Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مواطن تونسي يضع نسخة من الدستور على علم البلاد في احتجاجات سابقة - أرشيف
مواطن تونسي يضع نسخة من الدستور على علم البلاد في احتجاجات سابقة - أرشيف

نضال منصور

كنت في الطائرة المتجهة من جنيف إلى تونس حين بادرت بسؤال من يجلس بجانبي، بعد أن علمتُ أنه تونسي يقيم في زيورخ بسويسرا، عن تقييمه للأوضاع في بلاده الآن، فكانت إجابته أنها أفضل من العشرية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي.

وبعد أن وصلت مطار قرطاج، وركبت في التاكسي لأصل إلى مكان إقامتي، عاودت طرح السؤال على السائق لأتعرف على مزاج الناس، وبوصلتهم، فسمعت نقدا قاسيا لتجربة التحول الديمقراطي، وإصرارا بذات الوقت على التمسك بمكتسبات الحقوق والحريات التي تحققت.

لا تحتاج إلى عناء كثير لتعرف أن الناس كانت غاضبة من الأحزاب التي تقاسمت السلطة بعد عام 2011، وحتى استحواذ الرئيس، قيس سعيد، على مقاليد السلطة في شهر يوليو من العام الماضي، ولا تسلم كل القوى السياسية وفي مقدمتها حركة النهضة، ونداء تونس من الاتهامات، ويمكن أن تسمع على لسان العامة أنهم كانوا سببا في "خراب" تونس، وتدهور وضعها الاقتصادي، وتراجع الوضع المعيشي للمجتمع، وأكثرهم تطرفا في أحكامه يصفونهم بـ "عصابة" تقاسمت موارد البلاد لمصالحها.

استثمر الرئيس قيس سعيد، الذي حظي بدعم شعبي لافت خلال الانتخابات، غضب الناس وتذمرهم وخروجهم بمظاهرات لم تخلُ من العنف ليضع يده على السلطة منفردا، وقد وجَدَت إجراءاته بعزل الحكومة ووقف العمل بالبرلمان تأييدا عند بعض القطاعات الشعبية، وحتى بعض الأحزاب التي كانت تُخاصم حركة النهضة أيدته، وحتى القوى المجتمعية الوازنة لم تعارض بحزم، وتركت الباب مواربا للرئيس للمرور، مُذكّرة أن الواقع القائم في ذلك الوقت ما كان يمكن أن يستمر، وأن الصراع السياسي على السلطة عطّل الأوضاع في البلاد، وعمّق أزماتها الاقتصادية.

كان يمكن للرئيس أن يلتقط "طوق النجاة" الذي ألقت به أحزاب، ومنظمات مدنية بأن تدعمه شريطة أن يعود للمسار الديمقراطي، ويمكن استعادة قصة رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، التي عرضت على رئيس الجمهورية أن تجمع له استقالات لغالبية أعضاء مجلس النواب، وبالتالي تُعطي شرعية دستورية لحل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات جديدة مُبكرة.

ولكن واقع الحال أن سعيد لم يُصغِ لها، ولأحزاب كانت دعمت تدابيره في البدايات، وتحشدت جميعها الآن في الخندق المضاد له، بما فيها زعيمة الحزب الدستوري الحر، التي كانت، وما زالت استطلاعات الرأي تعطيها تقدما على جميع منافسيها.

المشهد في تونس الآن بعد ما يُقارب العام مختلف، والأزمات تتعمق سياسيا، واقتصاديا، رغم أن الرئيس ماضٍ دون تردد في خارطة الطريق التي أعلنها في شهر أكتوبر الماضي، ورغم أن العديد من مُناصريه انفضوا من حوله، ورغم التحفظات والنقد المسموع الذي يُعلن من الدول والمنظمات الدولية، وكان آخرها موقف "لجنة البندقية" التي اعتبرت مرسوم الرئيس لا يتوافق مع الدستور، وقالت: "ليس من الواقعي إجراء استفتاء دستوري ذي مصداقية في ظل غياب قواعد ناظمة، ومحددة"، وطالبت بإجراء انتخابات تشريعية في أقرب وقت ممكن، وقبل تنظيم استفتاء على الدستور، وإلغاء مرسوم تعديل الهيئة المستقلة للانتخاب.

وهو الأمر الذي أغضب الرئيس، وأثار حفيظته، فطالب وزير خارجيته بطرد أعضاء "لجنة البندقية" من تونس، واعتبر تدخلهم غير مقبول، وذهب إلى تقريعهم بالقول: "بلدنا ليست ضيعة، أو بستانا، فيتدخلوا فيه متى شاؤوا، وليسوا أوصياء علينا ولسنا بحاجة إلى مصاحبتهم أو مساعدتهم، وإن لزم الأمر سننسحب من هذه اللجنة". 

موقف "لجنة البندقية: المعارض لخارطة الطريق التي يمضي في تنفيذها الرئيس سعيد مهم، فهذه اللجنة تُعد جهازا استشاريا لمجلس أوروبا، ورؤيتها ستكون مرجعا عند التعامل مع النظام التونسي الذي يحتاج المساندة من الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، ورأيها سيُأخذ به عند المؤسسات الائتمانية، وأيضا عند البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

بالتزامن مع موقف لجنة البندقية، وقبله، كانت تصريحات الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، خلال اجتماعاته مع الرئيس الإيطالي، بضرورة مساعدة تونس للخروج من المأزق، والعودة إلى الطريق الديمقراطي علامة فارقة.

فتدخُّل رئيس البلد الجار الأكثر تأثيرا في تونس لا يمكن غض النظر عن دلالاته وأبعاده السياسية، وتزيد الأهمية إذا اقترن بدعم إيطاليا، البلد المتاخم لتونس، وفسر صديق لي، عايش مرحلة الانقلاب الأبيض للرئيس بن علي على الرئيس الحبيب بورقيبة، بأنه تزامن مع تصريحات جزائرية داعمة لبن علي في ذلك الوقت، مُلمحا إلى ضرورة ربط الأمور بأطراف خارجية أبعد من البلدين، الجزائر، وإيطاليا تريد أن تكون تونس موطأ قدم لها في المنطقة.

يعتمد الرئيس التونسي على رصيده الشعبي، وكراهية الكثير من التونسيين لمن حكموا في العقد الماضي لتمرير أجندته السياسية، وهو يلجأ إلى مخاطبة الناس بشكل مباشر عبر منصات التواصل الاجتماعي دون اللجوء لوسائل الإعلام، لكن ما سمعته من تقييم وتحليل لقيادات سياسية وحقوقية يؤكد أن المسار الذي اختاره ليس سهلا أن يمر أو يحظى بالدعم الوطني والدولي، وأن على قيس سعيد أن يضع خطة بديلة إذا ما تعثرت خارطة الطريق التي أعلنها، ويُكافح بكل جهده لتصبح حقيقة قبل نهاية هذا العام.

أنجز الرئيس الخطوة الأولى في أجندته السياسية بإجراء ما أسماه "الاستشارة الإلكترونية"، وهو الآن على بُعد أيام من إعلان دستور الجمهورية التونسية الجديدة قُبيل أن ينتهي هذا الشهر، وسيُطرح للاستفتاء الشهر القادم بتاريخ 25 يوليو، بذكرى مرور عام على استحواذه على السلطة، وحتى هذه اللحظة لم يتسرب الكثير من الدستور الجديد، والأرجح وفق أكثر القراءات أنه سيكون نظاما رئاسيا، وسيُنهي النظام البرلماني الذي اعتمدته "ثورة الياسمين"، وهناك من يقول إن الانتخابات البرلمانية المحدد لها شهر ديسمبر من هذا العام لن تجري وفق قوائم حزبية، وربما يُستبدل هذا النظام ليُصبح الترشح، والانتخاب فرديا.

يقول الرئيس قيس سعيد في الترويج لأجندته السياسية عن نتائج "الاستشارة الإلكترونية" إنها أظهرت أن 82 بالمئة يفضلون النظام الرئاسي، و92 بالمئة يؤيدون سحب الثقة بالنواب، و89 بالمئة ليس لديهم الثقة بالقضاء، ويعتبر الدستور الذي يخضع للتعديل كان سيفجر تونس من الداخل، والمطلوب دستور يُعبر عن إرادة الشعب.

توسعت جبهة المعارضين للرئيس، وإجراءاته، وتزايد المناوئون له بعد قراره الأخير بعزل القضاة مستخدما اتهامات الفساد، وبعض الذين ساندوه غادروا عربته، وظهرت هذه المؤشرات مع بدء سلسلة الحوارات الوطنية، وإعلانات المقاطعة لها.

تعددت الأسماء التي تعارض الرئيس سعيد، وتعارض إجراءاته، والمشكلة ليست مع النهضة خصمه المعلن بالواجهة، فاليوم في تونس تشكل ما يُسمى حركة التيار الديمقراطي، جبهة الخلاص الوطني، ومواطنون ضد الانقلاب، وتوانسة من أجل الديمقراطية، واللقاء الوطني للإنقاذ، ومبادرة اللقاء من أجل تونس، ويسبقهم في الوزن والأهمية الاتحاد العام للشغل، القوة الوازنة التي أعلن أمينها العام، نور الدين الطبوبي، رفض الاستفتاء على مشروع الدستور، لأنه لا يستجيب لتطلعات القوى الوطنية، ولن يحل أزمة البلاد.

هذه الجبهة المعارضة توازيها أيضا جبهة حزبية لا تزال داعمة ومؤيدة، وتتقدمهم أهمية جمهور ما زال يؤمن أن الرئيس طريق الخلاص لهم، ومن الصعب الحكم، أو الحسم من هي الجبهة الأكثر تمثيلا للشعب التونسي؛ المعارضة، أو المؤيدة، فالمشهد في تونس مضطرب ومُحتقن، والمخاوف من تصادمات، ومكاسرات تُختبر في الشارع أمر مقلق، ويزيد الوضع بؤسا اقتصاد يتهاوى وأناس يطحنهم الفقر.

الأزمة تتصاعد، القضاة بدؤوا إضرابا، والرئيس يتوعدهم بالعقاب، والاتحاد العام للشغل دعا لإضراب في 16 من هذا الشهر، وزعيمة الحزب الدستوري الحر تحث أنصارها على التظاهر في 18 من هذا الشهر أيضا، وتعتبر ما يقوم به الرئيس استهزاء بالشعب، وتصفه بالدكتاتورية، وحركة النهضة في ذكرى تأسيسها الـ 41 تُعلن أنها ستتصدى ضمن أوسع ائتلاف سياسي للانقلاب على الدستور، ودوليا الناطق باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، يعتبر إقالة 57 قاضيا تقويضا للديمقراطية، ويقول إن واشنطن أبلغت المسؤولين التونسيين أهمية الضوابط، والتوازنات السياسية.

لا يُعرف ما هي الأوراق التي ما زالت في جعبة الرئيس، ويمكن أن يستخدمها في مواجهة خصومه السياسيين، وقضية الجهاز السري لحركة النهضة الذي اتُهم بتنفيذ اغتيالات سياسية في البلاد، وأثارها، وأصر عليها محامو الشهيدين (شكري بلعيد، ومحمد الإبراهمي) بعد اغتيالهما، ربما تكون هي الورقة الأولى، وتمخض عنها منع سفر رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، و34 شخصا آخر، وهو ملف قديم جديد، استُخدم لمقايضة النهضة سابقا، ووضعه الرئيس الأسبق، الباجي قايد السبسي، على الطاولة خلال التجاذبات مع النهضة، ثم أعاده إلى الأدراج لاحقا.

المؤكد أن الرئيس سعيد لن يستسلم ويتراجع عن خطواته، وكل يوم يلوح لمعارضيه بملفات فساد لحرقهم شعبيا، والمؤكد أيضا أن الرافضين لتوجهاته، ومساره السياسي لن يرفعوا الرايات البيضاء استسلاما، وخضوعا، ويراهنون على أن جبهة الداخل المعارضة تتوسع، وستجبر الرئيس على التراجع، والعودة إلى التشاركية السياسية للبحث عن بدائل الحد الأدنى التي يمكن أن يتوافق عليها المؤثرون في اللعبة السياسية، ويأملون أيضا ألا يتركهم الخارج وحيدين، وأنه ستأتي اللحظة التي سيتخلون فيها عن صمتهم، أو كلامهم على استحياء، وسيقولون له لا، ابحث عن طريق آخر أيها الرئيس.

تونس على مفترق طرق، وهذا العام حاسم في تاريخها، وما بين الأطلال على ثورة الياسمين والتبشير بجمهورية جديدة، يتجرع الشعب الألم ويصبح قيد التجارب ويتعرض أمانه الاجتماعي والمعيشي، والسياسي للتهديد.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).