ينظر لها المواطن العادي (وقد تصورها أعمال أخرى) بشكل قدحي أو سلبي. تعامل معها كمكون من مكونات المجتمع بتعقيداته وتنوعه. 

في حكاية الفندق التي بدأنا بها هذا المقال، هناك طرح فني يفترض أن يسائل ممارسة فعلية في المغرب، لا سند قانونيا لها، لكنها عرفٌ لا يمكن ترجمته إلا بصيغة واحدة: كل امرأة تختار أو تضطر لأن تقيم في فندق في نفس مدينتها، هي مهنية جنس لا يفترض أن نسمح لها بذلك. 

وماذا عن فوزية ومثيلاتها ممن قد تضطرهن ظروف الحياة للمبيت في فندق بمفردهن؟ ماذا عن صديقتي أسماء التي يقيم أهلها في سلا والتي تأخرت في إحدى الليالي في الرباط، بسبب تنظيم المؤسسة التي كانت تشتغل فيها حينها، لتظاهرة مهنية كبيرة. ولأنه كان يفترض أن تعود للعمل في وقت مبكر صباح الغد، فضلت صديقتي المبيت في فندق في الرباط. لكن معظم فنادق العاصمة رفضتها. ماذا عن الفنانة سامية أقريو نفسها التي حكت صديقتها نورا الصقلي في أحد الحوارات كيف أنهما، خلال إحدى الجولات المسرحية، توجهتا لفندق في الدار البيضاء. الفندق قَبِل استضافة الفنانة نورا الصقلي لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الرباط ورفض استقبال الفنانة سامية أقريو لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الدار البيضاء. نتحدث هنا عن فنانتين معروفتين ويفترض أن يفهم موظف الاستقبال طبيعة مهنتهن، فماذا عن مئات النساء ممن لسن في شهرتهما؟

أليست هذه إهانة لكل النساء بكل مستوياتهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ من شخصية فوزية، الممرضة البسيطة، إلى الفاعلة الحقوقية إلى الفنانة... إلى الطبيبة والمهندسة والعاملة والبرلمانية. كلنا متهمات بامتهان الجنس إلى أن نثبت العكس. يمكننا المبيت في العراء، لكن توفير غرفة في فندق فيه تهديد للأخلاق والقيم المجتمعية!!!

الإشكالية التي تطرق لها المسلسل في مشهد واقعي، والتي تطرقنا لها أكثر من مرة في السابق، هي مثال من أمثلة كثيرة عن واقع مر: الواقع المجتمعي والممارسات تتطور بشكل سريع جدا، يجعل حكايات فوزية وأسماء وسامية أقريو والمئات من النساء العاملات في قطاعات كثيرة، يعشن واقعا لم يفهمه بعد المشرع ولا المؤسسات التي تسهر على تطبيق هذه الممارسات. حكاية الفندق إحداها، لكن هناك عشرات القضايا التي سبقت فيها الممارسات واقع القوانين... والتي نحتاج للكثير من المقالات والمسلسلات والكتب... لكي نزعزع الصخر الراكد فوقها!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).