Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مجندات من الشعب الصحراوي في عرض عسكري- (أرشيفية)
مجندات من الشعب الصحراوي في عرض عسكري- (أرشيفية)

عبد الرحيم التوراني

تسربت في الآونة الأخيرة أخبار تتعلق بصراع داخلي نشب وسط جبهة البوليساريو، كما انتشرت في هذا السياق تدوينات وفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو أمر ليس بالمستغرب ولا بالمستجد، فمنذ تأسيسها في بداية سبعينيات القرن الماضي (1973)، حملت جبهة البوليساريو داخلها علامات التفكك، وبالتالي بوادر الاندثار، حيث لم تجتمع العناصر المؤسسة على هدف موحد بوضوح، بشأن السعي صوب الانفصال عن المغرب وتأسيس دولة صحراوية مستقلة. لم يكن ذلك واردا في البداية، على اعتبار استحالة خلق كيان دولة من الفراغ، بمنطقة تفتقر لمقومات إنشاء دولة حقيقية فوق مساحة شاسعة من الرمال، تكاد تكون شبه خالية. ولم يكن تعداد ساكنة الصحراء الغربية آنذاك يزيد على المئة ألف نسمة إلا قليلا. لذلك كان هدف المؤسسين هو تحرير الأرض من الاستعمار، والمنطقة من الاستبداد والتبعية للغرب الاستعماري، بواسطة حرب العصابات.   

هكذا، في عام 1972، استغل بضعة من الشباب، إقامة موسم العادات والتقاليد المحلية بمدينة طانطان الجنوبية، وقادوا مظاهرة في أزقة البلدة، رافعين مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية مشروعة، ومنها مطلب طرد المستعمر الاسباني وتحرير كامل أراضي الصحراء. وقد تعرض جل المتظاهرين الشباب للاعتقال والسجن والتنكيل، بأوامر صادرة بشكل مباشر عن الجنرال محمد أوفقير، هو نفسه الانقلابي الذي كان وراء محاولة إسقاط النظام الملكي في 1971، وقاد شخصيا محاولة 1972. 

 بعد إطلاق سراحهم، نزح أولئك الصحراويين إلى الجوار الجزائري، ولم يكونوا يتعدون الثلاثين شابا. هناك، تبلورت لديهم أولى إرهاصات تأسيس حركة تحرير ثورية. وبالمناسبة، فلم تكن الحركة هي الأولى بالصحراء، إذ سبق لأحد أبناء عمومة أول زعيم  للبوليساريو، (مصطفى الوالي السيد)، أن أسس في 1969 حركة تحرير صحراوية، تحت مسمى "الحركة الثورية للرجال الزرق" (الموريهوب)، وهو محمد الركيبي المشهور باسم إدوارد موحا، الذي بعد سنة واحدة فقط على إنشاء البوليساريو، هرب من المخابرات الجزائرية إلى المغرب سنة 1974، وفي العام نفسه وقف إدوارد موحا على منبر الأمم المتحدة معترفا باسم حركة "الموريهوب" بمغربية الصحراء.   

*** 
عند ولادتها، نالت جبهة البوليساريو مباركة وتأييد مؤسس المنظمة السرية خلال الفترة الاستعمارية بالمغرب، أحد قادة جيش التحرير، والمعارض الشرس لنظام الحسن الثاني، الفقيه محمد البصري، الذي كان يعيش وقتها منفيا في الجزائر، برفقة أعداد من المنتمين للتيار الثوري داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب الزعيم اليساري المهدي بنبركة (اغتيل في 1965 بباريس).  

 في مستهل السبعينيات من القرن الماضي، سيتجدد اللقاء بين الفقيه البصري والشباب المتحدرين من الصحراء، وجلهم كانوا تلامذة بثانويات سلا والرباط وطلابا بجامعة محمد الخامس، سبق للفقيه محمد البصري أن تعرف على أغلبهم في بداية الستينيات، لما جاؤوه مدثرين بحماسة الشباب وثورية الكفاح، معلنين رغبتهم في الانخراط في مشروع تحرير الأراضي الصحراوية من الاستعمار الاسباني، فاحتضنهم الفقيه البصري ضمن خلايا الشبيبة الاتحادية، وحرص على تأمين المأوى لهم في منطقة "دار التوزاني"، المتاخمة للأحياء الشعبية: عين الشق وسباتة وابن امسيك بمدينة الدار البيضاء. 

كان الفقيه البصري رئيسا للمجلس الوطني للمقاومة، وبعد استقلال المغرب سنة 1956، انتقلت قوات جيش التحرير المغربي إلى الجنوب، بغاية استكمال "الاستقلال الناقص"، عازمة على تحرير الصحراء من الاسبان، وتمكنوا بالفعل من تكبيد هزائم لقوات فرنكو، بإخراجها من مدينة السمارة وإبعادها عن سواحل الأطلسي، قبل أن تحدث المؤامرة الكبرى، التي تعرف في الأدبيات التاريخية باسم "إيكوفيون" (وتعني "المكنسة" باللغة الإسبانية)، عندما استنجد الجيش الاسباني بالقوات الفرنسية، وبواسطة الدبابات والأسلحة المتطورة والطائرات الحربية، تم دحر جيش التحرير المغربي، في 10 من فبراير 1958.  

كانت عملية "إيكوفيون" بمثابة الشرارة الأولى للنزاع حول الصحراء، وقد اتهمت المعارضة وقتذاك، ولي العهد المولى الحسن (الملك الحسن الثاني) بالتواطؤ، بالسماح للجيش الفرنسي باستعمال التراب المغربي لمهاجمة أفراد جيش التحرير. كان لولي العهد موقف مختلف، يتمثل في عقد اتفاق سياسي مع اسبانيا، بدل اللجوء إلى السلاح، عبر إجراء مفاوضات للتوصل لنتيجة مماثلة لاتفاق "إيكس ليبان"، الذي منحت بموجبه فرنسا الاستقلال للمغرب. وهو ما سيحصل بعد 17 سنة، في ما يعرف بـ"اتفاقية مدريد" (نوفمبر 1975)، التي وقعتها إسبانيا مع كل من المغرب وموريتانيا، منهية بذلك تسعة عقود من وجودها الاستعماري في الصحراء الغربية. 

*** 
لم يمض وقت طويل على تجدد اللقاء، في الجزائر العاصمة، بين زعيم المعارضة في الخارج الفقيه محمد البصري ومصطفى الوالي السيد، حتى أمسك زعيم "الاختيار الثوري" بيد الشاب الصحراوي (23 سنة)، ليقوده في سيارة تاكسي إلى قصر المرادية، ويتولى تقديمه إلى صديقه الرئيس الهواري بومدين. ثم رافقه بعدها إلى العاصمة الليبية، وزكّاه لدى صديقه الآخر، الرئيس معمر القدافي.  فأصبحت ليبيا هي الداعم الأساسي للبوليساريو، حيث بادر القدافي بتسليح البوليساريو ودعمها بالمال، رغبة منه في إسقاط نظام الحسن الثاني. بينما كانت خلفيات الفقيه البصري هي خلق ما يسمى بـ "البؤرة الثورية" من الجنوب، لخوض حرب تحرير شعبية، تبدأ بـ"تحرير الصحراء ضمن وحدة شعوب المغرب العربي". 

بعد ستة عقود، سيقول السياسي محمد اليازغي في 2018، إن التحرير الكلي للصحراء كان في المتناول، لو لم يحدث قرار إدماج جيش التحرير بالجنوب ضمن القوات المسلحة الملكية، معتبرا ذلك "خطأً كبيراً"، ولو لم يساند الفقيه البصري البوليساريو، التي بنيت في الأول على قاعدة وحدوية، قبل نهجها الانفصالي بتأثير جزائري بيِّن. 

*** 
كان طبيعيا أن ينتج عن تحول الجبهة نحو الانفصال، نقاش وجدال كبيرين بين قيادتها المؤسسة، تبعته قرارات إقصاء وتصفيات جسدية، ويعتبر كثيرون مقتل رئيس البوليساريو مصطفى الوالي السيد، ضمن ذلك المخطط الذي رعته عن قرب المخابرات العسكرية الجزائرية.  

بعد تصفية الوالي (1976)، توسع الدعم الجزائري للبوليساريو بوضع الدبلوماسية الجزائرية في خدمة البوليساريو، وبواسطة الاستقطاب الجزائري اعترفت عدد من الدول بـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، التي أعلنتها البوليساريو في 1976، وفي 1984 حصلت على عضوية منظمة الوحدة الافريقية، التي انسحب منها المغرب احتجاجا. 

سيعمر القرار الأممي بوقف إطلاق النار، حوالي ثلاثة عقود (من 1991 إلى 2020)، لم ينظم فيها الاستفتاء حول تقرير المصير، وتطور الأمر إلى بلورة مشروع الحكم الذاتي طرحه المغرب، وجلب مساندات من عدة أطراف، لكن الجزائر مع البوليساريو ترفضه. ورغم إعلان البوليساريو خرق قرار إطلاق النار بعد أزمة معبر الكركارات، فإن العمليات الحربية تكاد منعدمة. 

*** 
لم يبق المغرب مكتوف الأيدي، بل نجح في إقناع عدد من أبرز القيادات السياسية والعسكرية والدبلوماسية المعروفة في البوليساريو، بالعودة لدعم الوحدة الترابية المغربية، بعد خطاب للحسن الثاني في 1988، أطلق فيه عبارة: "إن الوطن غفور رحيم". من بين العائدين نذكر على سبيل المثال القياديون عمر الحضرمي وابراهيم حكيم والبشير الدخيل وكجمولة بنت أبى، حيث أسندت لبعضهم مناصب مهمة في الدولة والإدارة العمومية. ثم تواصل على مدى سنوات، التحاق أعداد كبيرة من أعضاء البولسياريو. وتبع ذلك تراجع جماعات ممن يطلق عليهم "انفصاليو الداخل"، المقيمين بمدن الصحراء، عن تبني سياسة وأفكار البوليساريو الانفصالية.  

ظل الإعلام الرسمي المغربي يطلق على رئيس البوليساريو محمد عبد العزيز، اسم "المراكشي"، كونه رأى النور بالمدينة الحمراء، وبقي والده يعيش بمدينة قصبة تادلة، حيث كان يعمل ضمن القوات المساعدة. 

وقبيل وفاته تسربت أخبار غير مؤكدة، حول عزم عبد العزيز العودة إلى المغرب، إلا أن ذلك لم يحصل، بسبب المراقبة الشديدة للاستخبارات الجزائرية. ويشكك آخرون في الوفاة الطبيعية لمحمد عبد العزيز، بفرضية تعرضه لتسميم بعد كشف نيته. ليطفو على السطح مرة أخرى التصدع داخل قيادة الجبهة، بين الطامعين في خلافته، وبعدما طرحت عدة أسماء، جرى استبعادها ليختار النظام الجزائري إبراهيم غالي الذي لم يكن يحظى بالإجماع.  

ولأن صحة رئيس البوليساريو هي شأن جزائري بامتياز، فقد تولت الجزائر نقل غالي إلى مدريد للتشافي من وباء كورونا في العام الماضي، إلا أن الاستخبارات المغربية كشفت نقله إلى الديار الاسبانية بهوية مزورة (محمد بنبطاش)، هو المطلوب للعدالة الاسبانية، حيث رفعت ضده دعاوى بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقد عزا مسؤولون جزائريون، ومعهم المعني بالأمر، ابراهيم غالي، كشف السر إلى استخدام المغرب لتقنية التجسس بيغاسوس. 

*** 
نشات البوليساريو ضمن أجواء الحرب الباردة، وفي ظل انتشار المد اليساري بين شبيبة العالم، إلا أنه بعد سقوط جدار برلين وانهيار النظام السوفياتي، اهتزت البنية التي شكلت فوقها أرضية البوليساريو. وكان طبيعيا وصول جيل صحراوي جديد تمرد على الإيديولوجيات الشمولية، بل نجد بعض مقاتلي البوليساريو ذهبوا للتنسيق والقتال مع عناصر القاعدة في الغرب الإسلامي، كما سمحت قيادة البوليساريو بالتعاون مع حزب الله اللبناني، من خلال إشراف عناصر الحزب التابع لنظام الملالي في إيران، على تدريب وتأطير قوات البوليساريو، ولم تعد الجبهة حركة ثورية اشتراكية ولا يسارية، لأنه لم تعد مثل هذه الشعارات تجدي أو تتلاءم مع الحاضر. 

ثم وصل ترامب في نهاية سنة 2020، وفي أيامه الأخيرة بالبيت الأبيض، أعلن اعتراف أكبر قوة في العالم بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، مقابل تطبيع الرباط مع إسرائيل. 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ستتلقى البوليسارو وحاضنتها الجزائر، صفعة قوية، بتغيير اسبانيا، المستعمرة السابقة للإقليم، موقفها من النزاع حول الصحراء لصالح الرباط، بموافقتها على المشروع المغربي القاضي بالحكم الذاتي في أقاليم الصحراء الغربية. 

يضاف إلى كل هذا استمرار النزاع لما يقارب نصف قرن من الأعوام، لم تتحقق فيه الدولة الموعودة، التي لا وجود لأثرها على الأرض، إلا إذا اعتبرت منطقة تندوف بالجزائر هي الدولة والعاصمة، والساكنة المحتجزون في مخيمات تندوف هم الشعب الصحراوي. وسوى ذلك  ليس إلا مؤسسات وهمية وبروباغاندا أضحت سهلة مع الأنترنيت وشبكات التواصل. بل كما صرح القيادي السابق في الجبهة البشير الدخيل، أن البوليساريو وجمهوريته المزعومة "هي عبارة عن قيادة فقط"، تتطاحن في صراعات بين أعضائها، و"ليست شعباً مثلما تدعي في وسائل الإعلام". 

نصف قرن تحولت فيه أوضاع القادة والمسؤولين الكبار بالبوليساريو بفضل البذخ والعيش بالرفاه، وسرقة المساعدات الإنسانية بالمكشوف، في الوقت الذي ظلت فيه أحوال ساكنة المخيمات على حالها، قاسية ولا إنسانية، بل زادت سوءا على سوء. 

لقد أمسى النظام في الجزائر يعاني من داء عضال، اسمه "البوليساريو"، وهو يرى أن العلاج في استمرار الداء، لأن الحل كيفما كان شكله في ثناياه أزمة معقدة للنظام العسكري الحاكم في الجزائر. والمتاح هو العمل على استدامة النزاع، ولو حساب تنمية المنطقة المغاربية، بل على حساب مصلحة الشعب الجزائري، الذي خرج يحتج في الحراك منددا بصرف المال العام على قضية لا تعنيه. 

*** 
وكما في كل مرة يتم فيها تسريب أنباء عن تصدعات داخلية وسط قيادة البوليساريو، يصارع مأذونون بالكلام من الجبهة، إلى النفي واعتبار ذلك ضمن الدعايات المغرضة المضادة، متحدثين عن "الديمقراطية"، هي الديمقراطية ذاتها التي يطبقها اليوم العسكر في الجزائر، وينعم بها الجزائريون. "من أين ذاك العسل؟ من تلك الجرة"، قال أعرابي. 

انطوت الأعوام والعقود، وطال الأمد. وتغيرت الحسابات والأشخاص والعقليات، ومنذ ارتهان البوليساريو للمخابرات العسكرية الجزائرية، سلب منها القرار بالكامل، وتحولت إلى كركوز يحرك بشكل قاس بخيوط من خلف، لكنها خيوط مرئية. والخلاصة أن قيادة البوليساريو هي أول من يعلم أنها تحولت من زمان إلى مجرد كائن مفخخ ذاتيا، يحمل داخله قنبلته الموقوتة التي ستنهيه حتما، مهما أبطأت دقات عقارب الوقت.

===========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).