Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

العمال على امتداد الصحراء القاسية كانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين.
العمال على امتداد الصحراء القاسية كانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين

محمد المحمود

كانت مقاربة مقال الأسبوع الماضي مَهمُومَة بكوننا ـ كعرب ـ أبناء تراث طويل مُثْخَن بعيوب نسقيّة جوهرية، وبانغلاقات كبرى، تمنعنا من الدخول حقيقة إلى عصر الحداثة الليبرالي، وبالتالي، تمنعنا من الانخراط في مسار التقدم الحقيقي المعني بالإنسان أولا، وبالإنسان غاية. ما يعني أن نقطة البداية في أي مسار "تقدمي حقيقي" لا يمكن أن يكتب لها النجاح؛ ما لم تبدأ بفتح ملفات التاريخ/ التراث: نقدا وتفكيكا، تحليلا وتقييما، تَحْييدا واستثمارا للطاقات الوجدانية التي يمكن توظيفها لتحقيق الإيمان بالتقدم على شرط الوعي بأولوية الإنسان.

تتعدَّد وتتنوع العناوين التراثية التي يجب أن تحظى بقدر كبير من الاهتمام النقدي؛ بغية تجاوز أعطابها المستوطنة في أنظمة الوعي العام العربي. وإذ لا يستطيع مقال واحد، ولا حتى كاتب واحد، بل ولا حقل معرفي واحد، أن يَتَوفَّر على الحد الأدنى من الوفاء بشروط المقاربة النقدية، فلا مَفَرَ من الانتقاء والاختيار، وِفْقاً لتقدير الباحث وأولوياته من جهة، ولمجال الاهتمام من جهة أخرى.

في تاريخنا/ تراثنا، ومن ثَمَّ في نَسَق قِيمنا المُهَيمن، هناك فارق كبير بين "مقاتل" و"عامل"؛ لصالح الأول ـ قِيَمياً ـ على حساب الثاني. وكما تقول كتب تراثنا الأقدم، فإن قبائل العرب لم تكن تفرح وتتبادل التهاني والتبريكات إلا ببروز "فارس" أو "شاعر" في القبيلة. الأول يقوم بدور "المقاتل" (أعظم المهن وأشرفها في نظر العربي الذي عاش حياته الأولى ـ قبل الإسلام ـ قاتلا أو مقتولا؛ لغياب السلطة المركزية)، والثاني يقوم بدور "الإعلامي" المُرَوِّج لأفعال المقاتل، المُخَلِّد لها في ذاكرة المجتمع البدائي: مرحلة ما قبل التدوين. 

لم تكن قيمة "الشاعر" فَنّية بالدرجة الأولى، بل كانت وظيفية، وكان الفني مَبْنِيًّا على الوظيفي. كانت وظيفة الشاعر/ شاعر القبيلة تابعة لوظيفة الفارس/ فارس القبيلة. كانت مهمة الشاعر التي تصنع قيمته المثلى تتحدد في أن ينافح عن قبيلته ضد أعدائها، بأن يُعَدِد انتصاراتها (التي صنعها الفارس)، ويعتذر لهزائمها (التي تسبّب بها الفارس)، ويُخَلِّد وَقائعها؛ كي لا تُنْسى؛ على اعتبار أن هذه الوقائع الحربية هي "الأمجاد" حصرا، ولكنها "أمجاد" تخلو من أثر باق يدل عليها بعد خروجها من لحظتها التاريخية؛ ما لم ترصدها قصيدة شاعر. بمعنى أن هذه الوقائع ليست بناء خالدا يصمد للزمن؛ ليذكر الأبناء بمنجزات الآباء، إنها مجرد وقائع حربية صغيرة كانت تجري في متاهات الصحراء، فإن لم تكتبها القصائد التي تَجترّها الألسن في مجالس السمر، في مجالس الانتظار الأبدي المُمِل؛ طواها النسيان، وذهبت هباءً تضحيات الفرسان. 

إذن، نحن أمام أمجاد البطولة بفرعيها، أمام الأبطال: أبطال السنان وأبطال اللسان. نحن أمام الفعل البطولي الواقعي، وأيضا أمام انعكاسه في مرآة الفن الشعري. وإذ كان العربي مُرَآئِيا في كل أفعاله، فقد كان لا يُقدِم في المعارك، ويُعَرِّض حياته للخطر، ولا يبذل شيئا مما يملك في المُلِمَّات على سبيل الجود والكرم، إلا بمشهد يضمن له الاحتفاء، ويُطْلق فيه ـ بالمديح ـ ألسنَ الشعراء. ما يعني أن القول ـ لا الفعل ـ هو الأصل، إذ كان يفعل؛ لِيَقول أو لِيُقال فيه. وبهذا يتجه مسار الفعل لديه إلى ما يضمن له القول، وتتحدد حساباته الرابحة ـ كما يراها ـ في الظفر بـ"أكبر قدر من القول" على "أقل قدر من العمل" ! 

لقد كانت البطولات الحربية هي وحدها التي تُوَفر "أكبر قدر من القول على أقل قدر من العمل". ساعة خاطفة في ساحة معركة، تضمن له مَجْدًا يتحدّث به ـ ويُتَحدّث به عنه ـ لسنوات وسنوات. وهي، أي الساعة الخاطفة، لا تُوَفِّر له هذا المجد الرمزي المهم فحسب، بل تُوَفِّر له أيضا "الغنيمة"، تُوَفِّر له المكسب المادي الذي يكفيه كي يعيش سعيدا لسنوات، بل قد تُوَفِّر له الثراء إذا ما احترف مهنة الغزو ـ سلبا ونهبا في وقائع خاطفة ـ، وهي المهنة المُرَمَّزَة التي اعتاش عليها "أبطال العرب" في تاريخهم القديم. 

عاش هؤلاء "الأبطال" على نهب وسلب "المنتجين" الحقيقيين: العمال. الرعاة الكادحون على امتداد الصحراء القاسية، والمزارعون الفالحون في تلك الواحات البائسة، كانوا "عمّالا"، وكانوا عرضة ـ على الدوام ـ لغزوات الأبطال: غير المنتجين. البطولة وفق هذا السياق التراثي لا تُصْبح بطولةَ إنتاجٍ تصدر عن كدح وصبر طويلين، بل تصدر عن عدوان غاشم على هذا الإنتاج. أي أن "المُتَبَطّل" هو "البطل"، المفسد في الأرض؛ يصبح "بطلا"، بينما "العامل المنتج" المصلح في الأرض؛ يصبح ضحية بطل، ضحية ما يَعدّه النسق المجتمعي العربي بطلا.   

وحيث إن الشاعر هو بطل القول، الذي هو انعكاس ظِلِّي لبطل الفعل: المقاتل، فهو لا يرى في كدح الكادحين، ولا في صبر الصابرين، ممن يمتهنون العمل المنتج، ما يستحق الإشادة، فضلا عن أن يستحق التخليد. بل على العكس، يستحقون ـ في نظره ـ الازدراء والتحقير، بل إن الازدراء والاحتقار للعمال الكادحين يطالهم حتى ولو كانوا ـ في أوقات الأزمات الطارئة ـ أبطال معارك من طراز رفيع. يقول الأخطل التغلبي في هجاء "الأنصار" الذين كانوا مزارعين، وـ كانوا في الوقت نفسه ـ أبطال معارك استثنائيين: 
فدعوا المكارم لستم من أهلها      وخذوا مساحيكم بني النجار

هكذا، يُعَيِّرهم بـ"المساحي" أهمّ أدوات الزراعة. ومن هنا، لا يُصْبح العمل إضافة لرصيد، بل سحبا من رصيد. أي أن الأمر يصبح أخطر من تفاضلٍ بين "مُقاتل" و"عامل"، إذ وِفْق هذه الرؤية العربية الخالصة، يصبح الأمر على هذا النحو: "مقاتل غير عامل" أفضل من "مقاتل عامل". ما يعني أن يتحوّل العمل إلى ممارسة معيبة، ممارسة لا تقف حتى على الحياد من بقية صفات الإنسان الأخرى، بل هي ممارسة تخلق صفةً سالبة، صفة تمحو الإيجابيات الأخرى، تُلغيها؛ لتبقى هي وحدها شاهدة على "العار المُتخيَّل" الذي قد لا يجري التصريح به، أو حتى قد لا يَبقَى على هذه الحِدَّة بعد دخول العالم عصر الصناعة، ولكن تبقى ظلاله ماثلة، لتصنع معالم التباين في الأولويات، لِتُمَايز بين مُهِمٍّ وغير مُهِمٍّ، بين أهداف جوهرية أساسية، وأهداف عرضية هامشية؛ وكل ذلك بعد أن أصبح منطق العصر لا يسمح لها بصنع التباين الحاد بين مِهَنِ البطولة ومِهَنِ العار المُتَخيَّل.     

ونحن إذا تأملنا أهم مُكَونات هذا النسق الثقافي العربي التراثي الذي يتمدد في وعينا المعاصر، عرفنا لماذا يَتعثَّر التقدّمُ العربي اليوم. فالعرب حوالي منتصف القرن العشرين كانوا ـ وبمسارات نضالية متعددة ـ قد حصلوا على استقلالهم من الاستعمار، أي نجحوا في تحقيق نوع من "الانتصار البطولي" على المُسْتَعْمِر، على العدو المتقدم حضاريا. ولكنهم، وعلى امتداد سبعة عقود لاحقة، فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق أي خطوة مهمة في مسار التقدم الحضاري. 

لماذا نجحوا كـ"أبطال" أي أبطال معارك تحرّرية من الاستعمار؛ فيما فشلوا فشلا ذريعا كـ"عُمَّال"، أي كبناة نهضة حضارية تنموية شاملة ؟ لماذا استطاعوا تقديم التضحيات الكبرى في معارك التحرّر من الاستعمار، فيما هم عاجزون عن تقديم التضحيات الصغرى (معاير: كبرى وصغرى؛ من وجهة نظر الثقافة العامة الحاكمة) التي من شأنها أن تصنع الفارق في واقع أجيال وأجيال؟    

إنني أعتقد أن السِرَّ يكمن في حقيقة أن الأغلبية الساحقة من "عناصر التقدم" ليست من "عناصر البطولة". ثمة فوارق جوهرية ـ وربما تعارضية ـ بين عناصر هذه وتلك. كان التحرر من الاستعمار يتساوق مع العُرف التراثي لمعنى البطولة المعترف به في النسق الثقافي، بينما كان العمل على تحقيق التقدم التنموي الحضاري لا يُحَقق قيمة البطولة كما هي في ذلك النسق، بل ربما أضعفها وهوّن منها. 

لقد كان الانتصار العسكري في معركة هامشية ضد المستعمر يملأ جوانب الزعيم العربي بالفخر، يُعَزِّزُ فيه مشاعر البطولة، تهتف له ملايين الجماهير، أكثر مما لو بنى ألف مصنع، وألف مدرسة، ومئة مشفى، وعشرين مطارا، وألف كم من الطرق المعبدة أو الطرق الحديدية. وكل ذلك مرتبط بـ"النفس القصير" الذي تعوّد على المنجزات الخاطفة التي تشبه لحظات الحظ، والذي من الطبيعي أن يعجز عن المنجز المشروط بـ"النفس الطويل" الذي يعي ضرورة مراكمة المنجزات، من حيث هو يعي اللحظات مشروطة بسياقاتها الراهنة، من خلال استبصار متعدد الأبعاد زمنيا ومكانيا.  

وباختصار، أراد العرب في هذا العصر ـ تحت وطأة التوجيه التراثي العريق ـ أن يكونوا "أبْطَالا"؛ لا "عُمَّالا"، فكانوا كما أرادوا؛ وفق ما يتخيّلون عن أنفسهم بطبيعة الحال!

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).