Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تشييع شيرين أبو عاقلة.
تشييع شيرين أبو عاقلة.

نضال منصور

"حتى لو عُثر على الرصاصة الإسرائيلية التي قتلت شيرين أبو عاقلة، وحتى لو عُثر على لقطات تُظهر مُطلق الرصاص، سيعامله الإسرائيليون كبطل فوق كل الشبهات"، لستُ من يقول هذا الكلام الحازم، والقاطع، والواضح، وإنما يقوله الصحفي الإسرائيلي، جدعون ليفي، في جريدة هآرتس.

لستُ مصدوما من أن تغتال إسرائيل بدم بارد الإعلامية المُخضرمة في قناة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة، والتي رصدت ووثقت بالصوت والصورة لما يُقارب 25 عاما، الجرائم الإسرائيلية التي تتحدث عنها المؤسسات الحقوقية الدولية، وحتى لا ننسى؛ تذكروا صورة الناشطة الأميركية، راشيل كوري، التي سحقتها جرافة إسرائيلية عام 2003، والنتيجة التي خلُص لها تقرير سري للجيش الإسرائيلي أن وفاتها حادث مأساوي، والنتيجة أيضا أن الرئيس الأميركي، وقتها، جورج بوش، سكت عن الجريمة، ولم يفعل شيئا.

سعت إسرائيل منذ اللحظة الأولى للاغتيال، والقتل المتعمد خارج القانون للإعلامية أبو عاقلة إلى تعميم رواية مُفبركة مفادها أنها ربما قُتلت برصاص "المسلحين الفلسطينيين"، قبل أن تتراجع إسرائيل عن هذه الرواية في اليوم نفسه وتقول إن الظروف الحالية لا تسمح بتحديد مصدر الرصاصة وتعمل عبر تحقيق خاص على كشف الجهة التي أطلقت الرصاص.

وفي ساعات قليلة، كُذبت القصة المُختلقة، وجاء الرد من منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية التي عاينت منطقة مقتلها لتصل إلى نتيجة أن الاحتلال وقواته هم وراء هذه العملية، وتؤكد "بتسيلم" أن جهاز التحقيق الإسرائيلي هو مجرد منظومة تطمس الحقائق.

وتسرد "بتسيلم" حقائق تقديمها مطالبات للنيابة العسكرية الإسرائيلية للتحقيق في 739 حالة قتل واعتداء على فلسطينيين تأكدت من مصداقيتها، ربع هذه الحالات لم يجرِ التحقيق فيها حتى عام 2016، ونصف الحالات فُتح تحقيق فيها وأغلق دون أي نتيجة، "بتسيلم" ترى وتُعيد التأكيد على أن النيابة العسكرية ليست سوى أداة لتمويه الجرائم التي ترتكبها القوات الإسرائيلية.

تحت سقف الكنيست الإسرائيلي تحدى النائب العربي، أحمد الطيبي، رئيس الحكومة الإسرائيلية، وقال مخاطبا إياه: "أنت تعرف القاتل الذي أطلق النار، وفي أي (جيب) عسكري كان يركب، والبندقية مع العدسة التلسكوبية التي أطلقت الرصاص"، وحين كذبه رئيس الحكومة، وصفه الطيبي بأنه "نصاب".

الصحافة الإسرائيلية توصلت إلى معلومات خلاصتها أن جنديا إسرائيليا على بعد 190 مترا هو من أطلق الرصاص على شيرين، وقد نفى خلال التحقيق أنه رآها، ولا يعرف إن كان قد أطلق النار عليها.

لو لم تقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة لكانت ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو، قد مرت دون أن يجزع أحد للانتهاكات المستمرة، والمتصاعدة بحق الإعلاميين والإعلاميات، وكل أجراس الإنذار التي تقرعها المؤسسات المدافعة عن حرية الإعلام لا توقظ المجتمع الدولي الذي يغط في سبات عميق.

مراجعة المواقف الدولية، والبيانات الصادرة بعد اغتيال أبو عاقلة تبعث على الغثيان، فالأمين العام للأمم المتحدة يشعر بالارتياع، ووزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، منزعج من استخدام إسرائيل للقوة، والاتحاد الأوروبي يُدين العنف بشكل غير مُتناسب، كلام بصراحة يبعث على السُخرية في حضرة الموت، وغالبيتهم حتى لا نقول كلهم، لم يوجهوا أصابع الاتهام لإسرائيل بجريمة قتل أبو عاقلة، ولا يُعارضون أن يُشارك القاتل (إسرائيل) في لجان التحقيق.

مختصر القول؛ هذه مهزلة تكشف المعايير المزدوجة بأقبح صورها، فقبل أشهر، وتحديدا في آذار الماضي قُتل الصحفي الأميركي، برينت رينو، خارج العاصمة الأوكرانية، كييف، فسارعت الإدارة الأميركية لإدانة روسيا، وغرد المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، بالقول: "نحن مرعوبون من أن الصحفيين (غير المقاتلين) قد قتلوا، وأصيبوا على أيدي قوات الكرملين"، وحين قُتلت أبو عاقلة بعد أشهر قليلة اكتفى برايس بالإعراب عن حزنه، ودعا إلى إجراء تحقيق شامل، ومحاسبة المسؤولين، وكل كلامه أفعال مبنية للمجهول، فهو لم يقم بإدانة إسرائيل مثلما أدان روسيا دون الحاجة للجنة تحقيق، وهذا ما يدفع للتساؤل إن كان "الزهايمر" يُصيب الزعماء الغربيين حين يتعلق الأمر بالانتهاكات الإسرائيلية.

لست مدافعا عن روسيا، وأرفض الحروب، والعدوان، لأن الشعوب تكون ضحيتها، ولكنني أمقت النفاق، والدجل السياسي الذي لا يلتفت للأرواح التي تُزهق، وتُرعبني "العدالة الانتقائية"، التي تُطبق هنا، ولا تُطبق هناك، والأكثر خطرا في تسامح العالم مع دولة مارقة، ترى نفسها فوق القانون، ولا تأبه إلى تصنيفها بدولة فصل عنصري.

يُعلق اللاعب المصري المعروف، محمد أبو تريكة، على هذه الازدواجية، فيقول: "هل أنتم أسود على روسيا، وفئران أمام إسرائيل".

الصحفي الإسرائيلي، شلومو إلدار، يتحدث عن جنازة شيرين أبو عاقلة، وما حدث خلالها من انتهاكات، بقوله: "أي إنسان عاقل يرى أشخاصا يرفعون نعشا وبداخله جثمان، ثم ينهال عليهم ضربا، وما هو كمُ الكراهية الذي يجب أن يكون بداخلك حتى تقوم بمثل هذا الفعل؟، من هو عديم الإحساس، الأحمق، أو كلاهما الذي أعطى الأوامر؟ الصورة لا تدل على القوة، وإنما تدل على الضعف"، والنائب الإيرلندي، ريتشارد باريت، يعتبر الاعتداء الإسرائيلي على الجنازة "عملا همجيا"، يكشف "لشعوب العالم أن إسرائيل دولة إرهابية".

استشهاد الصحفية شيرين أبو عاقلة قد يكون نقطة تحول في ملاحقة إسرائيل على جرائمها على امتداد العقود الماضية، وأيقظ إرادة المقاومة عند الفلسطينيين، وتجلت الصورة برفض المُشيّعين أن ينصاعوا لأوامر جنود الاحتلال عندما كان يرفعون نعش شيرين بيد، وبالأخرى علم فلسطين خفاقا، رغم عنف العدوان عليهم أمام كاميرات كل العالم بلا خجل.

كل المؤسسات الدولية والوطنية الحقوقية توحدت أصواتها في فضح الجريمة الإسرائيلية، مؤسسة الحق الفلسطينية أجرت تحقيقا أوليا، وقدمت تصورا تفصيليا لما حدث ميدانيا بالزمان والمكان، وانتهى إلى أن إطلاق الرصاص المتواصل على الصحفيين يدعو للاعتقاد أن من يطلق الرصاص كان يستهدفهم، وأن المسليحن الفلسطينيين لا يمكن أن يصل رصاصهم لمكان تواجد الصحفيين، وأن المقذوف المشوه الذي ظهر بالتشريح يقتنيه فقط جيش الاحتلال، والرصاص مصدره كذلك قوات الجيش الإسرائيلي.

قبل عام أقرت المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها بالنظر بالجرائم الجسيمة المُرتكبة في الأراضي الفلسطينية، ومايكل لينك، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أكد أن هذا القرار خطوة رئيسية نحو إنهاء إفلات الاحتلال من العقاب، مُبينا أن المجتمع الدولي سمح لثقافة الاستثناء أن تسود، ولو تم إنفاذ الالتزامات القانونية منذ سنوات لكان الاحتلال قد انتهى.

نقابة الصحفيين الفلسطينيين وبمشاركة، ودعم الاتحاد الدولي للصحفيين قاما بخطوة شجاعة بتقديم شكوى للمحكمة الجنائية الدولية باستهداف الصحفيين وقتلهم خلال العدوان على غزة، وتدمير مقرات المؤسسات الإعلامية في برجي الشروق، والجوهرة، وصدرت تعهدات بإضافة ملف مقتل أبو عاقلة إلى شكوى الجنائية الدولية، ولا يمكن الجزم إن كانت العدالة ستأخذ مجراها، وسيُجلب المجرمون للمساءلة، والعقاب.

المؤكد أن مقتل شيرين أبو عاقلة قد فتح قصة استهداف الصحفيين مرة أخرى، وعاد الحديث عن ضرورة تحصين الصحفيين، وأن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية تقادمت، ولا تكفي لحمايتهم.

يتمتع الصحفيون والصحفيات بحماية القانون الإنساني الدولي وفق البروتوكول الأول المُلحق باتفاقيات جنيف، ويخضعون لنفس الحماية التي تتوفر للمدنيين، والجدل الدائر منذ سنوات؛ هل يكفي إعطائهم حصانة المدنيين، أم يجب تمييزهم بإعطائهم حصانة مثل "أصحاب الشارات"، الأطباء، والصليب والهلال الأحمر نموذجا.

اتفاقية دولية جديدة لحماية الصحفيين طريق شاق وطويل، لكن ما حصل مع أبو عاقلة يستحق قرع جدران الأمم المتحدة لحثها على وقف شلال الدم المتدفق.

قبل 7 سنوات وبمبادرة من شبكة الجزيرة ومعهد الصحافة الدولي، ومؤسسات وطنية، وشاركت كرئيس تنفيذي لمركز حماية وحرية الصحفيين، أطلق إعلان عالمي لحماية الصحفيين، وشارك بمراجعته وإجازته العديد من المقررين الخواص لحرية التعبير والإعلام في العالم، وأحدث صدى مهما، لكن القناص الإسرائيلي الذي أطلق الرصاص على رأس الصحفية شيرين أبو عاقلة لم يردعه شيء، هو يريد أن يقتل الشهود (الصحفيين والصحفيات)، ونُكرر ما نقوله دائما قتل الشهود، لا يقتل الحقيقة.

قُتلت شيرين، وستظل حاضرة بصوتها الممزوج بالألم، الذي وثق قصة فلسطين، وقدم سردية تصدت للمخرز الإسرائيلي بكاميرا، ورأس شامخ، ويدين عاريتين.

-------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة مؤيدة لحقوق المرأة في تونس- أرشيف
تظاهرة مؤيدة لحقوق المرأة في تونس- أرشيف

سناء العاجي الحنفي

يحتاج الطفل إلى انتقال من المدرسة...؟ لابد من حضور الأب لأنه الولي القانوني عليه. يحتاج القاصر لاستخراج جواز سفر للمشاركة في رحلة مدرسية...؟ وحده الأب يستطيع استخراج الجواز.

تفتح الأم حسابا بنكيا باسم ابنها أو ابنتها بهدف الادخار للتعليم العالي...؟ ستكتشف لاحقا أنها لا تستطيع استعمال المبالغ المودعة من طرفها... لأن الحساب البنكي باسم أبنائها، ولأن الأب وحده ولي قانوني عليهم. 

هذا جزء من المشاكل التي تعيشها مئات النساء المطلقات (وحتى المتزوجات أحيانا) بسبب القانون المغربي الذي يعتبر أن الولي القانوني الوحيد على الأطفال، ما داموا قاصرين، هو الأب. 

منذ أيام قليلة، اشتهرت في المغرب حكاية جديدة لأم مطلقة تعاني الأمَرَّين من أجل القيام بعدد من التفاصيل الإدارية الخاصة بطفلها. الكثيرون تابعوا الحكاية، لأن الأم والأب ممثلان مغربيان مشهوران... أخيرا، انتبه الكثيرون للحكاية ولوجعها. لكن الحقيقة أن هذا الواقع يمس آلاف النساء وآلاف الأطفال عبر المغرب... فهل، لأنهم لا ينتمون لفئات المشاهير، لا يستحقون أن ننتبه لعبث وضعيتهم ولضرورة تغيير القوانين التي تتسبب لهم (أمهات وأطفال وطفلات) في كل هذا الحيف؟

بشكل مستمر، قد نصادف حالات لأمهات مطلقات يعانين من تبعات هذا الأمر. أحيانا، لكي ينتقم الأب منها بسبب الخلافات بينهما، سيعقد المساطير القانونية حتى لو دفع الأبناء الثمن. وفي أحيان أخرى، قد يكون حَسَن النية، لكن ظروفه لا تسمح له بالقيام بكل الإجراءات. مثلا، إذا انتقل للسكن في مدينة أخرى، فكيف سيكون بإمكانه الحضور باستمرار للقيام بكل التفاصيل الإدارية الخاصة بالأبناء، حتى إن كان يرغب فعليا في ذلك؟

ثم، أليس الأصل في الحكاية أن يكون الوالدان أوصياء على مصالح أبنائهما إلى أن يصل هؤلاء إلى سن الرش القانوني؟ أليس من العبثي ومن الحيف الشديد ألّا يكون للأم هذا الحق، ليس لعيب يتعلق بأهليتها كفرد، لكن لمجرد أنها أنثى وأن المشرع يعتبر أن الولاية القانونية للذكر، حصريا؟

المفروض، منطقيا وبلغة الحقوق والمساواة والعدل، أن يكون الوالدان وصيين قانونيين على الأطفال حتى بلوغهما سن الرشد. وفي حالة الطلاق، فمن المنطقي أن تكون الولاية القانونية للحاضن، إذ لا يعقل أن يتكفل الحاضن، وهو في معظم الحالات الأم، بكل تفاصيل الأطفال اليومية، وأن تبقى مكتوفة اليدين أمام أي تفصيل إداري لأنها لا تملك زمام تدبير الأمور القانونية. 

بدون كثير حجج وتبريرات... منع الأم من الولاية القانونية على أبنائها لا يمكن ترجمته إلا بكون المشرع يعتبرها قاصرا وغير ذات أهلية. ليس هناك منطق في الكون يحرم شخصا من الولاية القانونية على أبنائه القاصرين، ليس لعدم أهلية ثابتة لديه، بل فقط لانتمائه الجنسي. فهل نتخيل مثلا، بنفس المنطق، حرمان الآباء سود البشرة من الولاية القانونية على أبنائهم بسبب لون بشرتهم؟ سنعتبر ذلك قانونا عنصريا... وهو كذلك بالتأكيد. تماما كما هو ميزوجيني القانون الذي يؤسس لحرمان النساء من الولاية القانونية على أبنائهن اعتمادا على معيار بيولوجي مرتبط بانتمائهن الجنسي... منطق لا يعتمد الأهلية الشخصية لكل فرد، بل يتوقف عند عنصر بيولوجي محض.

ليس هناك أي منطق للحديث عن حقوق النساء وعن المساواة مادام القانون يعتبرهن قاصرات بالضرورة. من حق الأم ومن حق الأبناء أن تكون الولاية القانونية للأمهات أيضا.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).