Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مواطن تونسي يضع نسخة من الدستور على علم البلاد في احتجاجات سابقة - أرشيف
مواطن تونسي يضع نسخة من الدستور على علم البلاد في احتجاجات سابقة - أرشيف

نضال منصور

كنت في الطائرة المتجهة من جنيف إلى تونس حين بادرت بسؤال من يجلس بجانبي، بعد أن علمتُ أنه تونسي يقيم في زيورخ بسويسرا، عن تقييمه للأوضاع في بلاده الآن، فكانت إجابته أنها أفضل من العشرية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي.

وبعد أن وصلت مطار قرطاج، وركبت في التاكسي لأصل إلى مكان إقامتي، عاودت طرح السؤال على السائق لأتعرف على مزاج الناس، وبوصلتهم، فسمعت نقدا قاسيا لتجربة التحول الديمقراطي، وإصرارا بذات الوقت على التمسك بمكتسبات الحقوق والحريات التي تحققت.

لا تحتاج إلى عناء كثير لتعرف أن الناس كانت غاضبة من الأحزاب التي تقاسمت السلطة بعد عام 2011، وحتى استحواذ الرئيس، قيس سعيد، على مقاليد السلطة في شهر يوليو من العام الماضي، ولا تسلم كل القوى السياسية وفي مقدمتها حركة النهضة، ونداء تونس من الاتهامات، ويمكن أن تسمع على لسان العامة أنهم كانوا سببا في "خراب" تونس، وتدهور وضعها الاقتصادي، وتراجع الوضع المعيشي للمجتمع، وأكثرهم تطرفا في أحكامه يصفونهم بـ "عصابة" تقاسمت موارد البلاد لمصالحها.

استثمر الرئيس قيس سعيد، الذي حظي بدعم شعبي لافت خلال الانتخابات، غضب الناس وتذمرهم وخروجهم بمظاهرات لم تخلُ من العنف ليضع يده على السلطة منفردا، وقد وجَدَت إجراءاته بعزل الحكومة ووقف العمل بالبرلمان تأييدا عند بعض القطاعات الشعبية، وحتى بعض الأحزاب التي كانت تُخاصم حركة النهضة أيدته، وحتى القوى المجتمعية الوازنة لم تعارض بحزم، وتركت الباب مواربا للرئيس للمرور، مُذكّرة أن الواقع القائم في ذلك الوقت ما كان يمكن أن يستمر، وأن الصراع السياسي على السلطة عطّل الأوضاع في البلاد، وعمّق أزماتها الاقتصادية.

كان يمكن للرئيس أن يلتقط "طوق النجاة" الذي ألقت به أحزاب، ومنظمات مدنية بأن تدعمه شريطة أن يعود للمسار الديمقراطي، ويمكن استعادة قصة رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، التي عرضت على رئيس الجمهورية أن تجمع له استقالات لغالبية أعضاء مجلس النواب، وبالتالي تُعطي شرعية دستورية لحل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات جديدة مُبكرة.

ولكن واقع الحال أن سعيد لم يُصغِ لها، ولأحزاب كانت دعمت تدابيره في البدايات، وتحشدت جميعها الآن في الخندق المضاد له، بما فيها زعيمة الحزب الدستوري الحر، التي كانت، وما زالت استطلاعات الرأي تعطيها تقدما على جميع منافسيها.

المشهد في تونس الآن بعد ما يُقارب العام مختلف، والأزمات تتعمق سياسيا، واقتصاديا، رغم أن الرئيس ماضٍ دون تردد في خارطة الطريق التي أعلنها في شهر أكتوبر الماضي، ورغم أن العديد من مُناصريه انفضوا من حوله، ورغم التحفظات والنقد المسموع الذي يُعلن من الدول والمنظمات الدولية، وكان آخرها موقف "لجنة البندقية" التي اعتبرت مرسوم الرئيس لا يتوافق مع الدستور، وقالت: "ليس من الواقعي إجراء استفتاء دستوري ذي مصداقية في ظل غياب قواعد ناظمة، ومحددة"، وطالبت بإجراء انتخابات تشريعية في أقرب وقت ممكن، وقبل تنظيم استفتاء على الدستور، وإلغاء مرسوم تعديل الهيئة المستقلة للانتخاب.

وهو الأمر الذي أغضب الرئيس، وأثار حفيظته، فطالب وزير خارجيته بطرد أعضاء "لجنة البندقية" من تونس، واعتبر تدخلهم غير مقبول، وذهب إلى تقريعهم بالقول: "بلدنا ليست ضيعة، أو بستانا، فيتدخلوا فيه متى شاؤوا، وليسوا أوصياء علينا ولسنا بحاجة إلى مصاحبتهم أو مساعدتهم، وإن لزم الأمر سننسحب من هذه اللجنة". 

موقف "لجنة البندقية: المعارض لخارطة الطريق التي يمضي في تنفيذها الرئيس سعيد مهم، فهذه اللجنة تُعد جهازا استشاريا لمجلس أوروبا، ورؤيتها ستكون مرجعا عند التعامل مع النظام التونسي الذي يحتاج المساندة من الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، ورأيها سيُأخذ به عند المؤسسات الائتمانية، وأيضا عند البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

بالتزامن مع موقف لجنة البندقية، وقبله، كانت تصريحات الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خلال اجتماعاته مع الرئيس الإيطالي، بضرورة مساعدة تونس للخروج من المأزق، والعودة إلى الطريق الديمقراطي علامة فارقة.

فتدخُّل رئيس البلد الجار الأكثر تأثيرا في تونس لا يمكن غض النظر عن دلالاته وأبعاده السياسية، وتزيد الأهمية إذا اقترن بدعم إيطاليا، البلد المتاخم لتونس، وفسر صديق لي، عايش مرحلة الانقلاب الأبيض للرئيس بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة، بأنه تزامن مع تصريحات جزائرية داعمة لبن علي في ذلك الوقت، مُلمحا إلى ضرورة ربط الأمور بأطراف خارجية أبعد من البلدين، الجزائر، وإيطاليا تريد أن تكون تونس موطأ قدم لها في المنطقة.

يعتمد الرئيس التونسي على رصيده الشعبي، وكراهية الكثير من التونسيين لمن حكموا في العقد الماضي لتمرير أجندته السياسية، وهو يلجأ إلى مخاطبة الناس بشكل مباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي دون اللجوء لوسائل الإعلام، لكن ما سمعته من تقييم وتحليل لقيادات سياسية وحقوقية يؤكد أن المسار الذي اختاره ليس سهلا أن يمر أو يحظى بالدعم الوطني والدولي، وأن على قيس سعيد أن يضع خطة بديلة إذا ما تعثرت خارطة الطريق التي أعلنها، ويُكافح بكل جهده لتصبح حقيقة قبل نهاية هذا العام.

أنجز الرئيس الخطوة الأولى في أجندته السياسية بإجراء ما أسماه "الاستشارة الإلكترونية"، وهو الآن على بُعد أيام من إعلان دستور الجمهورية التونسية الجديدة قُبيل أن ينتهي هذا الشهر، وسيُطرح للاستفتاء الشهر القادم بتاريخ 25 يوليو، بذكرى مرور عام على استحواذه على السلطة، وحتى هذه اللحظة لم يتسرب الكثير من الدستور الجديد، والأرجح وفق أكثر القراءات أنه سيكون نظاما رئاسيا، وسيُنهي النظام البرلماني الذي اعتمدته "ثورة الياسمين"، وهناك من يقول إن الانتخابات البرلمانية المحدد لها شهر ديسمبر من هذا العام لن تجري وفق قوائم حزبية، وربما يُستبدل هذا النظام ليُصبح الترشح، والانتخاب فرديا.

يقول الرئيس قيس سعيد في الترويج لأجندته السياسية عن نتائج "الاستشارة الإلكترونية" إنها أظهرت أن 82 بالمئة يفضلون النظام الرئاسي، و92 بالمئة يؤيدون سحب الثقة بالنواب، و89 بالمئة ليس لديهم الثقة بالقضاء، ويعتبر الدستور الذي يخضع للتعديل كان سيفجر تونس من الداخل، والمطلوب دستور يُعبر عن إرادة الشعب.

توسعت جبهة المعارضين للرئيس، وإجراءاته، وتزايد المناوئون له بعد قراره الأخير بعزل القضاة مستخدما اتهامات الفساد، وبعض الذين ساندوه غادروا عربته، وظهرت هذه المؤشرات مع بدء سلسلة الحوارات الوطنية، وإعلانات المقاطعة لها.

تعددت الأسماء التي تعارض الرئيس سعيد، وتعارض إجراءاته، والمشكلة ليست مع النهضة خصمه المعلن بالواجهة، فاليوم في تونس تشكل ما يُسمى حركة التيار الديمقراطي، جبهة الخلاص الوطني، ومواطنون ضد الانقلاب، وتوانسة من أجل الديمقراطية، واللقاء الوطني للإنقاذ، ومبادرة اللقاء من أجل تونس، ويسبقهم في الوزن والأهمية الاتحاد العام للشغل، القوة الوازنة التي أعلن أمينها العام، نور الدين الطبوبي، رفض الاستفتاء على مشروع الدستور، لأنه لا يستجيب لتطلعات القوى الوطنية، ولن يحل أزمة البلاد.

هذه الجبهة المعارضة توازيها أيضا جبهة حزبية لا تزال داعمة ومؤيدة، وتتقدمهم أهمية جمهور ما زال يؤمن أن الرئيس طريق الخلاص لهم، ومن الصعب الحكم، أو الحسم من هي الجبهة الأكثر تمثيلا للشعب التونسي؛ المعارضة، أو المؤيدة، فالمشهد في تونس مضطرب ومُحتقن، والمخاوف من تصادمات، ومكاسرات تُختبر في الشارع أمر مقلق، ويزيد الوضع بؤسا اقتصاد يتهاوى وأناس يطحنهم الفقر.

الأزمة تتصاعد، القضاة بدؤوا إضرابا، والرئيس يتوعدهم بالعقاب، والاتحاد العام للشغل دعا لإضراب في 16 من هذا الشهر، وزعيمة الحزب الدستوري الحر تحث أنصارها على التظاهر في 18 من هذا الشهر أيضا، وتعتبر ما يقوم به الرئيس استهزاء بالشعب، وتصفه بالدكتاتورية، وحركة النهضة في ذكرى تأسيسها الـ 41 تُعلن أنها ستتصدى ضمن أوسع ائتلاف سياسي للانقلاب على الدستور، ودوليا الناطق باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، يعتبر إقالة 57 قاضيا تقويضا للديمقراطية، ويقول إن واشنطن أبلغت المسؤولين التونسيين أهمية الضوابط، والتوازنات السياسية.

لا يُعرف ما هي الأوراق التي ما زالت في جعبة الرئيس، ويمكن أن يستخدمها في مواجهة خصومه السياسيين، وقضية الجهاز السري لحركة النهضة الذي اتُهم بتنفيذ اغتيالات سياسية في البلاد، وأثارها، وأصر عليها محامو الشهيدين (شكري بلعيد، ومحمد الإبراهمي) بعد اغتيالهما، ربما تكون هي الورقة الأولى، وتمخض عنها منع سفر رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، و34 شخصا آخر، وهو ملف قديم جديد، استُخدم لمقايضة النهضة سابقا، ووضعه الرئيس الأسبق، الباجي قايد السبسي، على الطاولة خلال التجاذبات مع النهضة، ثم أعاده إلى الأدراج لاحقا.

المؤكد أن الرئيس سعيد لن يستسلم ويتراجع عن خطواته، وكل يوم يلوح لمعارضيه بملفات فساد لحرقهم شعبيا، والمؤكد أيضا أن الرافضين لتوجهاته، ومساره السياسي لن يرفعوا الرايات البيضاء استسلاما، وخضوعا، ويراهنون على أن جبهة الداخل المعارضة تتوسع، وستجبر الرئيس على التراجع، والعودة إلى التشاركية السياسية للبحث عن بدائل الحد الأدنى التي يمكن أن يتوافق عليها المؤثرون في اللعبة السياسية، ويأملون أيضا ألا يتركهم الخارج وحيدين، وأنه ستأتي اللحظة التي سيتخلون فيها عن صمتهم، أو كلامهم على استحياء، وسيقولون له لا، ابحث عن طريق آخر أيها الرئيس.

تونس على مفترق طرق، وهذا العام حاسم في تاريخها، وما بين الأطلال على ثورة الياسمين والتبشير بجمهورية جديدة، يتجرع الشعب الألم ويصبح قيد التجارب ويتعرض أمانه الاجتماعي والمعيشي، والسياسي للتهديد.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس
لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس

عبد الرحيم التوراني

في إطار "خارطة الطريق" المنبثقة عن لقاء السابع من أبريل العام الماضي، بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والعاهل المغربي محمد السادس، من المرتقب أن ينعقد بالرباط  في الأول والثاني من شهر فبراير 2023، اجتماع رفيع المستوى بين إسبانيا والمغرب. سيمثل حدثا بالغ الأهمية، وعنوانا صريحا على تعزيز الارتباط بين البلدين الجارين.

هي قمة ثنائية ظلت منتظرة منذ سبعة أعوام، بعد إلغاء اجتماعين كانا مجدولين  في عامي 2020 و2021، بعِلّة "عدم استيفاء الشروط الصحية" لعقدها، حسب الرباط.  مرة بسبب انتشار جائحة كورونا، وثانية بعد أزمة استقبال زعيم البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج في مدريد، وهي الأزمة التي أوصلت الجارين المتوسطيين إلى حدود القطيعة، خصوصا بعد تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين- أغلبهم من الأطفال والمراهقين- إلى سبتة المحتلة. ما وصفته مدريد حينها بـ "الابتزاز والعدوان" من جانب الرباط، التي استدعت سفيرتها لدى إسبانيا، ولم تعد إلى مدريد إلا بعد تغيير إسبانيا  لموقفها التقليدي بشأن قضية الصحراء، وإعلانها لموقف واضح عبرت عنه رسالة بعث بها رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز إلى العاهل المغربي محمد السادس. وتضمنت الرسالة دعم إسبانيا لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب في الصحراء، معتبرة أن الخطة المغربية تشكل "الأساس الأكثر صلابة ومصداقية وواقعية" لحل النزاع الصحراوي. ما يفيد الاعتراف الإسباني بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية، وما يفسح المجال أساسا لـ"بدء مرحلة جديدة تقوم على أساس الاحترام والثقة المتبادلة والتشاور الدائم والتعاون الصريح والمخلص".

وقد كرر سانشيز التأكيد على هذا المضمون قبيل أسابيع، بكون حكومته اتخذت القرار الصحيح بشأن تأييد مبادرة التفاوض على قانون للحكم الذاتي لإنهاء الخلاف حول الصحراء المغربية. وبأن إسبانيا لن تتأثر بأي ردود فعل من الممكن أن تلوح في الأفق، وأنها ستبقى مستقيمة في مكانها.

ولا شك أن هذا التغيير يمثل رغبة صريحة لإسبانيا في التغلب على الأزمة الدبلوماسية مع الرباط، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في العلاقات الاسبانية المغربية، تتجه صوب "التحرك نحو تعاون أكثر ازدهارًا" مع المنطقة بأكملها، من خلال الإعلان عن "تنظيم قمة مع الجوار الجنوبي على المستوى الأوروبي، لتنفيذ وتطوير هذه الأجندة الإيجابية التي يجب أن تكون لدينا مع جيراننا في الجنوب".

وسبق لسانشيز أن ذكر بأن الطرفين اتفقا على "خارطة طريق واضحة تسمح بإدارة الأمور محل الاهتمام بطريقة منسقة، بروح طبيعية وحسن جوار، دون مجال لأفعال أحادية الجانب".

يبدو أن المسؤولين الإسبان أدركوا أن مشكلة الصحراء التي طال أمد استمرارها، تشكل عائقا حقيقيا يحول دون النهوض بتطوير علاقات إسبانيا مع جيرانها في المنطقة المغاربية، ويساهم في زعزعة الاستقرار وانعدام الأمن في منطقة شمال إفريقيا. في ظل تمسك الأطراف الأساسية للنزاع بمواقفها الأصلية واعتمادها لمفردات تنهل من قاموس مشيطن متبادل، بعيدًا عن إيجاد حل سياسي مقبول على النحو الذي دعت إليه الأمم المتحدة.

كما أدرك الإسبان أن النزاع المطروح منذ حوالي نصف قرن في الصحراء الغربية، هو بالنسبة لمدريد ليس مجرد صراع إقليمي عقيم، بل إنه إشكالية مستعصية لا تفتأ عن تعقيد العمل بالشأن الخارجي الإسباني، في واحدة من أكثر نقاطها حساسية، وهي حدودها الجنوبية. وبالتالي فهو صراع له تأثيراته المباشرة على السياسة المحلية والخارجية الإسبانية، خصوصا أن مدريد لها روابط  ومسؤولية تاريخية جمعتها بالإقليم، لاستعمارها الصحراء الغربية لعقود طويلة، قبل الجلاء عنها (بعد اتفاقية مدريد 1975). ناهيك عن التضامن الذي تحظى به جبهة البوليساريو لدى أحزاب ومنظمات اليسار وقطاعات واسعة من الرأي العام الإسباني. لذلك لا يجانب أحد الصواب إذا تناول قضية الصحراء الغربية باعتبارها  مشكلة داخلية كبرى في السياسة الإسبانية تثقل كاهل العلاقات الاستراتيجية بين إسبانيا والمغرب. خصوصا بعدما بدأت قضية الصحراء تكتسب أبعادا أمنية جديدة من شانها التورط أو الانغماس في مناخ انعدام الأمن الذي يهدد منطقة الساحل، هكذا أخذت مدريد تشعر بالقلق بشكل مباشر من عدم الاستقرار في المنطقة الصحراوية، وبضرورة إيقاف مصادر التوتر وانعدام الأمن في المستقبل، كمهمة أساسية في سياستها الخارجية، تستوجب التعامل الجدي لحل مشكلة الصحراء كعامل أساسي بالنسبة لمدريد.

من هذه المحبرة مداد الرسالة التي أرسلها سانشيز إلى البلاط المغربي، والتي كشف عن مضمونها للرأي العام في شهر أبريل 2022، وتوجت بلقاء رئيس الحكومة سانشيز بالعاهل المغربي، مما سمح بتطبيع إسباني مغربي مشمول بخارطة طريق ستدشن في مستهل فبراير المقبل أولى معالمها بالاجتماع الرفيع المستوى بين الجارين المغربي والإسباني.

لكل ذلك يرى المراقبون أن إعادة العلاقات الإسبانية المغربية تتجاوز مجرد أن تكون تكتيكية في نطاقها، بل إنها تنطوي ولا ريب على تغييرات استراتيجية، بالرغم من احتواء جدول أعمالها على بعض القضايا المعقدة، مثل قضية الجمارك التجاري بمعبري سبتة ومليلية، وقضية التأشيرة لدخول المدينتين، إضافة إلى قضية ترسيم الحدود البحرية، التي عهدت إلى لجنة مغربية إسبانية مشتركة مهمتها الخروج بخلاصات تُرضي البلدين. وفي المقدمةهناك الوضع المعقد المرتبط بقضية المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، والحدود البحرية لجزر الكناري مع المغرب.

لكن التفاؤل بين الطرفين سيظل مطروحا، بتجميد القضايا المعقدة، والعمل على التقاط أهمية وأبعاد التطبيع التاريخي بين الجارين في ظل مناخ غير مسبوق من الثقة بين الجانبين، والعمل على تحويل"الاجتماع الرفيع المستوى" إلى مناسبة قوية لتعميق وتعزيز العلاقات الثنائية، في المجالات السياسية والاقتصادية والتعاونية. 

وستكون على جدول الاجتماع عدة قضايا ومواضيع، منها قضايا الهجرة والدفاع والأمن، والتهريب الدولي للمخدرات، والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما سيمثل الاجتماع مناسبة سانحة للتحقق من مدى التقدم الجيد للعلاقات الدبلوماسية، ما سيعبر عنه عدد الاتفاقيات المنتظر توقيعها، والتي يفوق مجموعها المائة اتفاقية.

لكن مسألة النزاع بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء، هي ولا شك قضية أكثر من شائكة، بل تبدو راهنا صعبة المنال، تحول دون تحقيق التكامل الإقليمي للبلدان المغاربية. فهل تمكن المراهنة على تحولات السياسة الإسبانية الجديدة في ملف الصحراء، من أجل توفير المناخ اللازم لوضع أسس إنهاء لمشكلة الصحراء يمكن بلورته على طريق الحل.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).