Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مسلم يقرأ القرآن في شهر رمضان في مدينة سريناغار بكشمير (تعبيرية)
مسلم يقرأ القرآن في شهر رمضان في مدينة سريناغار بكشمير (تعبيرية)

د. توفيق حميد

كنت قد ذكرت في إحدى مقالاتي السابقة كيف انضممت في فترة من حياتي، وكانت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إلى الجماعة الإسلامية المصرية وكيف تم "غسل مخي" في فترة بضعة أشهر فقط وتحويلي من شاب يريد أن يرضي الله إلى شاب صاحب فكر جهادي متطرف مستعد أن يفعل أي شيء لنصر أيديولوجيته الدينية المتطرفة. 

والآن أتطرق لعدة عوامل دفعتني بعد عامين من الانضمام إليهم لقرار أن أتركهم وأصبح مسلما حقيقيا يسلم الناس من يدي ولساني وليس "إسلامياً" متطرفاً يريد فرض فكره بالعنف على غيره.

وأول هذه العوامل التي دفعتني لترك هذه الجماعة وغيرها من الجماعات المتطرفة هو تناقض مفاهيمهم الدينية مع صريح القرآن. فهم على سبيل المثال يؤمنون بضرورة قتل المرتد بالرغم من وضوح القرآن بصورة لا لبس فيها في حق أي إنسان في إختيار دينه أو عقيدته كما جاء في الآيات الكريمة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وآية "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

أما العامل الثاني الذي ساهم في اتخاذ قراري بتركهم فهو اكتشافي لكذبهم على الناس في أمور الدين. فعلى سبيل المثال لا الحصر كنا قد بدأنا حملة لتحجيب الفتيات وكنا نستخدم فيها كل أساليب الترهيب الفكري من عذاب قبر  وحرق إلى لانهاية في النار حتى ترتعد أوصالهن ويطلبن الحجاب بالرغم من عدم ذكر الكلمة (أي الحجاب)  في القرآن بمعنى "زي" أو "لباس" بعينه ولو لمرة واحدة.

ومما زاد الطين بلة أننا بعد استخدامنا لحديث "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لا يصح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه"، اكتشفنا أنه حديث كاذب فمن رواه عن عائشة مباشرة  هو "خالد إبن دريك" وهو لم يرى عائشة ولو لمرة واحدة في حياته لأنه وُلِد بعد وفاتها أي أن ماذكره من أنها قالت له هذا الحديث له هو أمر مستحيل فعلياً.

وكان رد فعلنا على هذا الأمر هو أن نخفي على الفتيات والنساء هذه الحقيقة وبدأنا نحور فهم بعض الآيات القرآنية لكي نستخدمها في غير موضعها كي نحجب النساء وكانت عملية تحجيب المرأة هو أهم جزء في مخططنا للسيطرة على عقول الناس.

وكانت مشكلتي في هذا الأمر أنني رأيت كيف تكذب هذه الجماعات بل تفتري على الله كذبا ليقنعوا الناس بفكرهم الديني. فمبدؤهم الذي يؤمنون به هو أن "الغاية تبرر الوسيلة" حتى لو كانت الوسيلة هي استخدام أحاديث موضوعة وكاذبة مثل حديث "الحجاب" لتحقيق أهدافهم في إخضاع عقول الناس لهم ولفكرهم.

أما الأمر الثالث فهو "التنطُّع" وهو يعني التشدد في أمور لا تحتاج إلى التشدد وكما جاء في حديث "ألا هلك المتنطعون" (وكررها ثلاثاً).

و"تنطُّع" الجماعات الإسلامي تجلى عندي في إصرارهم الشديد على محو هويتي تماماً فبعد أن كنت مثل باقي الناس في مصر نقول "ألو" في التليفون "وسعيدا" للسلام على الناس ونقول "برجالاتك" في سبوع المولود أو المولودة، أصروا وبشدة على إلغاء هذه الأشياء واستبدالها بأمور لم يذكرها القرآن ولو لمرة واحدة.

فإستبدلوا كلمة "ألو" في التليفون و"سعيدا" بـ"السلام عليكم" بنبرة غالباً ما تكون مملؤة بالشدة والغلظة واستبدلوا "سبوع" المولود بعادة جاهلية كانت موجودة قبل الإسلام تسمى "العقيقة" بما فيها من تحقير للأنثى حيث أنها تكون شاتان (خروفان) عن الغلام، وشاة واحدة عن الأنثى!

وهو أمر يتفق تماما مع الفكر الجاهلي بتحقير الأنثى والذي ذكره القرآن في الآية الكريمة "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ" * "يَتَوَارَىٰ مِنَ اٱلْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱالتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ" (سورة النحل آية 58-59). 

ويأتي العامل الرابع بعد ذلك وهو "إماتة الضمير البشري" فعند هذه الجماعات فإن فعل شيء يتناقض مع ضمير الإنسان هو شيء مقبول طالما أنه كما يقولون "حلال". فالزواج من ثانية وضرب الزوجة والرجم حتى الموت هو أمر لابد أن أقبله حتى لو خالف ضميري ونفسي لأنه ببساطة "حلال".

ويذكرني هذا بقول الله تعالى "وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ" وذلك حتى يستخدم الإنسان ضميره في الحكم على الأشياء كما قال القرآن: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا".

فضمير الإنسان الطبيعي يعلم أن الزواج من امرأة ثانية هو ظلم للزوجة الأولى وأن ضرب المرأة شيء بشع لا ينبغي قبوله وأن الرجم أمر همجي لم يذكره القرآن إلا كفعل يفعله المجرمون مثل ما تم ذكره في قصة إبراهيم: "قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا"، ومثل قصة نوح: "قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ اٱلْمَرْجُومِينَ"، ومثل ما قاله أهل الكهف عن قومهم: "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا"، ومثل ما قاله سيدنا موسى عليه السلام عمن يريدون قتله: "وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ". 

أما العامل الخامس وراء تركي للجماعة الإسلامية المصرية هو تقديسهم وحبهم للرسول أكثر من حبهم لله ذاته. فهم لا يسبحون اسم الله الأعلى إذا ذُكِر أمامهم ولكنهم ينتفضون لإلقاء السلام على الرسول إن تم ذكره بالرغم من أن الذي قال "صلوا عليه وسلموا تسليما" هو أيضاً الذي قال "سبح  اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى"! فلماذا يطبقون آية ويهملون أخرى؟  

وكان هذا الأمر هاماً بالنسبة لي، خاصة بعد أن قال القرآن الكريم مايلي: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّه" (سورة البقرة).

وكانت العوامل المذكورة أعلاه هي العوامل الرئيسية في اتخاذي قراري بترك المتطرفين مثل الجماعة الإسلامية ورفض من على شاكلتها من الجماعات الإسلامية المتطرفة!

وللحديث بقية!

-------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب
شارع في وسط الدار البيضاء في المغرب

سناء الحنفي العاجي

بعد سنوات من العشرة الطيبة والمحبة والتساكن، تكتشف فوزية خيانة زوجها لها مع ابنة أختها، في قلب بيتها. من هول الصدمة ووجع الغدر، تغادر بيتها وتتوجه لفندق تقضي فيه الليلة إلى أن تقرر ما هي فاعلة. هنا، تكتشف أن الفندق يرفض استقبالها لأنه يوجد في مدينة الدار البيضاء... ولأن بطاقتها تشير إلى كونها تقيم في نفس المدينة! هل هناك قانون يقر بهذا؟ أبدا... لكنها ممارسة فعلية في الفنادق المغربية. ورغم أن وزير الداخلية يقول إنها غير قانونية، لكن هذا لا يمنع من كونها حقيقية ومازالت تُفَعَّل إلى غاية الآن!

هذا أحد مشاهد المسلسل المغربي الجميل جدا، "بغيت حياتك"، والذي تبثه حاليا القناة الثانية. المسلسل، الذي أخرجه شوقي العوفير ويؤدي أدواره الأساسية ثلة من النجوم المغاربة (سامية أقريو، نورا الصقلي، عزيز الحطاب، مريم الزعيمي، عبد الله شاكيري، عبد اللطيف شوقي، عبد الله ديدان، بشرى أهريش وغيرهم) يتطرق لعدد من القضايا الإنسانية، بفنية وجرأة. جرأة لم تتعامل مع هذه القضايا بخطاب نضالي ترافعي لا يفترض أن يكون الفن مكانَه، لكن بفنية وسلاسة وجمالية راقية. 
المسلسل يسائل مثلا قضية شديدة الحساسية كالأمومة، حين لا تكون اختيارا واعيا. قوة السيناريو وعبقريته أنه لا يُوَجّه سهام الاتهام لشخصية الأم، التي اكتشفت أنها غير راغبة ولا قادرة على الأمومة، لكنها لم تفكر في الأمر مسبقا. تزوجت رجلا تحبه وأنجبت كما تنجب ملايين النساء، دون تفكير واعي في تبعات الأمومة! 

يتطرق المسلسل للعلاقات الإنسانية وتعقيداتها، الهشاشة النفسية والعاطفية للأفراد... الشخصيات حقيقية وإنسانية بهشاشتها وتعقيداتها دون أحاديات تجعلها شريرة في المطلق أو طيبة في المطلق. الجارة نجاة بتناقضاتها وشطحاتها التي لا تنزع عنها شعلة الإنسانية والطيبة حين يستلزم الأمر تغليب الإنسان فيها؛ كريم بهشاشته في حبه، لكن من دون أن يكون ضعيفا مهزوزا كما قد تصوِّر شخصيَته العديد من الأعمال الدرامية؛ مريم التي نتساءل هل تحب فعلا أم أنها تدمن العلاقة العاطفية السامة ببعضٍ من الألفة؛ عزيز الذي يحب ولكنه يستكين لوضع مريح بالنسبة له؛ الجار علال كما نعرف المئات منه في أحيائنا الشعبية: "زهواني"، خدوم، شعبي حتى النخاع لكن دون ابتذال، فوضوي وفي نفس الوقت "ولد البلاد" حين يقتضي الأمر ذلك... 

شخصيات حقيقية كما نحن، صادقة حتى في خبثها أحيانا. هشة حينا وضاجة في أحيان أخرى.  كما أن إحدى ميزات المسلسل، فضلا عن سيناريو محبوك إلى غاية الحلقات التي تابعناها (إذ أن بث الحلقات لم يكتمل بعد)، كونه تطرق لقضايا جريئة دون أن يحاكم الشخصيات التي قد ينظر لها المواطن العادي (وقد تصورها أعمال أخرى) بشكل قدحي أو سلبي. تعامل معها كمكون من مكونات المجتمع بتعقيداته وتنوعه. 

في حكاية الفندق التي بدأنا بها هذا المقال، هناك طرح فني يفترض أن يسائل ممارسة فعلية في المغرب، لا سند قانونيا لها، لكنها عرفٌ لا يمكن ترجمته إلا بصيغة واحدة: كل امرأة تختار أو تضطر لأن تقيم في فندق في نفس مدينتها، هي مهنية جنس لا يفترض أن نسمح لها بذلك. 

وماذا عن فوزية ومثيلاتها ممن قد تضطرهن ظروف الحياة للمبيت في فندق بمفردهن؟ ماذا عن صديقتي أسماء التي يقيم أهلها في سلا والتي تأخرت في إحدى الليالي في الرباط، بسبب تنظيم المؤسسة التي كانت تشتغل فيها حينها، لتظاهرة مهنية كبيرة. ولأنه كان يفترض أن تعود للعمل في وقت مبكر صباح الغد، فضلت صديقتي المبيت في فندق في الرباط. لكن معظم فنادق العاصمة رفضتها. ماذا عن الفنانة سامية أقريو نفسها التي حكت صديقتها نورا الصقلي في أحد الحوارات كيف أنهما، خلال إحدى الجولات المسرحية، توجهتا لفندق في الدار البيضاء. الفندق قَبِل استضافة الفنانة نورا الصقلي لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الرباط ورفض استقبال الفنانة سامية أقريو لأن بطاقتها تشير لإقامتها في الدار البيضاء. نتحدث هنا عن فنانتين معروفتين ويفترض أن يفهم موظف الاستقبال طبيعة مهنتهن، فماذا عن مئات النساء ممن لسن في شهرتهما؟

أليست هذه إهانة لكل النساء بكل مستوياتهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ من شخصية فوزية، الممرضة البسيطة، إلى الفاعلة الحقوقية إلى الفنانة... إلى الطبيبة والمهندسة والعاملة والبرلمانية. كلنا متهمات بامتهان الجنس إلى أن نثبت العكس. يمكننا المبيت في العراء، لكن توفير غرفة في فندق فيه تهديد للأخلاق والقيم المجتمعية!!!

الإشكالية التي تطرق لها المسلسل في مشهد واقعي، والتي تطرقنا لها أكثر من مرة في السابق، هي مثال من أمثلة كثيرة عن واقع مر: الواقع المجتمعي والممارسات تتطور بشكل سريع جدا، يجعل حكايات فوزية وأسماء وسامية أقريو والمئات من النساء العاملات في قطاعات كثيرة، يعشن واقعا لم يفهمه بعد المشرع ولا المؤسسات التي تسهر على تطبيق هذه الممارسات. حكاية الفندق إحداها، لكن هناك عشرات القضايا التي سبقت فيها الممارسات واقع القوانين... والتي نحتاج للكثير من المقالات والمسلسلات والكتب... لكي نزعزع الصخر الراكد فوقها!

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).