Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

محمد المحمود

تتعدّد السلفيات وتتنوّع، وتتباين في مستوى درجة "التَّسلّف" فيها، وتُراوِغ، أو تُخاتِل، أو تُخاصِم وتُصادِم، في مراوحة بين حالتي: التَّخَفِّي والتَّجَلِّي. ولأجل هذا كله، تبقى ظاهرة "التَّسلّف" ظاهرة عامة، يُمكن ملاحظتها في كل الأديان، وفي كل المذاهب، بل وفي كل الأفكار ذات المنحى الأيديولوجي تقريبا، على اعتبار أن كل هذه تسعى في النهاية للتحكّم في المسلكيات العمومية لجماعة بشرية ما؛ ما يعني بالضرورة بِنَاء قول على قول، وفعل على فعل، بكل ما يستلزمه ذلك من اقتداءٍ وترميزٍ وتقديس. 

لكن، حديثنا هنا لن يكون عن "التَّسلّف" في العموم، لن يكون عن السلفية بالمطلق، بل عن "السلفية السنيّة"، أي عن السلفية التي تأخذ هذه الصفة عند إطلاقها، من حيث هي وصف يُطْلق على تيّار إسلامي اتباعي أثري مخصوص، تيّار يجد جذره الأساس في الحراك الفكري والاجتماعي للمُحدِّثين الأوائل خلال القرنين: الثاني والثالث الهجريين، ويظهر في السياق المعاصر كتيار أثري، حرفي، نصوصي، يُحَدِّد معيار الصوابية المعاصرة بحالة الأسلاف؛ كحالة نموذجية افترضها لسبب وحيد: ظرفها الزماني الخاص.

تبدأ السلفية السنية ـ كتيار اتباعي ـ بالمُحَدِّثِين أواخر القرن الثاني الهجري وعموم القرن الثالث. ثم تزدهر ـ وخاصة بعد الانقلاب المُتَوكّلي ـ بفضل تراكمات الأطروحة العقائدية التي تكونت بفعل الصراع المحتدم مع المنافسين في الساحة: الفرق والمذاهب الأخرى. والأهم، أنها ـ كي تؤسس مشروعيتها ـ تزعم أنها الوريث الوحيد لـ"السلف الصالح" المُتَحدِّد ـ في زعمها ـ بجيل الصحابة والتابعين (بينما هي في الحقيقة تنتقي مجموعة مُحَدّدة منهم، وتُلْبِس آخرين قناعاتها الخاصة بأثر رجعي)، وأن كلَّ خير منهم وعنهم، وكل فلاح ونجاح باتباعهم، وبمقدار حرفية الاتباع، يكون الفعل صوابا. وفي المقابل، يؤكدون على أن كل شر وبلاء فمن الأخلاف، هؤلاء الأخلاف الذين يكفي للحكم على مقولاتهم بالخطأ (بل بالابتداع الذي هو جريمة عقائدية كبرى !) أنها مما لم يَقل به الأسلاف، إذ لو كانت صوابا لسبق إليه الأسلاف، الذين هم ـ وفق المنطق السلفي ـ الأجدر بكل خير، هم الأصوب دائما، وهم الأكرم والأعقل والأعلم.. إلخ مقولات التقديس/ التوثين. 

هذا التيار بقي رائجا على المستوى الجماهيري منذ القرن الثاني وإلى اليوم، بقي رغم تقلبات الزمان وتبدّل الأحوال. وقد وجد وقوده الذي يُغذيّه ويمنحه طاقة الحياة والتجدّد المتكرر في حالة الجمود العقلي أوالسبات المعرفي الذي دخل فيه  العقل العربي/ الإسلامي منذ عشرة قرون تقريبا. فطوال هذه القرون، كانت السلفية التقليدية تقتات على واقعة التخلف والانحطاط، تستمد منها مادتها، وتتعزز وتزدهر في محيطها الحيوي كطوق نجاة في محيط عقل عربي ـ عشائري في مُكَوّنه الأساس ـ لم يتجاوز بعد عبادة الأسلاف.   

كون السلفية، حتى في صورها المعاصرة، تبدو كحالة جمود عقلي وتبلّد روحي وسكون إرادة، ليس هو موضوع النقاش في هذا المقال. موضوعنا هنا مرتبط بحالة تَجاذب وتَخَادم، و ـ أحيانا ـ تحالف حركي، بين السلفية التقليدية من جهة، والقومية العروبية من جهة أخرى، على الرغم من أن مبادئ الإسلام في طبعتها النصوصية الأولى كانت مساواتية، أي كانت متجاوزة للقومي، وذات طابع عالمي، وأيضا، على الرغم من كون الطرف الآخر: القومية العروبية، ذات نَفَس شوفيني عنصري واضح، و كونها ـ في نسختها الرائجة ـ علمانية، مُتَخَفِّفَة من الديني إلى حد كبير، بل إلى درجة التنصيص ـ أحيانا ـ على تحييد الدين. 

في المشهد الفكري العربي الإسلامي المعاصر (الذي يُهَيمن عليه السلفيون بشكل مباشر أو غير مباشر) تجد أن ثمة ميلا واضحا للاعتداد بالعروبة على حساب مبادئ أصيلة في الإسلام. كتابات الإسلاميين تنضح بميل صريح أو خفي إلى تقرير "الإسلام كَمَجْدٍ عروبي"، لا بالاعتماد على مواضعات الحراك العربي الراهن فحسب، بل وأيضا بالاعتماد على الاستثمار في كل التاريخ: وقائعَ وأفكارًا وشخصيات؛ لتأكيد أصالة المبدأ القومي العروبي، ابتداء من مقولة: "العرب مادة الإسلام"، وانتهاء بمقولة: هذا "إسلام أعجمي"؛ على سبيل التَّنقّص والازدراء.  

على الضفة الأخرى، في المشهد الفكري القومي العروبي، تجد أن ثمة ميلا، لا للاعتداد بالإسلام كدين صنع العربَ كأمة ذات حضارة عالمية، وإنما للاعتداد بالإسلام في صورته السلفية كما هي عند السلفيين الأقحاح. فالعروبي هنا، ومهما كان قوميا علمانيا، فإنه يجد في السلفية (إذ يفهمها، أو يشعر بها على نحو ما؛ كحالة تعنصر عروبي) أصالةَ العربي, يجد أصل العروبة، يجد في أعلام السلفية وتاريخها أساسا للفكرة وللمشروع ، بل وللدولة التي يشتغل عليها، وللمستهدفات التي يطمح إليها.

إن هذا التماهي المعاصر، الذي قد يصل ـ في بعض منحنياته ـ إلى صورة من صور التحالف الصريح، يبدو غير مفهوم للوهلة الأولى، يبدو وكأنه خيانة طارئة، خيانة معاصرة تتجاهل التاريخ، خيانة للمقولات الأساسية عند هؤلاء السلفيين وعند هؤلاء العروبيين. فهل يُضَحِّي السلفي المُتأسلم بـ"عالمية الإسلام" التي هو مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح التأطير القومي العروبي المتحدد بأمة عربية واحدة ؟ وهل يُضَحِّي العروبي القومي بـ"قوميته" التي هي مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح رُؤى عالمية من شأنها أن تُذِيب حدود الانتماء القومي العنصري ؟

في تقديري، هما يلتقيان في المبدأ العنصري؛ مهما اختلفا. السلفية تيار ديني، ظاهر مبادئه العالمية، ولكنه في الحقيقة قومي، لقد نشأ في الأصل بفعل دوافع قومية، وتغذّى على هذا الدافع طوال تاريخه، وبالتالي، فهو لا يخسر عالميته التي لم يؤمن بها حقيقة، بل يُوظِّفها في النهاية لصالح مبدأ العروبة القومي. كما أن القومي لا يُضَحِّي بعروبته لصالح عالمية الرؤية الدينية السلفية التي تُجَاهر بعالميتها، إذ يدرك تماما أن السلفية هي مَحض تعبير عروبي عن الإسلام، يُدْرك أنها الإسلام مختصرا في هَمٍّ عروبي واهتمامٍ قومي، وبالتالي، تغدو العالمية في السلفية مجرد دعم وإسناد، وإعلان شعاراتي في النهاية، من شأنه أن يُضِيف إلى حساب القومية؛ ولا يسحب من رصيدها بحال.

هكذا تتضح الصورة بعمومها؛ كما بتفاصيلها المميزة، فيبدو الشيخ السلفي/ ابن تيمية الذي نصَّ صراحة على أن "جنس العرب أفضل من غيرهم"، هو معشوق السلفيين الأول، كما هو معشوق العروبيين الذين بدأوا ـ في ما يُشبه الهلوسة الجماعية ـ بالحديث عن العبقرية الاستثنائية لابن تيمية، بل وأحيانا، عن التسامح الديني التيموي، وربما عن الإسهام الحضاري لابن تيمية !  

وإذا كان عشق السلفيين لابن تيمية مفهوما، من حيث كونه يُعَبِّر عن السلفية في أشد صورها أثرية واتباعا وتعصّبا، فإن تعصّب القوميين له قد لا يبدو مفهوما لكثير من الدارسين الذين يستنكرون عشق كُتَّاب علمانيين لتراث شيخ دين متزمّت ومنغلق أشد ما يكون التزمت والانغلاق، والذين لا يُكَلّفون أنفسهم البحث في الدّوافع والمُحَفّزات التي تقع خارج دائرة: ديني، ولا ديني. ولو أنهم بحثوا في "المشترك العروبي" الذي يتعالى ـ حتى في حالة الديني اللاَّواعية ـ على "المشترك الديني"؛ لأدركوا أن من طبيعة الأمور في مثل هذا السياق، أن يكون ابن تيمية محل احتفاء سلفي وعروبي في آن واحد.  

إذن، ابن تيمية نموذج للديني السلفي الذي يجد الاحتفاء والتقدير والتبجيل من تيّار قومي يدعي العلمانية. وهذه في الظاهر مفارقة، بينما هي في الباطن موافقة واتفاق. 

وفي المقابل، وعلى نحو معاكس، تبدو الدولة الأموية دولة علمانية عروبية قومية، وبالتالي، تبدو وكأنها الأقل إسلامية، والأقرب إلى الدولة اللاّدينية، بل وإلى الدولة المعادية للدين. وهنا، من الطبيعي أن يحتفي بها القومي العروبي العلماني واللاَّديني. ولكن تحدث المفارقة الظاهرة عندما يحتفي بها الديني السلفي. غير أنها مفارقة سطحية تُخْفِي أصلَ الموافقة، فبفهم أصالة المبدأ القومي العروبي عند السلفي (وهو يتعالى على الديني حقيقة)، يمكن فهم هذا الاحتفاء من قبل المُتَزمِّت الديني باللاّديني. ولا يمكن فهم التعشّق السلفي المهموم بالدين للدولة الأموية المناهضة للدين (على الأقل؛ كما يفهمه السلفيون) إلا على هذا الأساس. 

لقد نشأ التيار السلفي كرد فعل على النفوذ اللاَّعربي (= الموالي) في العصر العباسي، أو هو برز وازدهر واستنفر جهوده في هذا العصر، وإلا فقد بدأ في العصر الأموي كخطاب سلطة ضد المعارضين والثائرين المدعومين ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ من الرعايا غير العرب في دولة الأمويين المتعصبة أشد ما يكون التعصب للعرق العربي. 

وحتى تتسع وتتعمّق دائرة الفهم لظاهرة الاشتباك القومي السلفي، لا بد أن نفهم كيف أن تيار العقل (= أهل الرأي) كان هو المقابل لتيار الاتباع (= أهل الحديث)، وكيف أن هذا التيار الأخير ذا الطابع الجبري (المناهض لحرية الإرادة) كان هو المعارض للدولة العباسية إبان نشأتها، على اعتبار أنها نشأت على أكتاف الموالي. بل ونفهم مثلا كيف أن الإمام أبا حنيفة (أحد أئمة المذاهب الأربعة) كان محل تبديع وتكفير وسب وشتم من قبل التيار السلفي، في الظاهر؛ لأنه غير أثري/ عقلاني، وفي الباطن؛ لأنه غير عربي. وربما لأنه غير عربي؛ تمثّل العقّل وتخفّف من النقل. ما يعني أنه استخفّ بالأسلاف (قطع الصلة مع الذهنية العشائرية)، الذين هم في النهاية العرب البسطاء الذين يزعم السلفيون أنهم أصح الناس عقولا وأكملهم تديّنا، وأولى من غيرهم بمطلق الصواب.  

إذن، وبناء على كل ما سبق، نستطيع أن نفهم جزءا مُهّما من إشكاليات الحراك العربي المعاصر، أي نفهم حالة: العروبي غير المتديّن إذ يبدو سلفيا، إذ يبدو أثريا اتباعيا، عشوائيا، مجافيا لكل صور التعقّل، ومرتابا بكل مسارات الحرية ! 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

صدامات بين الشرطة  المغربية ومتظاهرين في الحسيمة (أرشيف)
صدامات بين الشرطة المغربية ومتظاهرين في الحسيمة (أرشيف)

عبد الرحيم التوراني

شهد المغرب في الأعوام الأخيرة موجات عالية من القمع، طالت بالأخص شباب الحراك الاجتماعي في منطقة الريف بالشمال وجهات ومدن أخرى. وعلى الرغم من الاعتقالات والمحاكمات التي تعرض لها نشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون ومدونون، فإن النضالات الشعبية تواصلت بشكل متواتر، ولم يتوقف تنظيم الوقفات الاحتجاجية والمسيرات السلمية في الساحات العامة والشوارع، وأمام مقرات السلطات الإدارية، وقبالة مكاتب الوزارات والبرلمان في العاصمة.

في البدء كان منطلق تلك الاحتجاجات يركز على رهانات اجتماعية تطالب بتوفير الخدمات الاجتماعية الضرورية في الشغل والتعليم والصحة والبنيات التحتية الأساسية، إلا أنها تحولت لترفع مطالب سياسية وحقوقية أيضا، كالاحتجاج ضد ارتجالية التدبير وسوء استخدام النفوذ في السلطة، وإطلاق سراح المعتقلين، وأطلقت هتافات وشعارات مناوئة للحكومة والبرلمان، وأيضا هاجمت الأحزاب السياسية التي باتت غير قادرة على أداء دور الدرع الواقي للنظام من الصدمات المباشرة، وبالتالي صارت عاجزة عن القيام بمبادرات تساهم في الخروج من الأزمات، خاصة بعد اتهام حراك الريف من قبل أحزاب الأغلبية في 2017  بـ"الانفصال والارتهان لأجندات أجنبية معادية، وبتلقي الأموال من الخارج"، (لاحقا تراجعت الدولة والأحزاب عن هذه الاتهامات الباطلة)، ما أعاد الذاكرة إلى الوراء، إلى حوالي أربعة عقود، وعبارة "الأوباش العاطلين اللّي عايشين بالتهريب والسرقة"، التي وصف بها العاهل الراحل الحسن الثاني شباب منطقة الريف المنتفضين ضد الأوضاع المعيشية في المدن الشمالية، في الناظور والحسيمة والقصر الكبير سنة 1984. 

***

بعد ارتفاع منسوب الغليان الشعبي ودرجات الاحتقان، لم تترك السلطات للمتضررين من سوء الأحوال الاجتماعية سوى النزول الجماعي إلى الشارع، كفضاء عام ومتنفسً للاحتجاج والتفاعل المدني، تماما مثل الذي حصل في احتجاجات "حركة 20 فبراير"، بل إن بعض المتتبعين يعتبرون الحراك الاجتماعي امتدادا شرعيا للحركة المنبثقة عن "ثورات الربيع العربي" (2011).  

في هذا السياق، كان من المقرر أن تشهد مدينة الدار البيضاء المغربية يوم غد الأحد الموافق لـ 29 ماي 2022، مسيرة وطنية كبرى، دعا إليها تحالف "الجبهة الاجتماعية المغربية" للاحتجاج ضد ارتفاع الأسعار، والتضييق على الحريات، وضد التطبيع مع إسرائيل. لكن سلطات وزارة الداخلية المغربية أصدرت يوم الخميس الأخير قرارا بمنعها لأسباب تتصل بـ"الحفاظ على الأمن والنظام العامين"، كما ورد في بيان المنع. وقد تمسكت الجبهة بتنظيم الوقفة الاحتجاجية الأحد بالدار البيضاء، بينما أجلت المسيرة الوطنية إلى موعد لاحق.

وأعادت الجبهة "أسباب النزول"، في بيان لسكرتاريتها العامة، إلى "مستجدات الأوضاع ببلادنا، حيث تكتوي أوسع الجماهير الشعبية بارتفاع أسعار المحروقات والعديد من المواد الغذائية الأساسية، في غياب أبسط مقومات العيش الكريم للملايين من الأسر التي سحقها الفقر والبطالة والهشاشة والغلاء الفاحش، "الذي يعود لأسباب سياسية واقتصادية توجد في بنية النظام المسؤول عن غياب السيادة الغذائية والطاقية لبلادنا".

كما أشارت في بيانها المؤرخ بـ 11 ماي الحالي، إلى إصرار الحكومة المغربية على تجاهل كل المقترحات للحد من التدهور الخطير، "الذي يخدم لوبيات الاحتكار والمضاربات والريع".

***

يحدث هذا على عتبة أقل من عامٍ على تشكيل الحكومة الجديدة المعينة إثر انتخابات 8 سبتمبر 2021. كما أنها ليست المسيرة الاحتجاجية الأولى في عهد حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش، إذ سبق لـ"الجبهة الاجتماعية المغربية" تنظيم ثلاث مسيرات كبرى خلال هذه السنة 2022، في 20 فبراير، و 6 مارس، و 23 أبريل. ولم يفت بيان الجبهة الإشارة إلى "سياسة تكميم الأفواه وإصدار أحكام قاسية بالسجن، لمجرد تدوينات حول الأوضاع في البلاد، بدل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين. 

ورغم أن المغرب عرف سنة 2011 دستورا جديدا، نزل كتجاوب ذكي وسريع مع مطالب "حركة 20 فبراير"، فإن عددا من الحقوقيين والسياسيين والمراقبين يؤكدون أن "دستور 2011"، على علّاته والانتقادات التي وجهت إلى مضمونه وصياغته وطريقة إعداده، فإنه لم يجر تفعيله، وظلت كثير من بنوده في انتظار المصادقة على قوانين إجرائية، وأن ما يجري العمل به حتى الآن يمكن تسميته بـ "الدستور العرفي". مما يزيد من تأزيم وتدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

مع كل هذا بقيت السلطات وفية لسياستها الموروثة من "سنوات الرصاص" في عهد الحسن الثاني ووزيريه الجنرال محمد أوفقير وإدريس البصري، لا تجيد سوى توظيف المقاربة الأمنية عوض الإنصات للشارع، والإمعان في التجاهل والالتفاف على المطالب الشعبية، وتسارع دائما للرد بعنف، بالاعتقالات والتحقيقات وتلفيق التهم والمحاكمات والسجون والتنكيل، لكل من تجرأ وفتح فمه ضد سياسة الفقر والظّلم الاجتماعي، وتقمع كل من وجد نفسه مضطهدا ودعا إلى محاربة الفساد، أو من بلا عمل وبلا أمل في تغيير أحواله وأقدم على التعبير عن استيائه وسخطه، ولم يكن مثل هؤلاء الغاضبين بحاجة لقراءة نداء الشاعر والكاتب الفرنسي ستيفن هيسل المعنون بـ "عبروا عن استيائكم"، "كن ساخطا (أو كن غاضبا)!" (Indignez - vous)، الذي يدافع عن فكرة أن "السخط هو تخمير للتحدي وإذكاء لروح المقاومة"، وقد ألهم هيسل الآلاف ممن يخرجون اليوم للاحتجاج والغضب في شوارع فرنسا واسبانيا وغيرها. 

***

ارتفاع وتيرة الاحتجاح هو تعبير عن الاتجاه صوب أقصى حالات انسداد الأفق والتيئيس، فلم يعد المواطنون يثقون في ما يصدر كل مرة عن السلطات من وعود، لإدراكهم أن الأمر يدخل في باب الإلهاء وربح الوقت وتمرير "الدَّكّاكَة" عليهم وعلى أولادهم والقادمين من أحفادهم "إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها"، ولم يعد معنى للعناوين الجذابة، مثل "النموذج التنموي الجديد"، و"العدالة المجالية"، والنزاهة والشفافية، أو الكلام عن أحزاب ونقابات، أو الرخاء والازدهار، أو البحث عن جواب لسؤال "أين الثروة؟" الذي ألقاه ملك البلاد على البرلمان، فلا مجال لرد الاعتبار للإنسان والمواطن المغربي، لأن البرنامج التنموي الحقيقي، كما يقول فاعل مدني، "هو محاربة الفساد المالي، ومنع الريع الاقتصادي، والاعتماد على الكفاءات وتكافؤ الفرص، ووضع حد للإفلات من العقاب بمشاهدة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ورؤوس الفساد ولصوص المال العام أمام القضاء. لكن ما دام "حاميها حراميها".. لا تنتظروا تغييرا في واقعكم المعيشي سوى اليأس والإحباط والموت. وإذا لم تحمدوا الإله القادر، فإن أصحاب الحل والعقد يتوعدونكم بأوضاع أشد ضيقا، ولن تزيد أحوالكم إلا تعقيدا ولا مجال لحلول ممكنة...". 

***

بعض الاستشهادات المقتبسة من تقارير الأمم المتحدة والمؤسسات العالمية تضع المغرب في آخر المراتب والدرجات الدنيا في قطاعات التعليم والصحة، وفي ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل بين فئات الشباب. وتؤشر إلى حرمان المغاربة من الحقوق الأساسية المتصلة بالضروريات الاجتماعية. لكن الإعلام الرسمي يجرؤ دائما بالادعاء أن "المغرب أجمل بلد في العالم"، وكأن أخبار مواكب "قوارب الموت" والهاربين من "الجنة المغربية"، إلى جحيم المنفى الاختياري، تخص بلدا آخر بقارة الوقواق. إضافة إلى جحافل المتسولين في الشوارع، ونسبتهم هي الأعلى في المنطقة العربية، بحوالي  700ألف مغربي، جلهم من الأطفال المشردين بلا عائلات ومن دون مأوى، يمتهنون التسول كحرفة ووسيلة لكسب لقمة العيش، وانتشار الشبكات المنظمة التي تستغل أوضاع البنات الفقيرات والأطفال للمتاجرة بمعاناتهم في السياحة الجنسية بمراكش وأغادير، رغم تجريم القوانين المغربية الاتجار بالبشر والدعارة والتسول.

وفي الوقت الذي تروج فيه الدعاية الرسمية أن المغرب يعيش نموا وتقدما "يُحسد عليه"، تؤكد الدراسات والتقارير الأممية أن المغرب يعيش بأكثر من نصف قرن من التخلف مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في بلدان مجاورة، مثل اسبانيا وفرنسا. وأن 17,5 % من الشعب المغربي يعيشون على عتبة الفقر والفقر الحاد المتعدد الأبعاد، وفقا لتقرير رسمي مغربي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط. 

في خضم هذا الجحيم توجد جنة نعيم ذات أسوار عالية ومحصنة، يعيش داخلها خمسة آلاف مغربي من بين أربعين مليون نسمة (حسب التعداد السكاني للبلد)، جاء ذكرهم في تقرير دولي حول "الثروة في افريقيا"، ملخصه أن عدد المغاربة الذين يتوفرون على ثروة تتجاوز مليون دولار (10 ملايين درهم) يناهز خمسة آلاف شخص. وأن المغرب في هذا الإطار يوجد في الرتبة الرابعة افريقيا. وفي التفاصيل الأخرى نطالع أن المغاربة الذين يتوفرون على ثروة تتجاوز 10 ملايين دولار لكل فرد يناهز عددهم 220 مغربيا، ومن تتجاوز ثروات كل واحد منهم 100 مليون دولار هم 22 مغربي، أما أصحاب الثروة المتجاوزة لـمليار دولار فعددهم لا يتجاوز ثلاثة مغاربة، أحدهم هو عزيز أخنوش الذي يرأس الحكومة الحالية ويحتكر تجارة المحروقات إلى جانب قطاعات أخرى. عزيز أخنوش الذي قبل أيام صفق لوزيره في العدل، عبد اللطيف وهبي، لما صرح أمام الغرفة الثانية للبرلمان متوعدا منظمات المجتمع المدني بإقرار مشروع قانون يمنعها من تقديم شكاوى ضد منتخبين من أجل هدر واختلاس المال العام. ما يعني الإصرار على "ابتذال الفساد واستباحة هدر المال العام". وقد خرجت تنظيمات من المجتمع المدني، خصوصا المعنية منها بمحاربة الفساد واختلاس المال العام وبالشفافية، لانتقاد تصريحات هذا الوزير، الذي هو في نفس الآن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، (حزب القصر). وقد وصفت منظمة "ترانسبارانسي المغرب" تصريحات الوزير عبد اللطيف وهبي بـ"الاستفزازية"، وكونها "مؤشر جديد يؤكد غياب إرادة سياسة حقيقية لمحاربة الفساد ببلدنا من طرف الحكومة، بعد مؤشرات سابقة تجلت في سحب الحكومة لمشروع القانون المتعلق بتتميم وتغيير مجموعة القانون الجنائي من مجلس النواب والمتضمن لمقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع، وسحب مشروع قانون تنظيم الاحتلال المؤقت للملك العمومي للدولة". ولفت الفرع المغربي لمنظمة الشفافية الدولية إلى أن هذه التصريحات "هي خرق سافر لمقتضيات المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، ومن ضمنها اتفاقية الأمم المتحدة التي أكدت من خلال المادة 13 على مشاركة المنظمات غير الحكومية في منع الفساد ومحاربته وإذكاء وعي الناس فيما يتعلق بوجود الفساد وأسبابه وجسامته وما يمثله من خطر".

***

أما فيما يتصل بمسألة التطبيع مع إسرائيل الذي تم إقراره من دون العودة إلى البرلمان، ومن دون أي استشارة شعبية، فيلاحظ أن هناك لهفة واستعجال كبيرين لجعل التطبيع أمرا واقعا وموضوعا طبيعيا في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أن واقع الحال يؤكد أن التطبيع الذي أمضاه المغرب في العاشر من ديسمبر 2020، هو شأن يخص الحاكمين وحدهم فقط، ومرفوض شعبيا، كما هو الحاصل في مصر والأردن والسودان والبحرين من الدول العربية المطبعة. حيث تعبر الجبهة الاجتماعية المغربية عن "رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب، والمطالبة بإلغائه وإلغاء كل الاتفاقيات المنبثقة عنه، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني من أجل تحرير فلسطين من الصهيونية وإقامة دولته الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس".

***

"المغرب.. السنوات الحرجة"، عنوان لكتاب من تأليف الصحفي والدبلوماسي المغربي المهدي بنونة (1919 - 2010)، ورغم أن صفحاته تركز على فترة الحماية الفرنسية للمغرب وبدايات الاستقلال، إلا أنه عنوانه يصلح أيضا لوصف بيان الحال الذي يعيشه مغرب اليوم، فرغم كل المظاهر التي توحي بالاستقرار، والتي توجت بنجاح صديق الملك، تاجر محروقات أخنوش، بتمكنه من خوض السياسة وزعامة حزب يمثل "الباطرونا"، ثم رئاسته للحكومة، ورغم الانكسار والتشظي والتشرذم الذي أصيبت به قوى التغيير واليسار، فإن الصورة أكثر من مضللة، ولا تعكس حقيقة الأمر الشبيه بحركة دوران عابث وسط دوائر مغلقة، يبدو لليائس أن الانعتاق منها مستحيل، في حين يرى آخرون أن الاستمرار بها صعب وغير ممكن.

-------------------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).