Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تشييع شيرين أبو عاقلة.
تشييع شيرين أبو عاقلة.

نضال منصور

"حتى لو عُثر على الرصاصة الإسرائيلية التي قتلت شيرين أبو عاقلة، وحتى لو عُثر على لقطات تُظهر مُطلق الرصاص، سيعامله الإسرائيليون كبطل فوق كل الشبهات"، لستُ من يقول هذا الكلام الحازم، والقاطع، والواضح، وإنما يقوله الصحفي الإسرائيلي، جدعون ليفي، في جريدة هآرتس.

لستُ مصدوما من أن تغتال إسرائيل بدم بارد الإعلامية المُخضرمة في قناة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة، والتي رصدت ووثقت بالصوت والصورة لما يُقارب 25 عاما، الجرائم الإسرائيلية التي تتحدث عنها المؤسسات الحقوقية الدولية، وحتى لا ننسى؛ تذكروا صورة الناشطة الأميركية، راشيل كوري، التي سحقتها جرافة إسرائيلية عام 2003، والنتيجة التي خلُص لها تقرير سري للجيش الإسرائيلي أن وفاتها حادث مأساوي، والنتيجة أيضا أن الرئيس الأميركي، وقتها، جورج بوش، سكت عن الجريمة، ولم يفعل شيئا.

سعت إسرائيل منذ اللحظة الأولى للاغتيال، والقتل المتعمد خارج القانون للإعلامية أبو عاقلة إلى تعميم رواية مُفبركة مفادها أنها ربما قُتلت برصاص "المسلحين الفلسطينيين"، قبل أن تتراجع إسرائيل عن هذه الرواية في اليوم نفسه وتقول إن الظروف الحالية لا تسمح بتحديد مصدر الرصاصة وتعمل عبر تحقيق خاص على كشف الجهة التي أطلقت الرصاص.

وفي ساعات قليلة، كُذبت القصة المُختلقة، وجاء الرد من منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية التي عاينت منطقة مقتلها لتصل إلى نتيجة أن الاحتلال وقواته هم وراء هذه العملية، وتؤكد "بتسيلم" أن جهاز التحقيق الإسرائيلي هو مجرد منظومة تطمس الحقائق.

وتسرد "بتسيلم" حقائق تقديمها مطالبات للنيابة العسكرية الإسرائيلية للتحقيق في 739 حالة قتل واعتداء على فلسطينيين تأكدت من مصداقيتها، ربع هذه الحالات لم يجرِ التحقيق فيها حتى عام 2016، ونصف الحالات فُتح تحقيق فيها وأغلق دون أي نتيجة، "بتسيلم" ترى وتُعيد التأكيد على أن النيابة العسكرية ليست سوى أداة لتمويه الجرائم التي ترتكبها القوات الإسرائيلية.

تحت سقف الكنيست الإسرائيلي تحدى النائب العربي، أحمد الطيبي، رئيس الحكومة الإسرائيلية، وقال مخاطبا إياه: "أنت تعرف القاتل الذي أطلق النار، وفي أي (جيب) عسكري كان يركب، والبندقية مع العدسة التلسكوبية التي أطلقت الرصاص"، وحين كذبه رئيس الحكومة، وصفه الطيبي بأنه "نصاب".

الصحافة الإسرائيلية توصلت إلى معلومات خلاصتها أن جنديا إسرائيليا على بعد 190 مترا هو من أطلق الرصاص على شيرين، وقد نفى خلال التحقيق أنه رآها، ولا يعرف إن كان قد أطلق النار عليها.

لو لم تقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة لكانت ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو، قد مرت دون أن يجزع أحد للانتهاكات المستمرة، والمتصاعدة بحق الإعلاميين والإعلاميات، وكل أجراس الإنذار التي تقرعها المؤسسات المدافعة عن حرية الإعلام لا توقظ المجتمع الدولي الذي يغط في سبات عميق.

مراجعة المواقف الدولية، والبيانات الصادرة بعد اغتيال أبو عاقلة تبعث على الغثيان، فالأمين العام للأمم المتحدة يشعر بالارتياع، ووزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، منزعج من استخدام إسرائيل للقوة، والاتحاد الأوروبي يُدين العنف بشكل غير مُتناسب، كلام بصراحة يبعث على السُخرية في حضرة الموت، وغالبيتهم حتى لا نقول كلهم، لم يوجهوا أصابع الاتهام لإسرائيل بجريمة قتل أبو عاقلة، ولا يُعارضون أن يُشارك القاتل (إسرائيل) في لجان التحقيق.

مختصر القول؛ هذه مهزلة تكشف المعايير المزدوجة بأقبح صورها، فقبل أشهر، وتحديدا في آذار الماضي قُتل الصحفي الأميركي، برينت رينو، خارج العاصمة الأوكرانية، كييف، فسارعت الإدارة الأميركية لإدانة روسيا، وغرد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، بالقول: "نحن مرعوبون من أن الصحفيين (غير المقاتلين) قد قتلوا، وأصيبوا على أيدي قوات الكرملين"، وحين قُتلت أبو عاقلة بعد أشهر قليلة اكتفى برايس بالإعراب عن حزنه، ودعا إلى إجراء تحقيق شامل، ومحاسبة المسؤولين، وكل كلامه أفعال مبنية للمجهول، فهو لم يقم بإدانة إسرائيل مثلما أدان روسيا دون الحاجة للجنة تحقيق، وهذا ما يدفع للتساؤل إن كان "الزهايمر" يُصيب الزعماء الغربيين حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية.

لست مدافعا عن روسيا، وأرفض الحروب، والعدوان، لأن الشعوب تكون ضحيتها، ولكنني أمقت النفاق، والدجل السياسي الذي لا يلتفت للأرواح التي تُزهق، وتُرعبني "العدالة الانتقائية"، التي تُطبق هنا، ولا تُطبق هناك، والأكثر خطرا في تسامح العالم مع دولة مارقة، ترى نفسها فوق القانون، ولا تأبه إلى تصنيفها بدولة فصل عنصري.

يُعلق اللاعب المصري المعروف، محمد أبو تريكة، على هذه الازدواجية، فيقول: "هل أنتم أسود على روسيا، وفئران أمام إسرائيل".

الصحفي الإسرائيلي، شلومو إلدار، يتحدث عن جنازة شيرين أبو عاقلة، وما حدث خلالها من انتهاكات، بقوله: "أي إنسان عاقل يرى أشخاصا يرفعون نعشا وبداخله جثمان، ثم ينهال عليهم ضربا، وما هو كمُ الكراهية الذي يجب أن يكون بداخلك حتى تقوم بمثل هذا الفعل؟، من هو عديم الإحساس، الأحمق، أو كلاهما الذي أعطى الأوامر؟ الصورة لا تدل على القوة، وإنما تدل على الضعف"، والنائب الإيرلندي، ريتشارد باريت، يعتبر الاعتداء الإسرائيلي على الجنازة "عملا همجيا"، يكشف "لشعوب العالم أن إسرائيل دولة إرهابية".

استشهاد الصحفية شيرين أبو عاقلة قد يكون نقطة تحول في ملاحقة إسرائيل على جرائمها على امتداد العقود الماضية، وأيقظ إرادة المقاومة عند الفلسطينيين، وتجلت الصورة برفض المُشيّعين أن ينصاعوا لأوامر جنود الاحتلال عندما كان يرفعون نعش شيرين بيد، وبالأخرى علم فلسطين خفاقا، رغم عنف العدوان عليهم أمام كاميرات كل العالم بلا خجل.

كل المؤسسات الدولية والوطنية الحقوقية توحدت أصواتها في فضح الجريمة الإسرائيلية، مؤسسة الحق الفلسطينية أجرت تحقيقا أوليا، وقدمت تصورا تفصيليا لما حدث ميدانيا بالزمان والمكان، وانتهى إلى أن إطلاق الرصاص المتواصل على الصحفيين يدعو للاعتقاد أن من يطلق الرصاص كان يستهدفهم، وأن المسليحن الفلسطينيين لا يمكن أن يصل رصاصهم لمكان تواجد الصحفيين، وأن المقذوف المشوه الذي ظهر بالتشريح يقتنيه فقط جيش الاحتلال، والرصاص مصدره كذلك قوات الجيش الإسرائيلي.

قبل عام أقرت المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها بالنظر بالجرائم الجسيمة المُرتكبة في الأراضي الفلسطينية، ومايكل لينك، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أكد أن هذا القرار خطوة رئيسية نحو إنهاء إفلات الاحتلال من العقاب، مُبينا أن المجتمع الدولي سمح لثقافة الاستثناء أن تسود، ولو تم إنفاذ الالتزامات القانونية منذ سنوات لكان الاحتلال قد انتهى.

نقابة الصحفيين الفلسطينيين وبمشاركة، ودعم الاتحاد الدولي للصحفيين قاما بخطوة شجاعة بتقديم شكوى للمحكمة الجنائية الدولية باستهداف الصحفيين وقتلهم خلال العدوان على غزة، وتدمير مقرات المؤسسات الإعلامية في برجي الشروق، والجوهرة، وصدرت تعهدات بإضافة ملف مقتل أبو عاقلة إلى شكوى الجنائية الدولية، ولا يمكن الجزم إن كانت العدالة ستأخذ مجراها، وسيُجلب المجرمون للمساءلة، والعقاب.

المؤكد أن مقتل شيرين أبو عاقلة قد فتح قصة استهداف الصحفيين مرة أخرى، وعاد الحديث عن ضرورة تحصين الصحفيين، وأن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تقادمت، ولا تكفي لحمايتهم.

يتمتع الصحفيون والصحفيات بحماية القانون الإنساني الدولي وفق البروتوكول الأول المُلحق باتفاقيات جنيف، ويخضعون لنفس الحماية التي تتوفر للمدنيين، والجدل الدائر منذ سنوات؛ هل يكفي إعطائهم حصانة المدنيين، أم يجب تمييزهم بإعطائهم حصانة مثل "أصحاب الشارات"، الأطباء، والصليب والهلال الأحمر نموذجا.

اتفاقية دولية جديدة لحماية الصحفيين طريق شاق وطويل، لكن ما حصل مع أبو عاقلة يستحق قرع جدران الأمم المتحدة لحثها على وقف شلال الدم المتدفق.

قبل 7 سنوات وبمبادرة من شبكة الجزيرة ومعهد الصحافة الدولي، ومؤسسات وطنية، وشاركت كرئيس تنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، أطلق إعلان عالمي لحماية الصحفيين، وشارك بمراجعته وإجازته العديد من المقررين الخواص لحرية التعبير والإعلام في العالم، وأحدث صدى مهما، لكن القناص الإسرائيلي الذي أطلق الرصاص على رأس الصحفية شيرين أبو عاقلة لم يردعه شيء، هو يريد أن يقتل الشهود (الصحفيين والصحفيات)، ونُكرر ما نقوله دائما قتل الشهود، لا يقتل الحقيقة.

قُتلت شيرين، وستظل حاضرة بصوتها الممزوج بالألم، الذي وثق قصة فلسطين، وقدم سردية تصدت للمخرز الإسرائيلي بكاميرا، ورأس شامخ، ويدين عاريتين.

-------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جانب من جلسة في البرلمان الأوروبي (أرشيف)
بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج

عبد الرحيم التوراني

بعد إدانة المغرب من لدن أعضاء البرلمان الأوروبي بسبب ملف حقوق الإنسان، انعطفت العلاقات بين الطرفين صوب منعرج حرج، لا يبدو في الأفق القريب أنه ستتجاوز مرحلته سريعا، أو أن أزمته ستنفرج بكل بسهولة.

فما هي الخلفيات الكامنة وراء هذا التدهور المريع؟ سؤال مشروع يمكن النبش في بعض أجوبته المحتملة.

ظاهريا، كانت البداية في شهر ديسمبر من العام المنصرم، ليلة الصعود المثير للمنتخب المغربي إلى دور نصف النهاية من كأس العالم لكرة القدم في قطر، حيث بات أول فريق عربي وأفريقي يصعد للمربع الذهبي في هذه المنافسة العالمية.

وبينما العالم منشغل بأطوار نهائيات "المونديال"، أطلقت قضية فساد ذكر اسم المغرب ضمنها، في اتهامات ثقيلة ضد برلمانيين أوروبيين، جرى الحديث عن كونهم تورطوا بتلقي رشاوى مغربية يحقق فيها القضاء البلجيكي، وتستهدف أيضا قطر، ضمن ما أطلق عليه "قطرغيت". وأعرب البرلمان الأوروبي عن "قلقه العميق" إزاء المزاعم القائلة بأن السلطات المغربية قدمت رشوة لبعض أعضائه. وهي الاتهامات التي نفتها فورا وبشدة كل من قطر والمغرب.

وبالرغم من أن أسود الأطلس أظهروا أنهم أنداد حقيقيون لفرنسا بنجومها الكبيرة واللامعة، بل كانوا في الكثير من فترات المباراة هم الأفضل أداء، إلا أن نتيجة المباراة آلت إلى الفريق الأزرق، فرنسا الحالمة بالاحتفاظ باللقب ونيله للمرة الثالثة. هكذا توقف الحلم المغربي عند حدود المربع الذهبي. واعتبر ذلك إنجازا تاريخيا غير مسبوق.

ليلتها احتفلت باريس، وتنفست شرطتها الصعداء، فلم تتحول شوارعها وأزقتها، كما كان مقدرا، إلى ساحات معارك بين الفرنسيين و المهاجرين المغاربة المساندين بالمهاجرين الأفارقة. لكن سياسيين من اليمين الفرنسي لم يفوتوا المناسبة للتصريح بعنصريتهم المقيتة والتعبير عن روح غير رياضية.

لم يتردد جمهور الكرة وقتها في تفسير الاتهام الأوروبي بكونه لا يخرج عن موضوع "ابتزاز واضح ومساومة من أجل (بيع الماتش)" لصالح أوروبا، الممثلة في "منتخب الديكة" الفرنسي، المؤازر بحضور رئيس الدولة إيمانويل ماكرون من المنصة الشرفية لملعب "البيت" في الدوحة، مقابل غياب مثير للجدل لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني! الذي شاهده العالم وهو يلوح بالعلم المغربي الأحمر، معبرا عن فرحته بوصول "أسود الأطلس" إلى المربع الذهبي.

إنها لعبة السياسة عندما تفرض قواعدها على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لتملأ كرة القدم بالسياسة وليس بالهواء المنساب، الذي من دونه تستحيل الحياة على سطح الأرض.

نتذكر الآن، أنه قبل شهر، بتاريخ الخميس 15 ديسمبر 2022، أي في اليوم التالي لمباراة نصف نهائي المونديال، وصلت إلى العاصمة الرباط وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا، في محاولة لتخفيف التوتر الذي تشهده العلاقات الفرنسية المغربية منذ أشهر عدة، وللبحث في مسار العلاقات بين البلدين على امتداد السنتين المنصرمتين، وراج الكلام أنها زيارة للتحضير لزيارة رسمية للرئيس الفرنسي إلى الرباط.

وفي الخامس من يناير الحالي قام مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، بزيارة عمل إلى المغرب. وأذاعت الوكالات في نشراتها لذلك اليوم تصريحا للمسؤول الأوروبي، شدد فيه على أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب "مبنية على المبادئ قبل المصالح". واصفا الشراكة التي تجمع الطرفين بـ"المتينة والاستراتيجية".

ووجب التذكير بالمناسبة، بتحذير وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إثر  استقباله جوزيب بوريل في الرباط، من أن "الشراكة بين المغرب والاتحاد الاوروبي تواجه هجمات إعلامية متكررة وهجمات داخل البرلمان". (11 أغسطس 2021).

وفي يوم الخميس، المصادف لتاريخ 19 يناير 2023، صوت البرلمان الأوروبي على قرار إدانة صريح ضد تعاطي المغرب مع قضايا حقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير، منتقدا بأغلبية كبيرة (356 صوتًا مؤيدًا، من أصل 430) تراجع حرية الصحافة في المغرب، وحث المغرب على "احترام حرية التعبير وحرية الإعلام"، و"ضمان محاكمة عادلة للصحفيين المسجونين"، مع الدعوة إلى "إنهاء مضايقة الصحفيين في البلاد". وتم التأكيد على قضيتي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني وتوفيق بوعشرين، المسجونين بتهم تتعلق بالاعتداء الجنسي.

رد السلطات المغربية كان هو "أن القضاء في المغرب مستقل، وأن القضايا المرفوعة ضد الصحفيين لا علاقة لها بالصحافة".  و"أن قرار البرلمان الأوروبي لن يكون له تأثير على المغرب ولن يخيفه أو يرهبه". وأن "هذا القرار يتناسب مع الاعتداءات والمضايقات التي تتعرض لها المملكة من أولئك الذين أزعجتهم تنمية المغرب وازدهاره ودوره القوي في المنطقة".

وفي اجتماع خاص للبرلمان المغربي أجمع رؤساء فرق الأغلبية والمعارضة على شجب ما صدر من البرلمان الأوروبي، وعبر النواب المغاربة عن "وعيهم بحجم المؤامرات التي تحاك ضد الوحدة الترابية وضد النموذج الاجتماعي والتنموي المغربي، وسنظل على يقظة وتعبئة في اللجان الثنائية والمشتركة ولجان الصداقة البرلمانية للدفاع عن صورة المغرب وحماية مكانته الدولية ومكتسباته الحقوقية والسياسية". وأن المغرب "لا ينتظر دروسا من برلمانيين أوروبيين يملكون أجندة ضد مصالح المغرب، لكونه دولة تتحرك وتتموقع سياسيا واقتصاديا على المستوى الإفريقي والأمريكي، بالإضافة إلى علاقاتها القوية، الشيء الذي خلق متاعب للجانب الأوروبي".

في سياق موازٍ تسارعت المنابر والأجهزة الإعلامية المعروفة بولائها للسلطات، مسنودة بالكتائب الإلكترونية، في النسج على نفس النهج والمنوال. ومن بين البيانات التي شجبت قرار البرلمان الأوروبي المتعلق بحقوق الإنسان في المغرب، نجد المجلس الوطني للصحافة،  وقنوات يوتيوب منها واحدة تحمل اسم "محبي الشرفاء العلويين"، ومجموعات فيسبوكية إحداها باسم "أحرار المغرب"، وأخرى باسم "سلا مدينة القراصنة"، حيث تطالعنا عناوين متسرعة وعشوائية من قبيل:

 [ - البرلمان الاوربي يحاول من جديد ضرب مكتسبات المغرب في مجال حقوق الإنسان". - تهديد وابتزاز وافتراءات واتهامات باطلة !- البرلمان الأوروبي "يتورط" في  إدانة المغرب. - البرلمانيون الأوروبيون يمتهنون حرفة اللصوصية والإكراه لمواجهة تطور المغرب وقوته الصاعدة في إفريقيا والعالم . - خطوة استفزازية ومناورة دنيئة باعتماد البرلمان الأوروبي لتعديلين على تقرير تنفيذ السياسة الخارجية والأمنية المشتركة-2022 ".- مناورات بئيسة صادرة عن أوساط معروفة بعدائها للمملكة، داخل البرلمان الأوروبي. - تدخل سافر في القضاء المغربي المستقل والنزيه ومحاولة بئيسة للتأثير على السير العادي للعدالة  - إن المصوتين على هذه التعديلات، أسسوا مواقفهم على معطيات مغلوطة، ومزاعم باطلة وادعاءات لا أساس لها من الصحة. - كيف نسي البرلمان الأوروبي أو تناسى أن بلادنا تعتبر الشريك الأساسي للاتحاد الأوروبي، في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأن الشراكة بين الطرفين تمثل واحدة من الشراكات الأكثر قربا وتقدما، على جميع الأصعدة والمستويات].

***

لا يمكن للمتبع إلا الاندهاش إزاء مثل هذه التصريحات وردود الفعل المتسرعة، وألا أن يتذكر أساليب المرحوم إدريس البصري، الوزير القوي في حكومة الحسن الثاني. كأننا إزاء شريط تتكرر فيه الحوادث والصور والمواقف ويتم تمريرها أمامنا بالإكراه. "فما أشبه الليلة بالبارحة"! كما قال قديما الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد.

ومن منطق "نظرية المؤامرة"، لكن البعيدة عن زعم أن القمر أجوفَ، أو ما يماثل هذا الإدعاء، لأن ما قاله بوريل عن المصالح والمبادئ معكوس، فلا خلاف أن البرلمانيين الأوروبيين ليسوا كلهم نزهاء في كل مواقفهم السياسية، وخاصة في تصويتهم ضد المغرب بشأن ملف حقوق الإنسان، إذ يطرح في البدء السؤال عن غياب وسبات البرلمان الأوروبي ككيان مؤسساتي، لمدة بلغت ربع قرن من الأعوام، بعد عقود من التستر لم يفتح فيه عينيه ولا فمه عما يجري داخل المغرب من قمع للحريات، ومحاكمات غير عادلة للصحفيين والمدونين، وسجن المدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير. ذلك ما سجلته منظمة "مراسلون بلا حدود" في بيانها الخاص، بالرغم من ترحيبها بالإدانة الأوروبية للمغرب: "إن نتيجة تصويت البرلمان الأوروبي يعد قطيعة مع "25 عامًا من السلبية". وأن "البرلمان الأوروبي وضع حدا لاتجاه مزعج لإعفاء المغرب من أي تعليق على اعتداءاته على حرية الصحافة وحقوق الإنسان". وسبق لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن عممت تقريرا حول تقنيات القمع التي تستهدف صحافيين ومعارضين في المغرب.

وسبق لأعضاء من البرلمان الأوروبي التنديد بـ"إساءة استخدام مزاعم الاعتداء الجنسي لردع الصحفيين عن أداء واجبهم"، ودعوا السلطات المغربية إلى "وقف التجسس على الصحفيين ووضع تشريعات لحمايتهم"، ودعوة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى وقف تصدير تكنولوجيا المراقبة إلى المغرب. على إثر انفجار فضيحة التجسس بواسطة التطبيق الإسرائيلي "بيغاسوس".

أمام كل هذه الزوبعة، يمكن للمرء أن يطرح بضعة أسئلة غير مرتبة:

- هل هناك في المغرب فصل للسلطات؟

- وهل هناك قضاء مستقل وعدالة اجتماعية وتكافؤ الفرص؟

 - وهل يستقيم الحديث حقا عن احترام في المغرب لحرية التعبير وحرية الإعلام، أو عن مغرب ديمقراطي تسود فيه دولة الحق والقانون؟

- من يصدق السلطات حين تتحدث عن "استقلالية" القضاء و"حقوق الضحايا" في التقاضي، وتشديدها على أن "الأمر يتعلق بقضايا جنائية وليس بحرية التعبير"؟

- كيف هي أوضاع قطاعات الصحة والتعليم والعدل؟

- ماذا عن الثروة التي سأل الملك عن مآلها؟ وعن وزواج السلطة بالمال؟

- عن سياسة الريع وإلحاق الأحزاب والنقابات والهيئات المدنية بالإصطبل المخزني وشراء الذمم؟

اذا كان البرلمان الاوربي قد أثار ملف حقوق الانسان بالمغرب فليس ضربا

يكفي الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي للوقوف على الكثير من المظالم والانتهاكات والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة التي تمارسها السلطات ضد المواطنين وضد الفقراء والنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة..

كيف يسجن المحامي والوزير السابق محمد زيان، لمجرد تساؤله عمن كان يحكم المملكة خلال فترة غياب الملك في فرنسا؟

- ماذا عن المرتبة المتدنية التي يحتلها المغرب في مؤشرات التنمية وحرية الصحافة؟

إن مثل هذه الأسئلة البسيطة هي التي تتطلب الإجابة عليها، قبل الرد المتسرع على موقف البرلمان الأوروبي.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).