Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

العمال على امتداد الصحراء القاسية كانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين.
العمال على امتداد الصحراء القاسية كانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين

محمد المحمود

كانت مقاربة مقال الأسبوع الماضي مَهمُومَة بكوننا ـ كعرب ـ أبناء تراث طويل مُثْخَن بعيوب نسقيّة جوهرية، وبانغلاقات كبرى، تمنعنا من الدخول حقيقة إلى عصر الحداثة الليبرالي، وبالتالي، تمنعنا من الانخراط في مسار التقدم الحقيقي المعني بالإنسان أولا، وبالإنسان غاية. ما يعني أن نقطة البداية في أي مسار "تقدمي حقيقي" لا يمكن أن يكتب لها النجاح؛ ما لم تبدأ بفتح ملفات التاريخ/ التراث: نقدا وتفكيكا، تحليلا وتقييما، تَحْييدا واستثمارا للطاقات الوجدانية التي يمكن توظيفها لتحقيق الإيمان بالتقدم على شرط الوعي بأولوية الإنسان.

تتعدَّد وتتنوع العناوين التراثية التي يجب أن تحظى بقدر كبير من الاهتمام النقدي؛ بغية تجاوز أعطابها المستوطنة في أنظمة الوعي العام العربي. وإذ لا يستطيع مقال واحد، ولا حتى كاتب واحد، بل ولا حقل معرفي واحد، أن يَتَوفَّر على الحد الأدنى من الوفاء بشروط المقاربة النقدية، فلا مَفَرَ من الانتقاء والاختيار، وِفْقاً لتقدير الباحث وأولوياته من جهة، ولمجال الاهتمام من جهة أخرى.

في تاريخنا/ تراثنا، ومن ثَمَّ في نَسَق قِيمنا المُهَيمن، هناك فارق كبير بين "مقاتل" و"عامل"؛ لصالح الأول ـ قِيَمياً ـ على حساب الثاني. وكما تقول كتب تراثنا الأقدم، فإن قبائل العرب لم تكن تفرح وتتبادل التهاني والتبريكات إلا ببروز "فارس" أو "شاعر" في القبيلة. الأول يقوم بدور "المقاتل" (أعظم المهن وأشرفها في نظر العربي الذي عاش حياته الأولى ـ قبل الإسلام ـ قاتلا أو مقتولا؛ لغياب السلطة المركزية)، والثاني يقوم بدور "الإعلامي" المُرَوِّج لأفعال المقاتل، المُخَلِّد لها في ذاكرة المجتمع البدائي: مرحلة ما قبل التدوين. 

لم تكن قيمة "الشاعر" فَنّية بالدرجة الأولى، بل كانت وظيفية، وكان الفني مَبْنِيًّا على الوظيفي. كانت وظيفة الشاعر/ شاعر القبيلة تابعة لوظيفة الفارس/ فارس القبيلة. كانت مهمة الشاعر التي تصنع قيمته المثلى تتحدد في أن ينافح عن قبيلته ضد أعدائها، بأن يُعَدِد انتصاراتها (التي صنعها الفارس)، ويعتذر لهزائمها (التي تسبّب بها الفارس)، ويُخَلِّد وَقائعها؛ كي لا تُنْسى؛ على اعتبار أن هذه الوقائع الحربية هي "الأمجاد" حصرا، ولكنها "أمجاد" تخلو من أثر باق يدل عليها بعد خروجها من لحظتها التاريخية؛ ما لم ترصدها قصيدة شاعر. بمعنى أن هذه الوقائع ليست بناء خالدا يصمد للزمن؛ ليذكر الأبناء بمنجزات الآباء، إنها مجرد وقائع حربية صغيرة كانت تجري في متاهات الصحراء، فإن لم تكتبها القصائد التي تَجترّها الألسن في مجالس السمر، في مجالس الانتظار الأبدي المُمِل؛ طواها النسيان، وذهبت هباءً تضحيات الفرسان. 

إذن، نحن أمام أمجاد البطولة بفرعيها، أمام الأبطال: أبطال السنان وأبطال اللسان. نحن أمام الفعل البطولي الواقعي، وأيضا أمام انعكاسه في مرآة الفن الشعري. وإذ كان العربي مُرَآئِيا في كل أفعاله، فقد كان لا يُقدِم في المعارك، ويُعَرِّض حياته للخطر، ولا يبذل شيئا مما يملك في المُلِمَّات على سبيل الجود والكرم، إلا بمشهد يضمن له الاحتفاء، ويُطْلق فيه ـ بالمديح ـ ألسنَ الشعراء. ما يعني أن القول ـ لا الفعل ـ هو الأصل، إذ كان يفعل؛ لِيَقول أو لِيُقال فيه. وبهذا يتجه مسار الفعل لديه إلى ما يضمن له القول، وتتحدد حساباته الرابحة ـ كما يراها ـ في الظفر بـ"أكبر قدر من القول" على "أقل قدر من العمل" ! 

لقد كانت البطولات الحربية هي وحدها التي تُوَفر "أكبر قدر من القول على أقل قدر من العمل". ساعة خاطفة في ساحة معركة، تضمن له مَجْدًا يتحدّث به ـ ويُتَحدّث به عنه ـ لسنوات وسنوات. وهي، أي الساعة الخاطفة، لا تُوَفِّر له هذا المجد الرمزي المهم فحسب، بل تُوَفِّر له أيضا "الغنيمة"، تُوَفِّر له المكسب المادي الذي يكفيه كي يعيش سعيدا لسنوات، بل قد تُوَفِّر له الثراء إذا ما احترف مهنة الغزو ـ سلبا ونهبا في وقائع خاطفة ـ، وهي المهنة المُرَمَّزَة التي اعتاش عليها "أبطال العرب" في تاريخهم القديم. 

عاش هؤلاء "الأبطال" على نهب وسلب "المنتجين" الحقيقيين: العمال. الرعاة الكادحون على امتداد الصحراء القاسية، والمزارعون الفالحون في تلك الواحات البائسة، كانوا "عمّالا"، وكانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين. البطولة وفق هذا السياق التراثي لا تُصْبح بطولةَ إنتاجٍ تصدر عن كدح وصبر طويلين، بل تصدر عن عدوان غاشم على هذا الإنتاج. أي أن "المُتَبَطّل" هو "البطل"، المفسد في الأرض؛ يصبح "بطلا"، بينما "العامل المنتج" المصلح في الأرض؛ يصبح ضحية بطل، ضحية ما يَعدّه النسق المجتمعي العربي بطلا.   

وحيث إن الشاعر هو بطل القول، الذي هو انعكاس ظِلِّي لبطل الفعل: المقاتل، فهو لا يرى في كدح الكادحين، ولا في صبر الصابرين، ممن يمتهنون العمل المنتج، ما يستحق الإشادة، فضلا عن أن يستحق التخليد. بل على العكس، يستحقون ـ في نظره ـ الازدراء والتحقير، بل إن الازدراء والاحتقار للعمال الكادحين يطالهم حتى ولو كانوا ـ في أوقات الأزمات الطارئة ـ أبطال معارك من طراز رفيع. يقول الأخطل التغلبي في هجاء "الأنصار" الذين كانوا مزارعين، وـ كانوا في الوقت نفسه ـ أبطال معارك استثنائيين: 
فدعوا المكارم لستم من أهلها      وخذوا مساحيكم بني النجار

هكذا، يُعَيِّرهم بـ"المساحي" أهمّ أدوات الزراعة. ومن هنا، لا يُصْبح العمل إضافة لرصيد، بل سحبا من رصيد. أي أن الأمر يصبح أخطر من تفاضلٍ بين "مُقاتل" و"عامل"، إذ وِفْق هذه الرؤية العربية الخالصة، يصبح الأمر على هذا النحو: "مقاتل غير عامل" أفضل من "مقاتل عامل". ما يعني أن يتحوّل العمل إلى ممارسة معيبة، ممارسة لا تقف حتى على الحياد من بقية صفات الإنسان الأخرى، بل هي ممارسة تخلق صفةً سالبة، صفة تمحو الإيجابيات الأخرى، تُلغيها؛ لتبقى هي وحدها شاهدة على "العار المُتخيَّل" الذي قد لا يجري التصريح به، أو حتى قد لا يَبقَى على هذه الحِدَّة بعد دخول العالم عصر الصناعة، ولكن تبقى ظلاله ماثلة، لتصنع معالم التباين في الأولويات، لِتُمَايز بين مُهِمٍّ وغير مُهِمٍّ، بين أهداف جوهرية أساسية، وأهداف عرضية هامشية؛ وكل ذلك بعد أن أصبح منطق العصر لا يسمح لها بصنع التباين الحاد بين مِهَنِ البطولة ومِهَنِ العار المُتَخيَّل.     

ونحن إذا تأملنا أهم مُكَونات هذا النسق الثقافي العربي التراثي الذي يتمدد في وعينا المعاصر، عرفنا لماذا يَتعثَّر التقدّمُ العربي اليوم. فالعرب حوالي منتصف القرن العشرين كانوا ـ وبمسارات نضالية متعددة ـ قد حصلوا على استقلالهم من الاستعمار، أي نجحوا في تحقيق نوع من "الانتصار البطولي" على المُسْتَعْمِر، على العدو المتقدم حضاريا. ولكنهم، وعلى امتداد سبعة عقود لاحقة، فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق أي خطوة مهمة في مسار التقدم الحضاري. 

لماذا نجحوا كـ"أبطال" أي أبطال معارك تحرّرية من الاستعمار؛ فيما فشلوا فشلا ذريعا كـ"عُمَّال"، أي كبناة نهضة حضارية تنموية شاملة ؟ لماذا استطاعوا تقديم التضحيات الكبرى في معارك التحرّر من الاستعمار، فيما هم عاجزون عن تقديم التضحيات الصغرى (معاير: كبرى وصغرى؛ من وجهة نظر الثقافة العامة الحاكمة) التي من شأنها أن تصنع الفارق في واقع أجيال وأجيال؟    

إنني أعتقد أن السِرَّ يكمن في حقيقة أن الأغلبية الساحقة من "عناصر التقدم" ليست من "عناصر البطولة". ثمة فوارق جوهرية ـ وربما تعارضية ـ بين عناصر هذه وتلك. كان التحرر من الاستعمار يتساوق مع العُرف التراثي لمعنى البطولة المعترف به في النسق الثقافي، بينما كان العمل على تحقيق التقدم التنموي الحضاري لا يُحَقق قيمة البطولة كما هي في ذلك النسق، بل ربما أضعفها وهوّن منها. 

لقد كان الانتصار العسكري في معركة هامشية ضد المستعمر يملأ جوانب الزعيم العربي بالفخر، يُعَزِّزُ فيه مشاعر البطولة، تهتف له ملايين الجماهير، أكثر مما لو بنى ألف مصنع، وألف مدرسة، ومئة مشفى، وعشرين مطارا، وألف كم من الطرق المعبدة أو الطرق الحديدية. وكل ذلك مرتبط بـ"النفس القصير" الذي تعوّد على المنجزات الخاطفة التي تشبه لحظات الحظ، والذي من الطبيعي أن يعجز عن المنجز المشروط بـ"النفس الطويل" الذي يعي ضرورة مراكمة المنجزات، من حيث هو يعي اللحظات مشروطة بسياقاتها الراهنة، من خلال استبصار متعدد الأبعاد زمنيا ومكانيا.  

وباختصار، أراد العرب في هذا العصر ـ تحت وطأة التوجيه التراثي العريق ـ أن يكونوا "أبْطَالا"؛ لا "عُمَّالا"، فكانوا كما أرادوا؛ وفق ما يتخيّلون عن أنفسهم بطبيعة الحال!

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).