Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المحجبات يشكين من عداء العلمانيين في فرنسا
المحجبات يشكين من عداء العلمانيين في فرنسا

ابتهال الخطيب

خطرة جداً المواقف التي تتخذها فرنسا على المنظومة الحقوقية العالمية، خطرة جداً ثقافة الإلغاء الآخذة هي في تثبيتها في الفكر الإنساني. الحقيقة أن الموقف "الإلغائي" الفرنسي ليس بجديد، ولربما بالإمكان فهم مصادره التاريخية المنقوعة بالدماء، إلا أن الفهم ليس تبرير ولا يمكن أبداً أن يكون موافقة على استمرارية هذا التشويه لوجه الحرية.  

لقد قدمت فرنسا في 1789 للعالم ثورة غيرت وجهه، ثورة مرت بارتفاعات وانخفاضات متعددة، بنجاحات وإخفاقات كثيرة، إلا أنها ثورة ثبتت ليس فقط فكرة الرعب الفرنسي من الأيديولوجية الدينية أياً كانت، ولكنها غرست كذلك منظومة التطرف الفرنسي في الاتجاه المعاكس للاتجاه الديني وأسست لثقافة الإلغاء الحادة التي سادت واستمرت من وقتها. وعليه أتى رد الفعل تجاه التطرف الديني المتحالف مع المخملية الطبقية في صورة تطرف الثوار العلمانيين بعد قيام الثورة حد تحولهم إلى كليرجي علماني ليس فقط فكراً بل وحتى مظهراً، حيث تقول الروايات أن الكثير منهم كان يلبس القفاطين المهيبة الشبيهة بقفاطين القساوسة رفيعي الشأن إبان مخاطبة العامة. أعمل هؤلاء الذبح في أعداء الثورة من المتدينيين والملكيين في الشوارع بالمقاصل، وسبحت فرنسا في بحور من الدماء لفترة طويلة لا تزال بقاياها "تقطر" على فرنسا والعالم بين الفينة والأخرى. لقد بلغت الحساسية بالعامة مبلغاً حد اضطرار الحكومة الفرنسية، على سبيل المثال، إخفاء لوحة "ليدي ليبرتي تقود الشعب" للفنان يوجين ديلاكروا، والتي قدمها بعد ثورة  1830، لمدة ثلاثين سنة من بعد إتمامها نظراً إلى أن مجرد عرضها على الشعب كان بإمكانه إشعال الشارع من جديد. إشتعلت فرنسا من أواخر القرن الثامن عشر ويبدو أنها لم تهدأ بعد، لم تتخطى عداءاتها الدينية وعقدتها تجاه أي منحى عقائدي بعد، أصبحت العقدة الفرنسية مزمنة بحق. 

إن محاولة إجبار اللاعب إدريس جايا على لبس شارة تأييد التعدد الجندري، من حيث توجيه إنذار له بسبب امتناعه عن ذلك ومن حيث إلزامه من قبل لجنة الأخلاق في الاتحاد الفرنسي بارتداء القميص الذي يحمل الشارة وإرسال صورة لإبراء ساحته وإثبات تأييده وإلا فإنه مهدد بالطرد، هي محاولة محملة بالقمع والإجبار والإلغاء التي يفترض أن لجنة الأخلاق بحد ذاتها تحاول محاربتها من خلال إجراءاتها. فطالما أن جايا لم يتعرض لأحد ولم يعتد على الحريات بالكلام أو بالفعل، فبأي حق تتم معاقبته؟ من المستغرب بحق أن يتم الدفع بالعقوبة على عدم إتيان الشيئ عوضاً عن العقوبة على إتيانه، ذلك أنه على الرغم من أن عقوبة الامتناع ممكنة ومستحقة أحياناً إلا أنها في المواقف الفكرية الأيديولوجية تتحول إلى عقوبة متعسفة. أن تتم معاقبة جايا على الإساءة فهذا مقبول بل ومتوقع، لكن أن تتم معاقبته على عدم التأييد، على الصمت، فهذا ما يدخل في حيز القمع والإلغاء. 

ولقد كنت كتبت سابقاً أنتقد أبو تريكة الذي ظهر في برنامج يطالب بعدم بث مباريات الدوري الإنجليزي بسبب من إرتداء اللاعبين لشارات تأييد التعدد الجندري. كانت حجة أبو تريكة هزيلة وكلامه ينحى إلى الكراهية ضارباً مثل بابنته التي يخشى على مفاهيمها حين لا يتمكن هو من تبرير وشرح معنى هذه الشارات لها، وكأن ابنته تعيش في زمان غير الزمان وعالم غير العالم، وكأنه غير قادر على توضيح الفروق الفكرية والأيديولوجية واختلاف العادات والتقاليد التي أصم بها المتحدثون آذاننا في هذا الجزء من العالم (رغم أن التراث مليئ بالتعددية الجندرية في عالمنا)، وكأنه وصي على القنوات ومداخيلها والمشاهدين وأخلاقياتهم. توجه بوتريكة مرفوض إنسانياً وحقوقياً وخطابه معبأ ينحو لإقصاء الآخر. بالمقارنة، ماذا أتى إدريس جايا؟ وكيف يتم الاعتداء على حقه في الامتناع عن اتخاذ موقف لا يؤمن به دون أن يضر غيره أو القضية بحد ذاتها؟ 

ماذا لو رفض شخص تأييد حق من حقوق المرأة التي يفترض أن تكون بديهية في زمننا الحاضر، هل يفترض أن نتوقع إيقاع عقوبة بهذا الشخص لامتناعه عن تأييد أفكارنا وإيمانياتنا؟ أضرب المثل بقضايا المرأة لأنها الأٌقرب إلى قلبي والأكثر إلحاحاً من بين القضايا الإنسانية في زمننا الحالي في رأيي، فهل يمكن أن أقبل، وأنا أؤمن إيمان مطلق بقضية المرأة، بإيقاع عقوبة بمن لا يؤيد هذه الحقوق سلباً، أي بمن لا يؤيد صمتاً، مجرد ممتنعاً عن اتخاذ موقف مؤيد؟ منذ متى بدأت المنظومة الإنسانية تتبنى ثقافة إلغاء الآخر إلى هذا الحد؟ وكيف سنحافظ على التعددية إذا كنا بإسم الحق نقتل حق الآخر في اتخاذ الموقف، بإسم العدالة نظلم الآخر ونقمعه، بإسم الإنسانية نحرمه من حقه الأول في التعبير عن رأيه أو على الأقل في الامتناع عن تأييد ما لا يؤمن به؟ 

من المؤسف أن فرنسا، صاحبة الثورة التي غيرت وجه البشرية وأسست لمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، لا تزال آخذة في ضرب مفهوم العلمانية في لب قلبه وهي تتخذ مواقف عنيفة من المخالفين للرأي المعلن فيها، فمن فرض إلغاء الحجاب ومعاندة كل المظاهر الدينية، إلى اضطهاد أصحاب التوجهات العقائدية من خلال سلوكيات أمنية انعكست على السلوكيات الشعبية في الشوارع، إلى رفع رئيسها للكاريكاتيرات المسيئة للنبي محمد على مباني الدولة الحكومية وصولاً اليوم إلى إيقاع عقوبات بمن لا يعلن تأييد التعددية الجندرية؟ وماذا بعد؟  

إن المنظومة الإنسانية الحديثة تحتم علينا إفساح المجال لكافة الاختلافات وتأمين أصحابها أياً كانت وكانوا، إلا أن المنظومة الإنسانية في منحى حمايتها هذه لا يجب أن تفرض ولا تملك أن تفرض على الطرف الآخر تقبل هذه الاختلافات أو الدعوة إليها أو حتى احترامها. أقصى ما يفترض من المنظومة الإنسانية هو أن تدعو للتعايش من خلال حفظ أمن الجميع، غير ذلك، لا تملك المنظومة الإنسانية فرض احترام أو الإجبار على قبول أو القسر على التأييد أو الترويج. لا يمكن اليوم تحت أي راية حقوقية قسر الآخرين على تبني موقف حقوقي دع عنك فرض عقوبة بسبب تركه، هذا منحى يتضارب جذرياً مع المفاهيم الحقوقية في الواقع ويهدم هذا الصرح الحرياتي العظيم الذي ناضلت الإنسانية للوصول إليه. 

ستصل فكرة التعدد الجندري بعلميتها وفسيولوجيتها واجتماعيتها وسياسيتها وكافة أبعادها ذات يوم لعالمنا الغائر وسيفهم الناس معنى وبعد القضية ولو بعد حين. إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم على الطريقة الفرنسية العنيفة مطلقاً. لربما يقول البعض أن هذا شأن داخلي فرنسي وأن للجنة الأخلاق اتخاذ القرار الداخلي المناسب، إلا أن واقع الحال يقول أن لا شأن عاد داخلياً بعد الآن، وأن ما تأتيه فرنسا يرن صداه في العالم أجمع، وأن القمع والإلغاء بإسم الشأن الداخلي، كما كانا مرفوضين من بوتريكة، هما مرفوضين من الاتحاد الفرنسي، وهما الهادمين الرئيسيين للحرية والتعددية. فرنسا اهدئي، التطرف في العلمانية يفرغها من محتواها، ويحولها إلى ديكتاتورية.

===========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟".
"ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟".

سناء العاجي

تخيل أن تموت... وأن تستمر في العيش، فعليا، في جسد وحياة شخص آخر. تخيل أن ينتهي عمرك. أن تموت... لكن، في نفس الوقت، أن تكون بصدد إنقاذ شخص من العمى لأنك تهبه قرنية عينك التي لن تحتاجها أساسا فيما بعد.

تخيلي أن ينتهي عمرك. أن تدفني تحت التراب... لكن قبل ذلك، أن تنقذي شخصا آخر يعاني من فشل كلوي، أو من مرض مزمن بالقلب. أن تعيدي لهما الحياة... أن يستمرا في العيش بفضلك. بفضل عضو منك سيستمر نابضا في الحياة بعد أن كان قدره الموت!

تخيل وتخيلي أن تموتا... وأن تنقذا حيوات عديدة، حتى بعد موتكما. بل وأن تستمرا في العيش بعد الموت. أن يستمر ذلك العضو في النبض والتنفس والعيش... 

التبرع بالأعضاء بعد الوفاة... موضوع لا نتطرق له كثيرا ولا يحظى بالاهتمام الشعبي اللازم، لكنه يستحق منا ربما وقفة إنسانية جدية وطويلة.

تعوَّدنا، تقليديا ودينيا وعائليا وتاريخيا، أن ندفن موتانا... 

لكن، ماذا لو قررنا أن أجسادنا، وبدل أن تكون وجبة تافهة للدود، قد تكون منحة حياة لأشخاص آخرين... وقد تخصص لإنقاذ حيوات أخرى؟ في المغرب مثلا، هناك حوالي 33 ألف شخص يعانون من القصور الكلوي وآلاف الأشخاص المهددين بالعمى، دون أن نحتسب أمراضا أخرى وحيوات أخرى قد ينقدها المتبرعون: القلب، الأرجل والأقدام، الجلد... 

قد تكون مجرد فكرة تقطيع الجسد بعد الموت غير مقبولة لنا بالشكل الكافي، تحديدا على المستوى العاطفي، سواء تعلق الأمر بأجسادنا أو بأجساد من نحب. 

لكن، لعلنا، إذا تجاوزنا هذه الصورة الأولية غير المعتادة، ولعلنا إذا استوعبنا أننا قد ننقذ فعليا حيوات أشخاص آخرين دون أن نخسر شيئا (بما أن التبرع لا يتم فعليا إلا بعد وفاتنا)، فلعلها تكون أروع الهبات وأجمل الصدقات (صدقة جارية حقيقية).

ما الذي نفضله: جسد يدفن بعد وفاتنا تحت الأرض، أو جسد ينقذ حياة أكثر من شخص؟

أليس رائعا أن نتصور أن قُرَينيتا عَيْنَيْنا أنقذتا شخصين لا نعرفها من عمى مؤكد؟ أن يصبح بإمكانهما ممارسة حياتهما الطبيعية بعيون كانت ستدفن؟

أليس رائعا أن ننقد شخصا من عناء وأوجاع ومن التكاليف الباهظة لغسيل الكلى؟

أليس رائعا أن نعيد لشخص آخر قدرته على المشي أو على استعمال يدين فقدهما في حادثة أو في حريق وما إلى ذلك؟

من المؤكد أننا نحتاج لفتح نقاش مجتمعي جاد بخصوص قضية التبرع بالأعضاء. نحتاج كذلك لقوانين تضبطه، فمثلا في المغرب، زرع الأعضاء من طرف المتبرعين الأحياء أو الأموات لا يتم إلا في مستشفيات عمومية، لتفادي الاتجار بالأعضاء في "سوق" حرة. لكن، إلى جوانب قوانين مؤطرة تحمي المتبرعين والمتبرع لهم، نحتاج أيضا وأساسا لفتح نقاش مجتمعي هدفه الأساسي نشر الوعي بأهمية التبرع بالأعضاء بعد الموت وفتح آفاق إنسانية جديدة تمنح الصحة والحياة... لكي يصبح الموت فرصة للحياة ولكي نقترب، بشكل ما، من الحلم الرومانسي البعيد بأن نعيش (فعليا) بعد الموت!

======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).