Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

"كل الأمهات لسن مثاليات وكل الآباء ليسوا كذلك، ولا يجب أن نتوقع منهم ذلك!".
"كل الأمهات لسن مثاليات وكل الآباء ليسوا كذلك، ولا يجب أن نتوقع منهم ذلك!".

سناء العاجي

لا.. الأم ليست شخصا مقدسا ولا معصوما. الأم قد تخطئ في حق نفسها وفي حق زوجها وفي حق أبنائها. الأم قد تكون شخصية سامة/مضرة (toxic person). ونفس الكلام قد ينطبق على عدد من الآباء.

مناسبة هذا الكلام هو استغراب الناس حولنا من أي شخص قد يشتكي من سلوكيات سلبية أو ضارة من أحد الوالدين، وتحديدا من الأم، على اعتبار أن الأخيرة لا يمكن إلا أن تكون جيدة، بل ومثالية.  مقدسة. وهذا غير صحيح..

منذ أيام قليلة، انتشر على وسائل الإعلام المصرية خبر جريمةِ قتل قامت بها أم شابة مصرية (بمستوى جامعي) في حق أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة لزوجها تعتذر وتبرر جريمتها، قبل أن تحاول الانتحار.

الجريمة بشعة، هذا أمر أكيد. لكنها ليست استثنائية: عشرات الآباء والأمهات قتلوا أبناءهم، وعشرات الأبناء قتلوا آباءهم أو أمهاتهم! أخبار كهذه نسمع عنها بشكل دوري في الإعلام وفي محيطنا؛ والتصور الاستيهامي الذي يملكه البعض عن "مجتمع مثالي" غير حقيقي. 

كل الأمهات لسن مثاليات وكل الآباء ليسوا كذلك، ولا يجب أن نتوقع منهم ذلك!

الحقيقة الأولى التي يجب أن نواجهها هي أن معظمنا يستهين بالأمراض النفسية وأن الكثير من جرائم القتل المشابهة يتسبب فيها المرض النفسي. المعطيات المتوفرة حاليا بخصوص جريمة القتل التي قامت بها الأم المصرية لا تمكننا من تدقيق المعطيات بخصوصها، لكن الكثير من الجرائم المشابهة يَثبت فيها أن القاتل أو القاتلة كانوا يعانون من مرض نفسي مستفحل استهانت به العائلة، أو أخذته\أخذتها إلى راق شرعي أو أي مشعوذ يدعي علاجهم.

ولعل أولى السبل للحد من هذه الجرائم هي أن نعي أن الطبيب النفسي ليس ترفا أو عارا نخجل منه! الحكومات، بدورها، عليها أن توفر ما يكفي من المستشفيات النفسية التي تعالج المرضى في ظروف تحترم كرامتهم.

لكن هذا ليس كل شيء. الحقيقة الثانية المهمة والمحورية هي أن كل الناس ليسوا مؤهلين لأن يصبحوا آباء وأمهات. 

للأسف، معظم الناس يعتبرون الزواج والإنجاب من "ضروريات الحياة". القليلون فقط يسائلون هذا الاختيار ويتساءلون إن كانوا مستعدين له فعلا. كما أن الأغلبية تعتبر أن الاستعداد والجاهزية ماديان فقط: عمل قار، أجرة مناسبة، سكن، "جهاز" في المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة جهاز العروس، صداق، وغير ذلك من الأمور المادية.

لكن الزواج ليس خطوبة وعرسا واحتفالا.. والزواج ليس شقة وأثاثا. الزواج اختيار حياتي ليس سهلا. بل أنه فعلا أمر غريب ومستفز أن نفكر في كل التفاصيل المادية، وأن ننسى أو نتناسى ما يلي حفلة الزفاف: الحياة المشتركة! 

أما الإنجاب، فهو معضلة اجتماعية أكبر. كم عدد الأشخاص والأزواج الذين يفكرون جديا قبل الإنجاب؟ كم عدد الأفراد والأزواج الذين ينجبون دون تفكير، فقط لأن تلك "سنة الحياة" ولأنهم تزوجوا وأن المرحلة "الطبيعية" اللاحقة هي الإنجاب؟ 

إن كنا نستطيع الانفصال عن الزوج\الزوجة إن استحالت العشرة؛ فإن الأطفال مسؤولية أعظم وهي ليست مسؤولية مادية فقط، بل مسؤولية نفسية وتربوية ومعنوية رهيبة. فكم من الأشخاص يسائلونها ويفكرون فيها جديا قبل قرار الإنجاب؟ كم من الأشخاص يمارسون ضغطا رهيبا على الآخرين من أجل الزواج الإنجاب، دون أن يسائلوا أنفسهم: هل هذا الشخص، رجلا كان أو امرأة، وخارج كل اعتبارات مادية، مؤهل لدور الأمومة أو الأبوة؟ هل هو مستعد لها؟

في المثال الوارد أعلاه، عدم أهلية الأم، نفسيا، للزواج والإنجاب أدى لجريمة قتل بشعة. النتيجة فيها موجعة وواضحة للعيان. لكن، في آلاف الحالات الأخرى، لا تكون النتيجة بهذا الوضوح: رجال ونساء غير مؤهلين نفسيا، يتزوجون وينجبون ليدمروا شريكهم نفسيا أو ينجبوا وينتجوا عاهات نفسية ومجتمعية نراها بالمئات حولنا.

حين نشجع رجلا (أو نضغط عليه) من أجل الزواج والإنجاب لأنه يملك الإمكانيات المادية لذلك، أو نشجع امرأة (نضغط عليها) لكي "لا يفوتها القطار"... لنتذكر أن القطار قد يقتل في طريقه أشخاصا آخرين ذنبهم أنهم نتاج مجتمع لا يسائل إحدى أهم القرارات التي قد يأخذها المرء في حياته. والقتل ليس دائما جريمة نراها بالعيان!

===========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تظاهرة مؤيدة لحقوق المرأة في تونس- أرشيف
تظاهرة مؤيدة لحقوق المرأة في تونس- أرشيف

سناء العاجي الحنفي

يحتاج الطفل إلى انتقال من المدرسة...؟ لابد من حضور الأب لأنه الولي القانوني عليه. يحتاج القاصر لاستخراج جواز سفر للمشاركة في رحلة مدرسية...؟ وحده الأب يستطيع استخراج الجواز.

تفتح الأم حسابا بنكيا باسم ابنها أو ابنتها بهدف الادخار للتعليم العالي...؟ ستكتشف لاحقا أنها لا تستطيع استعمال المبالغ المودعة من طرفها... لأن الحساب البنكي باسم أبنائها، ولأن الأب وحده ولي قانوني عليهم. 

هذا جزء من المشاكل التي تعيشها مئات النساء المطلقات (وحتى المتزوجات أحيانا) بسبب القانون المغربي الذي يعتبر أن الولي القانوني الوحيد على الأطفال، ما داموا قاصرين، هو الأب. 

منذ أيام قليلة، اشتهرت في المغرب حكاية جديدة لأم مطلقة تعاني الأمَرَّين من أجل القيام بعدد من التفاصيل الإدارية الخاصة بطفلها. الكثيرون تابعوا الحكاية، لأن الأم والأب ممثلان مغربيان مشهوران... أخيرا، انتبه الكثيرون للحكاية ولوجعها. لكن الحقيقة أن هذا الواقع يمس آلاف النساء وآلاف الأطفال عبر المغرب... فهل، لأنهم لا ينتمون لفئات المشاهير، لا يستحقون أن ننتبه لعبث وضعيتهم ولضرورة تغيير القوانين التي تتسبب لهم (أمهات وأطفال وطفلات) في كل هذا الحيف؟

بشكل مستمر، قد نصادف حالات لأمهات مطلقات يعانين من تبعات هذا الأمر. أحيانا، لكي ينتقم الأب منها بسبب الخلافات بينهما، سيعقد المساطير القانونية حتى لو دفع الأبناء الثمن. وفي أحيان أخرى، قد يكون حَسَن النية، لكن ظروفه لا تسمح له بالقيام بكل الإجراءات. مثلا، إذا انتقل للسكن في مدينة أخرى، فكيف سيكون بإمكانه الحضور باستمرار للقيام بكل التفاصيل الإدارية الخاصة بالأبناء، حتى إن كان يرغب فعليا في ذلك؟

ثم، أليس الأصل في الحكاية أن يكون الوالدان أوصياء على مصالح أبنائهما إلى أن يصل هؤلاء إلى سن الرش القانوني؟ أليس من العبثي ومن الحيف الشديد ألّا يكون للأم هذا الحق، ليس لعيب يتعلق بأهليتها كفرد، لكن لمجرد أنها أنثى وأن المشرع يعتبر أن الولاية القانونية للذكر، حصريا؟

المفروض، منطقيا وبلغة الحقوق والمساواة والعدل، أن يكون الوالدان وصيين قانونيين على الأطفال حتى بلوغهما سن الرشد. وفي حالة الطلاق، فمن المنطقي أن تكون الولاية القانونية للحاضن، إذ لا يعقل أن يتكفل الحاضن، وهو في معظم الحالات الأم، بكل تفاصيل الأطفال اليومية، وأن تبقى مكتوفة اليدين أمام أي تفصيل إداري لأنها لا تملك زمام تدبير الأمور القانونية. 

بدون كثير حجج وتبريرات... منع الأم من الولاية القانونية على أبنائها لا يمكن ترجمته إلا بكون المشرع يعتبرها قاصرا وغير ذات أهلية. ليس هناك منطق في الكون يحرم شخصا من الولاية القانونية على أبنائه القاصرين، ليس لعدم أهلية ثابتة لديه، بل فقط لانتمائه الجنسي. فهل نتخيل مثلا، بنفس المنطق، حرمان الآباء سود البشرة من الولاية القانونية على أبنائهم بسبب لون بشرتهم؟ سنعتبر ذلك قانونا عنصريا... وهو كذلك بالتأكيد. تماما كما هو ميزوجيني القانون الذي يؤسس لحرمان النساء من الولاية القانونية على أبنائهن اعتمادا على معيار بيولوجي مرتبط بانتمائهن الجنسي... منطق لا يعتمد الأهلية الشخصية لكل فرد، بل يتوقف عند عنصر بيولوجي محض.

ليس هناك أي منطق للحديث عن حقوق النساء وعن المساواة مادام القانون يعتبرهن قاصرات بالضرورة. من حق الأم ومن حق الأبناء أن تكون الولاية القانونية للأمهات أيضا.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).