Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مجندات من الشعب الصحراوي في عرض عسكري- (أرشيفية)
مجندات من الشعب الصحراوي في عرض عسكري- (أرشيفية)

عبد الرحيم التوراني

تسربت في الآونة الأخيرة أخبار تتعلق بصراع داخلي نشب وسط جبهة البوليساريو، كما انتشرت في هذا السياق تدوينات وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو أمر ليس بالمستغرب ولا بالمستجد، فمنذ تأسيسها في بداية سبعينيات القرن الماضي (1973)، حملت جبهة البوليساريو داخلها علامات التفكك، وبالتالي بوادر الاندثار، حيث لم تجتمع العناصر المؤسسة على هدف موحد بوضوح، بشأن السعي صوب الانفصال عن المغرب وتأسيس دولة صحراوية مستقلة. لم يكن ذلك واردا في البداية، على اعتبار استحالة خلق كيان دولة من الفراغ، بمنطقة تفتقر لمقومات إنشاء دولة حقيقية فوق مساحة شاسعة من الرمال، تكاد تكون شبه خالية. ولم يكن تعداد ساكنة الصحراء الغربية آنذاك يزيد على المئة ألف نسمة إلا قليلا. لذلك كان هدف المؤسسين هو تحرير الأرض من الاستعمار، والمنطقة من الاستبداد والتبعية للغرب الاستعماري، بواسطة حرب العصابات.   

هكذا، في عام 1972، استغل بضعة من الشباب، إقامة موسم العادات والتقاليد المحلية بمدينة طانطان الجنوبية، وقادوا مظاهرة في أزقة البلدة، رافعين مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية مشروعة، ومنها مطلب طرد المستعمر الاسباني وتحرير كامل أراضي الصحراء. وقد تعرض جل المتظاهرين الشباب للاعتقال والسجن والتنكيل، بأوامر صادرة بشكل مباشر عن الجنرال محمد أوفقير، هو نفسه الانقلابي الذي كان وراء محاولة إسقاط النظام الملكي في 1971، وقاد شخصيا محاولة 1972. 

 بعد إطلاق سراحهم، نزح أولئك الصحراويين إلى الجوار الجزائري، ولم يكونوا يتعدون الثلاثين شابا. هناك، تبلورت لديهم أولى إرهاصات تأسيس حركة تحرير ثورية. وبالمناسبة، فلم تكن الحركة هي الأولى بالصحراء، إذ سبق لأحد أبناء عمومة أول زعيم  للبوليساريو، (مصطفى الوالي السيد)، أن أسس في 1969 حركة تحرير صحراوية، تحت مسمى "الحركة الثورية للرجال الزرق" (الموريهوب)، وهو محمد الركيبي المشهور باسم إدوارد موحا، الذي بعد سنة واحدة فقط على إنشاء البوليساريو، هرب من المخابرات الجزائرية إلى المغرب سنة 1974، وفي العام نفسه وقف إدوارد موحا على منبر الأمم المتحدة معترفا باسم حركة "الموريهوب" بمغربية الصحراء.   

*** 
عند ولادتها، نالت جبهة البوليساريو مباركة وتأييد مؤسس المنظمة السرية خلال الفترة الاستعمارية بالمغرب، أحد قادة جيش التحرير، والمعارض الشرس لنظام الحسن الثاني، الفقيه محمد البصري، الذي كان يعيش وقتها منفيا في الجزائر، برفقة أعداد من المنتمين للتيار الثوري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب الزعيم اليساري المهدي بنبركة (اغتيل في 1965 بباريس).  

 في مستهل السبعينيات من القرن الماضي، سيتجدد اللقاء بين الفقيه البصري والشباب المتحدرين من الصحراء، وجلهم كانوا تلامذة بثانويات سلا والرباط وطلابا بجامعة محمد الخامس، سبق للفقيه محمد البصري أن تعرف على أغلبهم في بداية الستينيات، لما جاؤوه مدثرين بحماسة الشباب وثورية الكفاح، معلنين رغبتهم في الانخراط في مشروع تحرير الأراضي الصحراوية من الاستعمار الاسباني، فاحتضنهم الفقيه البصري ضمن خلايا الشبيبة الاتحادية، وحرص على تأمين المأوى لهم في منطقة "دار التوزاني"، المتاخمة للأحياء الشعبية: عين الشق وسباتة وابن امسيك بمدينة الدار البيضاء. 

كان الفقيه البصري رئيسا للمجلس الوطني للمقاومة، وبعد استقلال المغرب سنة 1956، انتقلت قوات جيش التحرير المغربي إلى الجنوب، بغاية استكمال "الاستقلال الناقص"، عازمة على تحرير الصحراء من الاسبان، وتمكنوا بالفعل من تكبيد هزائم لقوات فرنكو، بإخراجها من مدينة السمارة وإبعادها عن سواحل الأطلسي، قبل أن تحدث المؤامرة الكبرى، التي تعرف في الأدبيات التاريخية باسم "إيكوفيون" (وتعني "المكنسة" باللغة الإسبانية)، عندما استنجد الجيش الاسباني بالقوات الفرنسية، وبواسطة الدبابات والأسلحة المتطورة والطائرات الحربية، تم دحر جيش التحرير المغربي، في 10 من فبراير 1958.  

كانت عملية "إيكوفيون" بمثابة الشرارة الأولى للنزاع حول الصحراء، وقد اتهمت المعارضة وقتذاك، ولي العهد المولى الحسن (الملك الحسن الثاني) بالتواطؤ، بالسماح للجيش الفرنسي باستعمال التراب المغربي لمهاجمة أفراد جيش التحرير. كان لولي العهد موقف مختلف، يتمثل في عقد اتفاق سياسي مع اسبانيا، بدل اللجوء إلى السلاح، عبر إجراء مفاوضات للتوصل لنتيجة مماثلة لاتفاق "إيكس ليبان"، الذي منحت بموجبه فرنسا الاستقلال للمغرب. وهو ما سيحصل بعد 17 سنة، في ما يعرف بـ"اتفاقية مدريد" (نوفمبر 1975)، التي وقعتها إسبانيا مع كل من المغرب وموريتانيا، منهية بذلك تسعة عقود من وجودها الاستعماري في الصحراء الغربية. 

*** 
لم يمض وقت طويل على تجدد اللقاء، في الجزائر العاصمة، بين زعيم المعارضة في الخارج الفقيه محمد البصري ومصطفى الوالي السيد، حتى أمسك زعيم "الاختيار الثوري" بيد الشاب الصحراوي (23 سنة)، ليقوده في سيارة تاكسي إلى قصر المرادية، ويتولى تقديمه إلى صديقه الرئيس الهواري بومدين. ثم رافقه بعدها إلى العاصمة الليبية، وزكّاه لدى صديقه الآخر، الرئيس معمر القدافي.  فأصبحت ليبيا هي الداعم الأساسي للبوليساريو، حيث بادر القدافي بتسليح البوليساريو ودعمها بالمال، رغبة منه في إسقاط نظام الحسن الثاني. بينما كانت خلفيات الفقيه البصري هي خلق ما يسمى بـ "البؤرة الثورية" من الجنوب، لخوض حرب تحرير شعبية، تبدأ بـ"تحرير الصحراء ضمن وحدة شعوب المغرب العربي". 

بعد ستة عقود، سيقول السياسي محمد اليازغي في 2018، إن التحرير الكلي للصحراء كان في المتناول، لو لم يحدث قرار إدماج جيش التحرير بالجنوب ضمن القوات المسلحة الملكية، معتبرا ذلك "خطأً كبيراً"، ولو لم يساند الفقيه البصري البوليساريو، التي بنيت في الأول على قاعدة وحدوية، قبل نهجها الانفصالي بتأثير جزائري بيِّن. 

*** 
كان طبيعيا أن ينتج عن تحول الجبهة نحو الانفصال، نقاش وجدال كبيرين بين قيادتها المؤسسة، تبعته قرارات إقصاء وتصفيات جسدية، ويعتبر كثيرون مقتل رئيس البوليساريو مصطفى الوالي السيد، ضمن ذلك المخطط الذي رعته عن قرب المخابرات العسكرية الجزائرية.  

بعد تصفية الوالي (1976)، توسع الدعم الجزائري للبوليساريو بوضع الدبلوماسية الجزائرية في خدمة البوليساريو، وبواسطة الاستقطاب الجزائري اعترفت عدد من الدول بـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، التي أعلنتها البوليساريو في 1976، وفي 1984 حصلت على عضوية منظمة الوحدة الافريقية، التي انسحب منها المغرب احتجاجا. 

سيعمر القرار الأممي بوقف إطلاق النار، حوالي ثلاثة عقود (من 1991 إلى 2020)، لم ينظم فيها الاستفتاء حول تقرير المصير، وتطور الأمر إلى بلورة مشروع الحكم الذاتي طرحه المغرب، وجلب مساندات من عدة أطراف، لكن الجزائر مع البوليساريو ترفضه. ورغم إعلان البوليساريو خرق قرار إطلاق النار بعد أزمة معبر الكركارات، فإن العمليات الحربية تكاد منعدمة. 

*** 
لم يبق المغرب مكتوف الأيدي، بل نجح في إقناع عدد من أبرز القيادات السياسية والعسكرية والدبلوماسية المعروفة في البوليساريو، بالعودة لدعم الوحدة الترابية المغربية، بعد خطاب للحسن الثاني في 1988، أطلق فيه عبارة: "إن الوطن غفور رحيم". من بين العائدين نذكر على سبيل المثال القياديون عمر الحضرمي وابراهيم حكيم والبشير الدخيل وكجمولة بنت أبى، حيث أسندت لبعضهم مناصب مهمة في الدولة والإدارة العمومية. ثم تواصل على مدى سنوات، التحاق أعداد كبيرة من أعضاء البولسياريو. وتبع ذلك تراجع جماعات ممن يطلق عليهم "انفصاليو الداخل"، المقيمين بمدن الصحراء، عن تبني سياسة وأفكار البوليساريو الانفصالية.  

ظل الإعلام الرسمي المغربي يطلق على رئيس البوليساريو محمد عبد العزيز، اسم "المراكشي"، كونه رأى النور بالمدينة الحمراء، وبقي والده يعيش بمدينة قصبة تادلة، حيث كان يعمل ضمن القوات المساعدة. 

وقبيل وفاته تسربت أخبار غير مؤكدة، حول عزم عبد العزيز العودة إلى المغرب، إلا أن ذلك لم يحصل، بسبب المراقبة الشديدة للاستخبارات الجزائرية. ويشكك آخرون في الوفاة الطبيعية لمحمد عبد العزيز، بفرضية تعرضه لتسميم بعد كشف نيته. ليطفو على السطح مرة أخرى التصدع داخل قيادة الجبهة، بين الطامعين في خلافته، وبعدما طرحت عدة أسماء، جرى استبعادها ليختار النظام الجزائري إبراهيم غالي الذي لم يكن يحظى بالإجماع.  

ولأن صحة رئيس البوليساريو هي شأن جزائري بامتياز، فقد تولت الجزائر نقل غالي إلى مدريد للتشافي من وباء كورونا في العام الماضي، إلا أن الاستخبارات المغربية كشفت نقله إلى الديار الاسبانية بهوية مزورة (محمد بنبطاش)، هو المطلوب للعدالة الاسبانية، حيث رفعت ضده دعاوى بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقد عزا مسؤولون جزائريون، ومعهم المعني بالأمر، ابراهيم غالي، كشف السر إلى استخدام المغرب لتقنية التجسس بيغاسوس. 

*** 
نشات البوليساريو ضمن أجواء الحرب الباردة، وفي ظل انتشار المد اليساري بين شبيبة العالم، إلا أنه بعد سقوط جدار برلين وانهيار النظام السوفياتي، اهتزت البنية التي شكلت فوقها أرضية البوليساريو. وكان طبيعيا وصول جيل صحراوي جديد تمرد على الإيديولوجيات الشمولية، بل نجد بعض مقاتلي البوليساريو ذهبوا للتنسيق والقتال مع عناصر القاعدة في الغرب الإسلامي، كما سمحت قيادة البوليساريو بالتعاون مع حزب الله اللبناني، من خلال إشراف عناصر الحزب التابع لنظام الملالي في إيران، على تدريب وتأطير قوات البوليساريو، ولم تعد الجبهة حركة ثورية اشتراكية ولا يسارية، لأنه لم تعد مثل هذه الشعارات تجدي أو تتلاءم مع الحاضر. 

ثم وصل ترامب في نهاية سنة 2020، وفي أيامه الأخيرة بالبيت الأبيض، أعلن اعتراف أكبر قوة في العالم بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مقابل تطبيع الرباط مع إسرائيل. 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ستتلقى البوليسارو وحاضنتها الجزائر، صفعة قوية، بتغيير اسبانيا، المستعمرة السابقة للإقليم، موقفها من النزاع حول الصحراء لصالح الرباط، بموافقتها على المشروع المغربي القاضي بالحكم الذاتي في أقاليم الصحراء الغربية. 

يضاف إلى كل هذا استمرار النزاع لما يقارب نصف قرن من الأعوام، لم تتحقق فيه الدولة الموعودة، التي لا وجود لأثرها على الأرض، إلا إذا اعتبرت منطقة تندوف بالجزائر هي الدولة والعاصمة، والساكنة المحتجزون في مخيمات تندوف هم الشعب الصحراوي. وسوى ذلك  ليس إلا مؤسسات وهمية وبروباغاندا أضحت سهلة مع الأنترنيت وشبكات التواصل. بل كما صرح القيادي السابق في الجبهة البشير الدخيل، أن البوليساريو وجمهوريته المزعومة "هي عبارة عن قيادة فقط"، تتطاحن في صراعات بين أعضائها، و"ليست شعباً مثلما تدعي في وسائل الإعلام". 

نصف قرن تحولت فيه أوضاع القادة والمسؤولين الكبار بالبوليساريو بفضل البذخ والعيش بالرفاه، وسرقة المساعدات الإنسانية بالمكشوف، في الوقت الذي ظلت فيه أحوال ساكنة المخيمات على حالها، قاسية ولا إنسانية، بل زادت سوءا على سوء. 

لقد أمسى النظام في الجزائر يعاني من داء عضال، اسمه "البوليساريو"، وهو يرى أن العلاج في استمرار الداء، لأن الحل كيفما كان شكله في ثناياه أزمة معقدة للنظام العسكري الحاكم في الجزائر. والمتاح هو العمل على استدامة النزاع، ولو حساب تنمية المنطقة المغاربية، بل على حساب مصلحة الشعب الجزائري، الذي خرج يحتج في الحراك منددا بصرف المال العام على قضية لا تعنيه. 

*** 
وكما في كل مرة يتم فيها تسريب أنباء عن تصدعات داخلية وسط قيادة البوليساريو، يصارع مأذونون بالكلام من الجبهة، إلى النفي واعتبار ذلك ضمن الدعايات المغرضة المضادة، متحدثين عن "الديمقراطية"، هي الديمقراطية ذاتها التي يطبقها اليوم العسكر في الجزائر، وينعم بها الجزائريون. "من أين ذاك العسل؟ من تلك الجرة"، قال أعرابي. 

انطوت الأعوام والعقود، وطال الأمد. وتغيرت الحسابات والأشخاص والعقليات، ومنذ ارتهان البوليساريو للمخابرات العسكرية الجزائرية، سلب منها القرار بالكامل، وتحولت إلى كركوز يحرك بشكل قاس بخيوط من خلف، لكنها خيوط مرئية. والخلاصة أن قيادة البوليساريو هي أول من يعلم أنها تحولت من زمان إلى مجرد كائن مفخخ ذاتيا، يحمل داخله قنبلته الموقوتة التي ستنهيه حتما، مهما أبطأت دقات عقارب الوقت.

===========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).