Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

محمد المحمود

تتعدّد السلفيات وتتنوّع، وتتباين في مستوى درجة "التَّسلّف" فيها، وتُراوِغ، أو تُخاتِل، أو تُخاصِم وتُصادِم، في مراوحة بين حالتي: التَّخَفِّي والتَّجَلِّي. ولأجل هذا كله، تبقى ظاهرة "التَّسلّف" ظاهرة عامة، يُمكن ملاحظتها في كل الأديان، وفي كل المذاهب، بل وفي كل الأفكار ذات المنحى الأيديولوجي تقريبا، على اعتبار أن كل هذه تسعى في النهاية للتحكّم في المسلكيات العمومية لجماعة بشرية ما؛ ما يعني بالضرورة بِنَاء قول على قول، وفعل على فعل، بكل ما يستلزمه ذلك من اقتداءٍ وترميزٍ وتقديس. 

لكن، حديثنا هنا لن يكون عن "التَّسلّف" في العموم، لن يكون عن السلفية بالمطلق، بل عن "السلفية السنيّة"، أي عن السلفية التي تأخذ هذه الصفة عند إطلاقها، من حيث هي وصف يُطْلق على تيّار إسلامي اتباعي أثري مخصوص، تيّار يجد جذره الأساس في الحراك الفكري والاجتماعي للمُحدِّثين الأوائل خلال القرنين: الثاني والثالث الهجريين، ويظهر في السياق المعاصر كتيار أثري، حرفي، نصوصي، يُحَدِّد معيار الصوابية المعاصرة بحالة الأسلاف؛ كحالة نموذجية افترضها لسبب وحيد: ظرفها الزماني الخاص.

تبدأ السلفية السنية ـ كتيار اتباعي ـ بالمُحَدِّثِين أواخر القرن الثاني الهجري وعموم القرن الثالث. ثم تزدهر ـ وخاصة بعد الانقلاب المُتَوكّلي ـ بفضل تراكمات الأطروحة العقائدية التي تكونت بفعل الصراع المحتدم مع المنافسين في الساحة: الفرق والمذاهب الأخرى. والأهم، أنها ـ كي تؤسس مشروعيتها ـ تزعم أنها الوريث الوحيد لـ"السلف الصالح" المُتَحدِّد ـ في زعمها ـ بجيل الصحابة والتابعين (بينما هي في الحقيقة تنتقي مجموعة مُحَدّدة منهم، وتُلْبِس آخرين قناعاتها الخاصة بأثر رجعي)، وأن كلَّ خير منهم وعنهم، وكل فلاح ونجاح باتباعهم، وبمقدار حرفية الاتباع، يكون الفعل صوابا. وفي المقابل، يؤكدون على أن كل شر وبلاء فمن الأخلاف، هؤلاء الأخلاف الذين يكفي للحكم على مقولاتهم بالخطأ (بل بالابتداع الذي هو جريمة عقائدية كبرى !) أنها مما لم يَقل به الأسلاف، إذ لو كانت صوابا لسبق إليه الأسلاف، الذين هم ـ وفق المنطق السلفي ـ الأجدر بكل خير، هم الأصوب دائما، وهم الأكرم والأعقل والأعلم.. إلخ مقولات التقديس/ التوثين. 

هذا التيار بقي رائجا على المستوى الجماهيري منذ القرن الثاني وإلى اليوم، بقي رغم تقلبات الزمان وتبدّل الأحوال. وقد وجد وقوده الذي يُغذيّه ويمنحه طاقة الحياة والتجدّد المتكرر في حالة الجمود العقلي أوالسبات المعرفي الذي دخل فيه  العقل العربي/ الإسلامي منذ عشرة قرون تقريبا. فطوال هذه القرون، كانت السلفية التقليدية تقتات على واقعة التخلف والانحطاط، تستمد منها مادتها، وتتعزز وتزدهر في محيطها الحيوي كطوق نجاة في محيط عقل عربي ـ عشائري في مُكَوّنه الأساس ـ لم يتجاوز بعد عبادة الأسلاف.   

كون السلفية، حتى في صورها المعاصرة، تبدو كحالة جمود عقلي وتبلّد روحي وسكون إرادة، ليس هو موضوع النقاش في هذا المقال. موضوعنا هنا مرتبط بحالة تَجاذب وتَخَادم، و ـ أحيانا ـ تحالف حركي، بين السلفية التقليدية من جهة، والقومية العروبية من جهة أخرى، على الرغم من أن مبادئ الإسلام في طبعتها النصوصية الأولى كانت مساواتية، أي كانت متجاوزة للقومي، وذات طابع عالمي، وأيضا، على الرغم من كون الطرف الآخر: القومية العروبية، ذات نَفَس شوفيني عنصري واضح، و كونها ـ في نسختها الرائجة ـ علمانية، مُتَخَفِّفَة من الديني إلى حد كبير، بل إلى درجة التنصيص ـ أحيانا ـ على تحييد الدين. 

في المشهد الفكري العربي الإسلامي المعاصر (الذي يُهَيمن عليه السلفيون بشكل مباشر أو غير مباشر) تجد أن ثمة ميلا واضحا للاعتداد بالعروبة على حساب مبادئ أصيلة في الإسلام. كتابات الإسلاميين تنضح بميل صريح أو خفي إلى تقرير "الإسلام كَمَجْدٍ عروبي"، لا بالاعتماد على مواضعات الحراك العربي الراهن فحسب، بل وأيضا بالاعتماد على الاستثمار في كل التاريخ: وقائعَ وأفكارًا وشخصيات؛ لتأكيد أصالة المبدأ القومي العروبي، ابتداء من مقولة: "العرب مادة الإسلام"، وانتهاء بمقولة: هذا "إسلام أعجمي"؛ على سبيل التَّنقّص والازدراء.  

على الضفة الأخرى، في المشهد الفكري القومي العروبي، تجد أن ثمة ميلا، لا للاعتداد بالإسلام كدين صنع العربَ كأمة ذات حضارة عالمية، وإنما للاعتداد بالإسلام في صورته السلفية كما هي عند السلفيين الأقحاح. فالعروبي هنا، ومهما كان قوميا علمانيا، فإنه يجد في السلفية (إذ يفهمها، أو يشعر بها على نحو ما؛ كحالة تعنصر عروبي) أصالةَ العربي, يجد أصل العروبة، يجد في أعلام السلفية وتاريخها أساسا للفكرة وللمشروع ، بل وللدولة التي يشتغل عليها، وللمستهدفات التي يطمح إليها.

إن هذا التماهي المعاصر، الذي قد يصل ـ في بعض منحنياته ـ إلى صورة من صور التحالف الصريح، يبدو غير مفهوم للوهلة الأولى، يبدو وكأنه خيانة طارئة، خيانة معاصرة تتجاهل التاريخ، خيانة للمقولات الأساسية عند هؤلاء السلفيين وعند هؤلاء العروبيين. فهل يُضَحِّي السلفي المُتأسلم بـ"عالمية الإسلام" التي هو مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح التأطير القومي العروبي المتحدد بأمة عربية واحدة ؟ وهل يُضَحِّي العروبي القومي بـ"قوميته" التي هي مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح رُؤى عالمية من شأنها أن تُذِيب حدود الانتماء القومي العنصري ؟

في تقديري، هما يلتقيان في المبدأ العنصري؛ مهما اختلفا. السلفية تيار ديني، ظاهر مبادئه العالمية، ولكنه في الحقيقة قومي، لقد نشأ في الأصل بفعل دوافع قومية، وتغذّى على هذا الدافع طوال تاريخه، وبالتالي، فهو لا يخسر عالميته التي لم يؤمن بها حقيقة، بل يُوظِّفها في النهاية لصالح مبدأ العروبة القومي. كما أن القومي لا يُضَحِّي بعروبته لصالح عالمية الرؤية الدينية السلفية التي تُجَاهر بعالميتها، إذ يدرك تماما أن السلفية هي مَحض تعبير عروبي عن الإسلام، يُدْرك أنها الإسلام مختصرا في هَمٍّ عروبي واهتمامٍ قومي، وبالتالي، تغدو العالمية في السلفية مجرد دعم وإسناد، وإعلان شعاراتي في النهاية، من شأنه أن يُضِيف إلى حساب القومية؛ ولا يسحب من رصيدها بحال.

هكذا تتضح الصورة بعمومها؛ كما بتفاصيلها المميزة، فيبدو الشيخ السلفي/ ابن تيمية الذي نصَّ صراحة على أن "جنس العرب أفضل من غيرهم"، هو معشوق السلفيين الأول، كما هو معشوق العروبيين الذين بدأوا ـ في ما يُشبه الهلوسة الجماعية ـ بالحديث عن العبقرية الاستثنائية لابن تيمية، بل وأحيانا، عن التسامح الديني التيموي، وربما عن الإسهام الحضاري لابن تيمية !  

وإذا كان عشق السلفيين لابن تيمية مفهوما، من حيث كونه يُعَبِّر عن السلفية في أشد صورها أثرية واتباعا وتعصّبا، فإن تعصّب القوميين له قد لا يبدو مفهوما لكثير من الدارسين الذين يستنكرون عشق كُتَّاب علمانيين لتراث شيخ دين متزمّت ومنغلق أشد ما يكون التزمت والانغلاق، والذين لا يُكَلّفون أنفسهم البحث في الدّوافع والمُحَفّزات التي تقع خارج دائرة: ديني، ولا ديني. ولو أنهم بحثوا في "المشترك العروبي" الذي يتعالى ـ حتى في حالة الديني اللاَّواعية ـ على "المشترك الديني"؛ لأدركوا أن من طبيعة الأمور في مثل هذا السياق، أن يكون ابن تيمية محل احتفاء سلفي وعروبي في آن واحد.  

إذن، ابن تيمية نموذج للديني السلفي الذي يجد الاحتفاء والتقدير والتبجيل من تيّار قومي يدعي العلمانية. وهذه في الظاهر مفارقة، بينما هي في الباطن موافقة واتفاق. 

وفي المقابل، وعلى نحو معاكس، تبدو الدولة الأموية دولة علمانية عروبية قومية، وبالتالي، تبدو وكأنها الأقل إسلامية، والأقرب إلى الدولة اللاّدينية، بل وإلى الدولة المعادية للدين. وهنا، من الطبيعي أن يحتفي بها القومي العروبي العلماني واللاَّديني. ولكن تحدث المفارقة الظاهرة عندما يحتفي بها الديني السلفي. غير أنها مفارقة سطحية تُخْفِي أصلَ الموافقة، فبفهم أصالة المبدأ القومي العروبي عند السلفي (وهو يتعالى على الديني حقيقة)، يمكن فهم هذا الاحتفاء من قبل المُتَزمِّت الديني باللاّديني. ولا يمكن فهم التعشّق السلفي المهموم بالدين للدولة الأموية المناهضة للدين (على الأقل؛ كما يفهمه السلفيون) إلا على هذا الأساس. 

لقد نشأ التيار السلفي كرد فعل على النفوذ اللاَّعربي (= الموالي) في العصر العباسي، أو هو برز وازدهر واستنفر جهوده في هذا العصر، وإلا فقد بدأ في العصر الأموي كخطاب سلطة ضد المعارضين والثائرين المدعومين ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ من الرعايا غير العرب في دولة الأمويين المتعصبة أشد ما يكون التعصب للعرق العربي. 

وحتى تتسع وتتعمّق دائرة الفهم لظاهرة الاشتباك القومي السلفي، لا بد أن نفهم كيف أن تيار العقل (= أهل الرأي) كان هو المقابل لتيار الاتباع (= أهل الحديث)، وكيف أن هذا التيار الأخير ذا الطابع الجبري (المناهض لحرية الإرادة) كان هو المعارض للدولة العباسية إبان نشأتها، على اعتبار أنها نشأت على أكتاف الموالي. بل ونفهم مثلا كيف أن الإمام أبا حنيفة (أحد أئمة المذاهب الأربعة) كان محل تبديع وتكفير وسب وشتم من قبل التيار السلفي، في الظاهر؛ لأنه غير أثري/ عقلاني، وفي الباطن؛ لأنه غير عربي. وربما لأنه غير عربي؛ تمثّل العقّل وتخفّف من النقل. ما يعني أنه استخفّ بالأسلاف (قطع الصلة مع الذهنية العشائرية)، الذين هم في النهاية العرب البسطاء الذين يزعم السلفيون أنهم أصح الناس عقولا وأكملهم تديّنا، وأولى من غيرهم بمطلق الصواب.  

إذن، وبناء على كل ما سبق، نستطيع أن نفهم جزءا مُهّما من إشكاليات الحراك العربي المعاصر، أي نفهم حالة: العروبي غير المتديّن إذ يبدو سلفيا، إذ يبدو أثريا اتباعيا، عشوائيا، مجافيا لكل صور التعقّل، ومرتابا بكل مسارات الحرية ! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

التاريخ العربي.. جدل وتساؤلات
التاريخ العربي.. جدل وتساؤلات

لماذا لا يزال العالمُ العربي مشدودا إلى قاع التخلّف، وكأن تخلّفه قَدَرٌ لَازِمٌ؟ لماذا لا يجتمع هذا العالمُ إلا على تشرذمٍ يتناسل تشرذما؟ لماذا يبدو وكأنه عالَمٌ غرائبي يستعصي على كل مُقوّمات الحضارة؟ لماذا تَتشكَّل قناعاته المستحدثة؛ وكأنها في حالة حرب ـ مفتوحة ومُتَعدِّدة الجبهات ـ مع تراث التنوير الإنساني؟ بل لماذا يبدو في تباهيه بـ"قِشْرَة حضارته"، أو حتى بـ"أوهام تَحضّره" وكأنه "يتقدّم" بالرجوع قرونا إلى الوراء، بل وإلى أسوأ ما في هذا "الوراء" ؟!

لا يخفى أن هذا العالم العربي يعيش اليوم على قاعدةٍ من تُرَاث طويل تَرَاكَم عبر قرون، تراث يجد "مشروعيته" و"قوةَ زَخَمِه" و"بَاذِخَ إغرائه" في القرون الأولى لانتصار الإسلام، وتمدّده عسكريا وعقائديا على حساب حضارات وثقافات كانت تُمَثِّل أرقاما صعبة في معادلة الارتقاء الحضاري للإنسان في التاريخ القديم. ما يعني أنه ـ بِهَيْمنَتِه العسكرية واستعلائه العقائدي ـ اسْتَدْمَجها لحسابه بشكل أو بآخر: إلغاءً أو تهميشاً أو إعادةَ تأهيلٍ وتَشكيلٍ، وصولا إلى إعادة التوظيف الثقافي؛ بما يخدم قِيمَ التوحّش العربي السابقة على الإسلام؛ لا بما يخدم نَسَق التَّأنْسن في الإسلام.

إن المبادئ والقيم التي أكّد عليها النص الإسلامي المقدس/ القرآن، والتي شكّلت نوعا من "انعطافة أنسنة" في سياق تاريخ العرب (وكان يمكن لها أن تتطور في اتجاه إنساني متصاعد)، جرى إجهاضها؛ بمستويات متعددة، وبأساليب متنوعة، ولحسابات شتى، قد تكون إرادة الهيمنة أهمّها. لكن، إذ يصعب التنصيص عليها كلها في نص مقالي كهذا، فإنه يمكننا التأكيد على مستويين من مستويات الإجهاض: 

الأول: المستوى النظري المُتَمثِّل بالنص الحَديثي (الحديث النبوي: الأثريات "المنسوبة" للرسول) الذي حاول به مُعْتَمِدوه، والمُتَحَمِّسُون له، تعميده في سياق المشروعية الدينية، لا كَنَصٍ مُزَاحِمٍ للنص الأول/ القرآن، وإنما كَنصٍ مُعَدِّلٍ ومُسْتَدْرِكٍ، بل وكَنصٍ يمتلك صلاحية إلغاء النص القرآني من الأساس (ما يُؤكِّدون عليه في جواز نسخ القرآن بالسنة).

الثاني: المستوى العملي المُتَمثِّل في مسار الانقلاب الأموي على القيم والمبادئ الأساسية ذات الطابع الإنساني (ضمانة الحريات، وحفظ الحقوق باستقلال القضاء ونفاذ أحكامه، وتجريم الظلم بأنواعه، وتجريم الاعتداء على المال العام، ومنع الاستغلال بكل صوره، والمساواة...إلخ)، وهو انقلاب حاسم وخطير على مسار التأنسن المفترض بمنطق النص المقدس الأول، لصالح قِيم التوحّش الموروثة عربيا أو المُسْتَلهَمة من تجارب الإمبراطوريات السابقة التي أقام الأمويون والعباسيون إمبراطوريّاتهم في فضائها الجغرافي. 

عندما دشّن الحاكم الأموي/ معاوية بن أبي سفيان إمبراطوريته الأموية/ العربية، دشَّنها بالقطيعة القِيَميّة مع الإسلام في نصه الأول، وبالانفصال التام عن المسار التاريخي الإسلامي في تجاربه المثالية الأولى. وهنا، وبالقفز على مشروع/ مشروعية الإسلام الأوّل، بدأ مشروع إرث إسلامي عملي (لا بد وأن يستدعي بالضرورة مشروعه النظري الخاص) سيكتب له الانتصار في مسار تعقيم (= من العقم) الروح الجديدة، وتحويل المجاميع البشرية التي يَمُرّ عليها هذا الطغيان المُمَنْهج إلى مجرد مواد أولية؛ مُهِمَّتُها توفير الوقود الكافي للاستغلال الإمبراطوري الذي سينجح ـ نهاية المطاف ـ في مهمة واحدة ستبقى خالدة: إلغاء الإنسان، إلغاءَه كقيمة أولى في الواقع، وصولا إلى مراكمة مخزون تراثي هائلٍ؛ خالٍ من الوعي بالإنسان. 

إن نجاح مشروع دولة معاوية في إلغاء الإنسان كان أكبر مما توهمه كثيرون. لم يكن نجاحا يتمدد بامتداد المشروع الأموي الذي بدأه معاوية فحسب، بل كان ـ وبقدرته على تطبيع نموذجه وأمْثَلته ـ مشروعا شموليا استطاع إلهام حتى أولئك المنقلبين عليه لاحقا. فالعباسيون، وبثورتهم الانقلابية على الأمويين، كانوا أمويين في الصميم، كان معاوية الأموي الذي يكرهونه بمنطقهم الأيديولوجي الصريح، هو مُعَلِّمهم الأول، ونموذجهم الأمثل، وشعاراته واستراتيجياته هي مرشدتهم في كل أحوالهم. ولم تكن الشعارات المثالية التي رفعوها بداية ثورتهم إلا استعانة بالشعارات الجاذبة جماهيريا لمجرد قدرتها على حشد الناس ودفعهم ليكونوا وقود ثورتهم الغاضبة، التي لم تكن ـ في نسقها الثقافي الأعمق ـ أكثر من دفعة قوية مستأنفة للمشروع الأموي. 

إن خطورة هاتين الدولتين التاريخيتين (= الأموية والعباسية) ليس في أنهما شكّلا منعطفا واقعيا في مسار صعود الحضارة الإسلامية فحسب، وإنما الخطر الحقيقي، الخطر الخالد العابر للزمان، أنهما كانا: عصر تأسيس التراث العربي/ الإسلامي الذي سيطبع بقية عصور العرب/ المسلمين بطابعه؛ حتى بعد زوالهما وتحولهما إلى مجرد تاريخ غابر، تاريخ مندثر زالت حتى معالم أطلاله لتطاول الأمد عليه، ولكن بقي منه ما هو أهم، بقيت الروح الثقافية التي تسري في هذا المخزون التراثي الهائل، الذي يشكل اليوم عمومَ وعي العرب/ المسلمين، والذي سيبقى مهيمنا على تشكيلها هيمنة شبه كاملة؛ ما لم تقم ثورة ثقافية واسعة النطاق، وجذرية بما يكفي لخلق إنسان عربي جديد، بخلق تراث عربي جديد.

معظم الآفات العقلية الفتّاكة التي تنخر في وعي الإنسان العربي اليوم، هي وليدة ذلك العصر الأول: عصر التكوين، عصر التدوين، عصر كتابة العناوين الرئيسة للحضارة الإسلامية، عصر ولادة العلوم العربية والمذاهب والطوائف الإسلامية، عصر المشروعية التي لا يزال أي مسلم اليوم يلوي عنقه إليها؛ كلما أراد التثبت من هويته أو من دينيه أو من مذهبه. وبناء على ذلك، وهو الأهم، سنجده يلوي عنقه إليها؛ كلما أراد أن يتخذ قرارا حاسما لحاضره أو لمستقبله، القريب أو البعيد.

إن تضاؤل ـ أو حتى انعدام ! ـ قيمة الإنسان في وعي العربي/ المسلم اليوم، وغياب روح المساواة، والخوف من الحرية، والتطبيع مع الظلم، والتهوين من قيمة العدالة، والتطبيع مع الاستغلال، والقابلية للاستغفال، وازدياد مستويات التعصب الأعمى، واستشعار العجز إزاء الواقع...إلخ مظاهر الافتقار القيمي/ المبادئ، ليست وليدة هذا العصر، ليست مُتَشرْعِنة بواقعها، ولا حتى بماضيها القريب، بل بالماضي البعيد، ففي القرون الخمسة الأولى من تاريخ الإسلام جرى تهميش بل وقمع الأسئلة المطروحة حول هذه القيم/ المبادئ الأساسية، في مقابل تحويل الاهتمام إلى الأسئلة الهامشية، الهامشية جدا، من نوع: هل أرفع صوتي بالتسبيح في هذا المكان أم لا؟ هل آكل التمر بالأعداد الزوجية أم بالأعداد الفردية، هل أشرب الماء جالسا أم واقفا ؟ هل أشرب باليمين أم بالشمال؟ هل أضع يدي على أسفل الصدر أم على أعلاه في الصلاة؟ هل أصلي ركعتين نافلتين بعد فريضة صلاة العصر أم لا يجوز؟ هل يجوز صوم من أصبح جُنُباً ولم يغتسل؟ هل ما يَدخل عبر العين أو الأذن يُفَطِّر الصائمَ أم يبقى صومه صحيحا؟ ثم الأسئلة الغَيْبية/ الميتافيزيقية التي لا واقع عمليا لها، مثل: هل استواء الله على العرش حقيقة أم مجاز؟ هل لله يَدٌ حقيقية أم هي بمعنى القوة ؟...إلخ. 

هذا الاشتغال بالهامشي جدا، وبالغيبي المستحيل معرفته، لم يكن عفويا بحال. لقد كان مشروع السلطات الأموية والعباسية، بشكل مباشر (بتوجيهات ودعم مادي لمشاريع من هذا النوع)، أو غير مباشر (تحوّل الفقهاء وكبار العقائديين تلقائيا بأسئلتهم واهتماماتهم عن القضايا الكبرى المتعالقة والمتقاطعة مع مصالح السلطات، إلى قضايا هامشية تمنحهم المكانة الاجتماعية التي يطمحون إليها، وفي الوقت نفسه، لا تُعَرِّضهم للخطر). وهذا المشروع وإن كان مُرَادا له في البداية أن يُلَبِّي احتياجاتٍ ظرفيّة، إلا أنه أصبح ـ بفعل تراكم الاهتمامات في هذا الاتجاه، وباعتماد ما تراكم منه في تلك العصور تُراثاً مُعْتَمدا للعصور اللاحقة إلى عصرنا هذا ـ المخزونَ الذي يمتاح منه الوعيُ العربي/ الإسلامي المعاصر.    

لهذا، ليس غريبا أن يُوَاجِه العقلُ العربي/ الإسلامي المعاصر أشدَّ الأسئلة الحضارية الراهنة خطرا، بأسئلة من هذا النوع الهامشي والعرضي والفرعي. بل لقد انبعثت الأسئلة الهامشية تلقائيا حتى في مواجهة الاختراع التقني المبهر. فعندما اخترع الغربُ آلةَ التصوير مثلا، لم يتساءل العقل المسلم عن سِرّ هذا الاختراع، لم يحاول تقليده وتطويره، بل تساءل ـ مُسْتَعِيدا تراثَه ـ: هل التصوير حلال أم حرام؟ وعندما بدأ نقل الأعضاء وزراعتها، لم يتساءل العقل المسلم: كيف نستطيع الإسهام في هذا التطور الطبي المذهل، بل تساءل: هل التبرّع بالأعضاء ونقلها، حلال أم حرام؟

إن هذا التمحور حول الهامشي والفرعي، بل والتافه أحيانا، مقابل التغافل عن السؤال الإنساني والجوهري والشامل، لم يكن إلا نتيجة تربية تراثية تمتد لأربعة عشر قرنا على هذا النوع من الاهتمام. وإذا كان من الطبيعي أن الإنسان يُنْجِز ويُبْدِع فيما يهتم به غاية الاهتمام، فإن الاهتمام بـ"التقدم الحقيقي" لم يكن هو سؤال الوعي الجمعي العربي/ الإسلامي. وطبيعي ـ حينئذٍ ـ أن يفشل في تحقيق التقدم الحقيقي الذي يُنْهي به مسيرة بؤسه، طبيعي أن يبقى رهينَ تناحر وتخاصم، ومغالبة على الاستحواذ، واستغناء طفولي ساذج بالشعارات الرّثة المستهلكة التي لا تغير من واقعه شيئا ذا بال. 

أخيرا، وباستشعار كل ما سبق؛ يتّضح أن إمكانية خروج العربي من واقعه مشروط بإمكانية خروجه من تراثه، ذلك الخروج الصعب، ذلك الخروج المؤشكل، ذلك الخروج الذي يقتضي شجاعة الإقدام على فتح ملفات تاريخ/ تُراث يمتد لأكثر من ألف عام.   

===========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).