Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"
لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"

عبد الرحيم التوراني

لا يمكن قراءة الأزمة الحالية بين الجزائر واسبانيا، إلا إذا نظر إليها من زاوية كونها امتدادا لأزمة أكبر بين الجزائر والمغرب. فإسبانيا قد تكون هنا تلك الكرة الملونة في لعبة البيلياردو، التي تُضرب للاصطدام بكرة أخرى يجب إسقاطها بإحدى الثقوب.

هكذا يبدو المشهد اليوم من شرفة العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، وكأن من آمنوا بإحلال السلام والتعاون وحسن الجوار بين الأشقاء في المنطقة المغاربية، وبينهم وبين الأصدقاء في منطقة حوض الأبيض المتوسط، كانوا مجرد مثاليين غارقين في الأوهام. وأن من يقتفي أثرهم، لا شك أنه سيصحو على نفسه أمام أسوار حلم مستحيل، أو هو مثل من يطارد خيط دخان، على تعبير الشاعر نزار قباني في قصيدته "قارئة الفنجان"، التي أبدع في أدائها الفنان عبد الحليم حافظ. وقد أصبح فهم ما يجري أمامنا من وقائع وأحداث متلاحقة، يحتاج لمنجمين فلكيين بارعين. والحال أننا الآن بصدد أكثر من فنجان، إذ تنتشر في الخلف فناجين أخرى، شرقا وغربا ومن كل جهات هذا العالم الممتد على مرمى الأزمات والمآسي التي تكاد لا تنتهي.

لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"، في مواجهة كل من المغرب والجزائر، "البلدان المتنازعان على الهيمنة والنفوذ في منطقة المغرب العربي والساحل". كما كتب محلل سياسي إسباني. إن "إسبانيا أغلقت أزمة مع المغرب لكنها فتحت أزمة أخرى مع الجزائر"، مضيفا أن ما يحدث الآن هو "حلقة من ذلك التنافس الإقليمي، حيث تخاطر إسبانيا بالتورط فيه".

مباشرة بعد إعلان الجزائر تعليق معاهدة الصداقة التي أبرمتها مع إسبانيا منذ عشرين عاما، كان التبرير هو: "التحول غير المبرر"! في موقف الدولة الإيبيرية من الصحراء الغربية. وبعد هذا الخرق، لم تجد صحف إسبانية من نعت مناسب للجزائر إلا عبارة: "العدو التاريخي للمغرب".

بل إننا إذا عدنا إلى التاريخ القريب، والأسباب التي كانت خلف عقد الجزائر معاهدتها مع إسبانيا، سنجد أنه تم إبرامها في أعقاب "أزمة جزيرة ليلى" التي حصلت بين المغرب وإسبانيا في يوليو 2002. لما أعطت إسبانيا دفعة قوية لعلاقاتها مع الجزائر، ورفعت رتبة العلاقات مع الجزائر إلى نفس مستوى العلاقات مع المغرب، وبلغ هذا التقارب ذروته بتوقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة في أكتوبر 2002.  أما في السبعينيات فقد شجع النظام الجزائري استقلال جزر الكناري، كوسيلة للضغط حتى لا تتسامح إسبانيا مع المغرب".

قرابة نصف قرن مضت على اندلاع النزاع الجزائري- المغربي، ظل خلالها ملف الصحراء الغربية عسيراً وعصيا على الطي والإقفال النهائي. وكلما تسرب الاعتقاد بنهايته، سرعان ما يعود ليفتح من جديد، ليتبين للرائي أنه ذهب ضحية خدعة سراب متلألئ فوق رمال متحركة.

لقد حافظ الرئيس عبد المجيد تبون على وضعية الحدود الجزائرية- المغربية المغلقة منذ 1994، كما اتسم النزاع بين الجارين في عهده، بمزيد من الحدة في التصعيد الدبلوماسي والإعلامي.

وفي الأيام الأخيرة من عام 2020، بعد أزمة معبر "الكركارات"، أعلنت البوليساريو خرق القرار الأممي بوقف إطلاق النار، بعد ثلاثة عقود من إقراره. تلى ذلك مباشرة اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو الاعتراف المقترن بتطبيع الرباط مع إسرائيل. يومها صرحت القيادة الجزائرية "أن الأمن القومي الاستراتيجي للجزائر بات مهددا بوصول العدو الصهيوني إلى الحدود". ثم أتت مراجعة إسبانيا لموقفها من ملف الصحراء الغربية لتزيد الوضع بين الجزائر والمغرب تفاقما. أما قطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع المغرب فهو سابقة مثيرة، إذ استمرت من قبل العلاقات الدبلوماسية بين الجارين، رغم التوتر العالي في علاقاتهما الثنائية، منذ ما يسمى بـ"حرب الرمال" في 1963، والمواجهات بين الجيش المغربي والبوليساريو في الثمانينيات، وما أسفرت عنه من الآلاف من القتلى والجرحى والسجناء.

في حوار مع مجلة "لوبوان" الفرنسية، (مايو- 2021)، حذر الرئيس تبون من قيام المملكة المغربية بالاعتداء على بلده الجزائر، قائلا إن "المغرب هو المعتدي دائما... والقطيعة تأتي من المغرب، وبالضبط من النظام الملكي وليس الشعب المغربي الذي نحترمه". وفي لقاء مع الصحافة المحلية تكلم تبون بلهجة جزائرية صارمة: "إن الحرب إذا اندلعت فلن تتوقف مطلقا".

إلا أن المراقبين يلاحظون خلاف ما يدعيه الرئيس تبون. بهذا الصدد صرح إدوارد موحى، مؤسس "المنظمة الثورية للرجال الزرق - الموريهوب"، (أول حركة تحرير صحراوية تأسست في أحضان النظام الجزائري في نهاية ستينيات القرن الماضي): "إن الجزائر كما يشهد العالم، كانت دائما هي السباقة لإثارة كل المشاكل والقلاقل المتصلة بقضية الصحراء. وهي من صنعت هذا النزاع العبثي الذي طال، وهي لا ترغب مطلقا في جعل حد له، بل إن العقيدة الأساسية للدبلوماسية الجزائرية أصبحت تقتصر على ملف واحد ووحيد، هو العداء للمغرب، والتهرب من كل النداءات والمساعي الإيجابية لإيجاد الحلول الممكنة التي تحافظ على السلم في المنطقة، وتؤكد على الأخوة بين الشعبين وعلى حسن الجوار".

ويضيف موحى: "إن مشكلة الصحراء الغربية باتت معضلة لدى حكام الجزائر، لا يرون حلا أمثل وأنسب من انتصار عقيدتهم، نعم أصبح العداء للمغرب عقيدة لدى جنرالات الجزائر الذين يحكمون البلاد، وبات السبيل للإفلات من غضب الشارع ومن احتجاجات الحراك الشعبي، الذي يرفع شعار "دولة مدنية لا عسكرية"، ويهتف بإسقاط الفساد، هو تصدير كل الأزمات الداخلية بتعليقها على شماعة قضية الصحراء الغربية. لذلك فكلما ازداد الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر تأزما، اتجه النظام الجزائري صوب افتعال حرب مع المغرب".

وفي لحظة خادعة، بدا لحكام الجزائر أنهم انتصروا، وهم يتابعون بحماسة زائدة أزمات الدبلوماسية المغربية المتوالية، وتراجعاتها في ألمانيا وفرنسا واسبانيا، خاصة بعد استقبال مدريد لزعيم البوليساريو، (أبريل - 2021)، "لأسباب إنسانية" - كما قالت اسبانيا-  للتشافي من كورونا، رغم عبوره حدودها بوثائق مزورة وهوية منتحلة. وبعد افتضاح الأمر تأزمت العلاقة بين المغرب وإسبانيا. لكن الأزمة انطفأت قبل اكتمال عام على التوتر غير المسبوق في تاريخ البلدين، اللذين تربطهما علاقات ومصالح قوية. بالموازاة لم تستمر طويلا أزمة الرباط مع بون وباريس. 

والأنكى من كل ذلك، بالنسبة للجزائر، هو التغير الذي طرأ على موقف الدولة المستعمرة السابقة للصحراء، في مارس 2022، بدخول إسبانيا "مرحلة جديدة من العلاقات مع المغرب، توجت بإعلان قبول الدولة الإيبيرية للمبادرة المغربية بشأن ملف الصحراء، التي تقترح الحكم الذاتي للصحراويين. باعتبارها "مبادرة جدية وواقعية وأكثر صدقية باتجاه حل عادل ودائم للنزاع"، كما وصفها كل من رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز ووزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس. 

هذا الأمر شكل تحولا جذريا في دبلوماسية إسبانيا، وضربة أقوى للبوليساريو وللجزائر، لربما هي أشد وقعا وإيلاما من اعتراف الرئيس ترامب، بعدما خابت المراهنة على تراجع الإدارة الأميركية الحالية عن قراره، في عهد الرئيس جو بايدن ونائبته كمالا هاريس. إلا أن ذلك لم يحصل، بل أمسى الخوف من انتقال "العدوى الاسبانية" إلى دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، قد تلتحق بمجموعة المساندين للمغرب في ملف الصحراء.

لا شك أن النزاع حول الصحراء كان على حساب تنمية المنطقة ورخاء شعوبها، وعيش أبنائها في أمن دائم وسلام، وأنه أبقى على الاتحاد المغاربي كيانا بلا حياة منذ الإعلان عن ميلاده في فبراير 1989 بمراكش. يكفي هنا الحديث عن التسابق الكبير حول التسليح بين المغرب والجزائر، فالأرقام تجاوزت أعلى مستويات الإنفاق العسكري بعد الحرب الباردة، حسب المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم. في المدة الأخيرة، وبعدما كانت الجزائر تاريخياً زبونا للأسلحة الروسية، أقدمت على اقتناء طائرات بدون طيار من الصين ومن تركيا. وقد سبقها المغرب في هذا الاتجاه، حيث نشرت أخبار حول اقتناء المغرب طائرات بدون طيار "ستتولى مهام مراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات والتحركات الإرهابية". لكن تقارير خاصة كشفت أنه إضافة إلى طائرات "بيرقدار" التركية، أن المغرب، في سياق تعزيز ترسانته العسكرية، اقتنى في العام الماضي طائرات بدون طيار إسرائيلية من طراز "هيرون"، وطراز "هاروب كاميكازي"، حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وأنه بعد انضمام المغرب إلى "اتفاقات إبراهام"، زادت عقود الأسلحة بين تل أبيب وواشنطن والرباط.

ويرى خبراء أن تراكم عوامل الأزمة بين البلدين، وسباق التسلح بينهما، والمصالح المتناقضة والعدائية إلى حد كبير لكليهما، تثير القلق والخوف من احتمال نزاع مسلح واسع النطاق في شمال إفريقيا. ومع ذلك يستبعد أغلب هؤلاء الخبراء فرضية الحرب، على الرغم من الإنذارات التي أثيرت، والتي يغذيها إلى حد كبير جماعات الضغط الدولية القوية في سوق السلاح.

فالأمن في المنطقة وتدفق حركات الهجرة يشكلان تحديًا مشتركًا بين إسبانيا والاتحاد الأوروبي ودول المغرب العربي. من هنا حرص إسبانيا على محافظتها على تعاون ثنائي وثيق مع دول المنطقة، باعتبارها منطقة استراتيجية لإسبانيا بسبب قربها الجغرافي وروابطها التاريخية وكثافة التبادلات البشرية والاقتصادية والثقافية. وتدفع مدريد بتقارب أكبر بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية، وتقوية سياسة الجوار الأوروبية وتطويرها.

ومنذ عام 2012، كانت إسبانيا الشريك التجاري الرائد للمغرب، وهي أيضًا الوجهة الإفريقية والعربية الرائدة للصادرات الإسبانية، حيث تعمل عشرون ألف شركة إسبانية. أما العلاقة الاقتصادية مع الجزائر فهي أصبحت بالمثل وثيقة الصلة، وبشكل خاص في قطاع الطاقة، ما يقرب من نصف الغاز الذي تستهلكه إسبانيا يأتي من الجزائر.

إلا أن قطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في صيف 2021 كان له تأثير كبير على إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا، بقرار إغلاق خط أنابيب الغاز المغاربي- الأوروبي عبر المغرب. رغم تأكيد السلطات الجزائرية، في ظل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، استمرار إمداد إسبانيا بالغاز عبر خط الغاز الثاني (ميدغاز)، الذي يربط الساحل الجزائري بولاية ألمرية. 

إن عواقب القطيعة بين الجزائر والمغرب مثيرة للقلق ومكلفة في نهاية المطاف بالنسبة للاتحاد الأوروبي. والمخاطر الناجمة عنها حقيقية ولا شك، بسبب ظهور تهديدات جديدة عابرة للحدود، لا سيما بشأن القضايا الحساسة، مثل الإرهاب والتطرف الديني وتدفقات الهجرة أو انعدام الأمن على الحدود.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).