Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

زائرة تلتقط صورا في معرض يحتفي بزواج الأمير هاري بميغان ماركل
زائرة تلتقط صورا في معرض يحتفي بزواج الأمير هاري بميغان ماركل

ابتهال الخطيب

لا تسري مجريات الحياة هكذا، لا يمكنك "الحصول على الكيكة وأكلها كذلك" حسب التعبير الأميركي. لكل شيء ثمن في هذه الحياة، وثمن الحرية والمساواة والعدالة يتجلى في درجة من العناء وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس.

ينطبق نفس هذا المبدأ على العلاقات الرجالية النسائية في مجتمعاتنا التي تئن تحت ذكورية أبوية طاغية، لكنها لا تتقبل أي إصلاح للمقاييس المعوجّة التي تغذّي المشكلة.

في معظم المواقف، لا تريد النساء (وأنا هنا أتكلم عن أغلبية جيدة منهن واللواتي تحيين أوضاع حياتية عادية نسبياً) تحمّل تبعات الحل، ولربما هن لا يجدن مشكلة في وصاية الرجل التي تحمِل مسميات تنكرية مثل شهامة، غيرة، ونخوة.

لربما هن لا يدركن أن من تريد العناية ستستجلب معها الوصاية، من تريد الشهامة ستستدعي معها الأوامر، من تريد الرعاية المادية ستدفع ثمنها طاعة. هكذا يقول قانون الدنيا، بين الأفراد وحتى بين المؤسسات والتكوينات الكبرى، صاحب السلطة المالية هو صاحب القرار، المناط به الحماية هو الطرف الأقوى وهو من يصنع الواقع.

وهكذا خيرَّت سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الثاني" النساء بين السعادة والعدالة، مُقرَّة بوضوح أن العدالة قد تحجب شيئاً من السعادة وأن السعادة، وما يتبعها من راحة وشعور بالأمان، قد تتطلب التنازل عن العدالة والاستقلالية.

في عالمنا العربي لا تزال الكثير من النساء تعشق "أعراض" الرجل "الشهم" ومبادرات الرجل "الحمش" معتقدات أن هذه الأعراض والمبادرات إنما هي أدلة على "حسن الرجولة" وعلى الرعاية والعناية المفترضين لهن "كجنس ناعم"، غير مستوعبات الثمن الباهظ المدفوع مقابلها.

إن المساعدة المقدَّمة من إنسان تجاه آخر إنما هي علامة على تطور الوعي الإنساني وعلى حسن الخلق، تفرضها مبادئ الإنسان وتلقينه المجتمعي وشعوره الفطري بالمسؤولية تجاه بني جنسه. لذا يفترض أن المساعدة، من أصغر صورها من حيث إفساح الطريق للآخر مثلاً إلى أعمق صورها من حيث إنقاذ حياة الآخر، هي محكومة بإنسانيتنا وشعورنا بالمسؤولية وفطرتنا الطبيعية الدافعة باستمرار جنسنا، وفي حال تحولت المساعدة إلى فعل محكوم بتصنيفات أخرى، تلقائياً عندها ستتطلب ظروف وأثمان أخرى.

المرأة التي تعتقد أنها مستحقة لحماية الرجل، لمسؤوليته المادية تجاهها، لعنايته بها من باب ذكوريته لا من باب إنسانيتهما أو من باب العلاقة والمحبة والترابط بينهما، هي في ذات الوقت تقر أنها أقل درجة، أنها كائن أضعف يحتاج للحماية والرعاية المادية، وهذان لا يتوفران بلا ثمن، وثمنهما هو ما تقرُّ هذه المرأة به، ثمنهما هو تثبيت فكرة أنها إنسان أقل، موصى عليه وبالتالي محكومة بالطاعة والرضوخ. 

هذه هي المعادلة في عمقها، المرأة التي تؤمن بمسؤولية الرجل تجاهها بحكم ذكوريته هي في نفس الوقت تقر بعدم مساواتها وبأحقية الرجل في الوصاية والطاعة.

والرجل الذي يصر على تقديم خدمة لامرأة لأنه رجل وهذا واجبه ولأن الشهامة والمروءة تحتم عليه خدمتها وحمايتها، هذا الرجل الذي يبدو أنه لا يزال جذاباً جداً بالنسبة للمرأة الشرقية، هو ذاته الذي يستشعر حقه في الأمر والنهي والمنع، هو ذاته الذي يؤمن بأنه وصي على "حريمه" وهو ذاته الذي يعتقد باستحقاقه أن يعدِّد زوجاته وأن يعيش حياته بحرية وأن يقرر، ليس فقط مصيره، ولكن كذلك مصائر نسائه، فقط لأنه رجل. 

طبعاً الموضوع لا يفترض أن يكون بهذا الجفاف، ولا يمكن دوماً حسابه بالورقة والقلم. العلاقات الإنسانية متشابكة، تترتب على أساس طبيعة الأشخاص وطبيعة الروابط التي تحكمهم، وترتيب الحياة بين اثنين هو عملية خاصة جداً، تحكمها توجهاتهما ورغباتهما واتفاقهما الإرادي الكامل.

إلا أن الإشكالية تتأتى في الفكرة المجتمعية العامة، الشعور بأن الرجل مسؤول دوماً بحكم ذكوريته، مستوجب عليه تقديم المساعدة للمرأة ولو لم تطلبها، متطلب عليه حمايتها ولو لم ترغب بها، مفروضة عليه المسؤولية المادية ولو كانت هي عاملة قادرة على تأمين نفسها.

هذه "المزايا" ظاهرها رحمة وباطنها استعباد، خصوصاً إذا ما كانت قسرية على الطرفين، الرجل والمرأة، ذلك أنها تخلق طبقات قوى وراع ورعية وولي وقاصر، قاصر مهما بلغت من العمر عتياً. 

المعادلة عادلة، تعطي القوة والقرار لمن يتحمل المسؤولية، إلا أنها معادلة غير صالحة للمرأة التي تعلي حريتها وتقدّس مساواتها وإنسانيتها وتروم العدالة الكاملة، كما وأنها غير صالحة للرجل الذي تقاس رجولته بمقدار صرفه وخدماته.

في النهاية، هذه العلاقة تبدو علاقة تعاقدية بحتة، الرجل يشتري السلطة بالمال والمرأة تشتري الحماية والرعاية بالضعف والانقياد، وهي علاقة من حق مختاريها، إلا أنها بكل تأكيد تضع آلاف علامات الاستفهام على موقعهم الزمني وأسسهم الفكرية وتقييماتهم الإنسانية لأنفسهم وللآخر. 

تأكدي سيدتي أن المعادلة ليست "محرزة" بالنسبة لك، وأن الرجل الذي "لا يعيبه سوى جيبه" هو الذي سيتعسُكي ويقهركي مدى حياتك.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
 

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).