Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين
السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين

عبد الرحيم التوراني

في بداية فبراير الأخير، عاش المغرب "مأساة ريان"، الطفل الذي لفظ أنفاسه في قعر بئر، وكان العالم حبس أنفاسه أياما بانتظار الخبر المفرح بعودة ريان إلى أهله ناجيا. وبعد حملة تعاطف إنسانية واسعة شملت كل أطراف العالم، عاد الطفل من البئر المظلم الذي تجاوز عمقه ستين مترا، إلا أنه عاد في كفن.  

لم تكد الجموع المكلومة تكفكف دمعها على ريان ذو الخمس أعوام، حتى اندلعت الحرب في أوكرانيا، في آخر أسبوع من الشهر ذاته، لتشد كل انتباه العالم، بل لتمسك بقساوة بأعصابه، مهددة إياه باجتياح ويلات مجاعة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. 

وانتظر العالم لحظة إخراس دوي القاذفات، لكن ذلك لم يتحقق، وقد دخلت الحرب اليوم شهرها الرابع. 

*** 

وهم يتابعون بتأثر أخبار "مأساة ريان"، لم يكن يخطر ببال أفراد أسرة سعدون أنهم سيعانون أشد المعاناة هم أيضا، بسقوط ابنهم في مهوى سحيق، حين زلت قدم ولدهم ابراهيم إلى قاع من صنف آخر، هو أشد فتكا من بئر قرية "أغران" بجبال الشمال المغربي. بئر غاص بالدماء عوض المياه. وبعدما كانت أسرة الشاب سعدون تتطلع إلى اليوم الذي تكلل فيها جهودها بتمكين ابنها ابراهيم من الوصول إلى شط الأمان، بحصوله على الشهادة العليا التي تؤمن مصيره، توصلت بالخبر المحزن. 

 ولأن أخبار الشؤم عادة تصل سريعا، فقد أفاقت أسرة سعدون على المأساة التي حلت بها كالصاعقة، لما جاءها من ينبئها بوقوع ابنهم ابراهيم الطالب في كييف، أسيرا في الحرب الروسية - الأوكرانية، وأن حكما بالإعدام ينتظره. 

*** 
ليس ابراهيم سعدون (21 سنة) هو أول مغربي يشارك في حرب بعيدة عن حدود المغرب بآلاف الكليمترات، ففي كل مناطق الصراعات المسلحة وجد مغاربة. ولن نتكلم عن المغاربة الذين زج بهم الضابط الاسباني فرانكو في الحرب الأهلية الاسبانية، في ثلاثينيات القرن العشرين، قلة منهم تسللت إلى جبهة الجمهوريين. ولن نذكر هنا المغاربة الذين قدمتهم فرنسا كحطب في الحرب العالمية الثانية، أوعن المغاربة الذين شاركوا في حروب الهند الصينة، ومنهم من قاتل بجانب الشيوعيين الفيتناميين، ورفعه رفاق هو شي منه إلى رتبة جنرال (محمد بن عمر لحرش). ولا عن المغاربة الذين ذهبوا كجنود في عمليات عسكرية وسط أدغال إفريقيا. بل سنكتفي هنا بالحديث عن مغاربة الطالبان، من انتقلوا بالآلاف طوعا للانضمام إلى مجاهدي أسامة بن لادن لقتال الاتحاد السوفياتي بأفغانستان، ثم بقوا هناك متورطين في صراعات ذلك البلد الواقع بأسيا الوسطى. وعن مغاربة حرب البوسنة والهرسك، وأقرانهم من مغاربة "داعش" بالعراق وسوريا، وقد قتل منهم العديدون، واقتيد آخرون إلى معتقل "غوانتنامو" الشهير.  

دون أن ننسى أولئك المغاربة الذين شاركوا في حروب فلسطين منذ 1948، ومن التحق منهم في الستينيات والسبعينيات، وانضم للقتال إلى جانب الفصائل الثورة الفلسطينية، كمنظمة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وأيضا المغاربة الذين وصلتنا أصداء بعضهم في سجل التضامن الأممي المغربي، مثل الطبيب لسان الدين بوخبزة، ابن مدينة تطوان، الذي قتل وهو لم يتجاوز 30 سنة، ضمن صفوف ثوار "ألفارابوندو مارتي" بالسالفادور، (1987). 

*** 

لا أعتقد أن مثل صور هذه البطولات تزاحمت في رأس الطالب الصغير ابراهيم وهو في كييف، بقدر ما يرجح أنه تأثر بحرب النجوم من خلال الألعاب الإلكترونية، وهو يتابع دراساته في علوم الفضاء؟! 

لكن، ما هي الدوافع التي أدت بابراهيم سعدون إلى السعي لاكتساب خبرة عسكرية، وفق ما صرح به أحد أصدقائه الأوكرانيين؟!، علما أن بنيته الجسدية لا تلائم ما سعى إليه. 

*** 

كل من شاهد الفيديوهات التي وزعتها الجهات التي تحتجز ابراهيم سعدون، وحضر المقابلة الحصرية التي أنجزتها معه قناة "روسيا اليوم"، يكون قد تاثر بحداثة سن ابراهيم، الذي تكلم مخاطبا والدته بأن لا تجزع أو تخاف عليه، قائلا لها بثقة إنه "تمكن من تحقيق كل ما كان يرغب في تحقيقه في حياته"(!).  

فماذا بإمكان شاب لم يتجاوز بعد 21 سنة من عمره أن يحققه في حياته القصيرة؟!  

وشاهدناه أيضا كيف كان يتحدث مثل ضيف في برنامج منوعات، وهو يرد بعفوية على الأسئلة، وبدا في بعض الأوقات كمن لا يقدر خطورة الموقف الذي يوجد بصدده، ولا الانعكاسات السلبية لبعض تصريحاته، مثل كلامه عن الدين، ما جعل كثيرا من العرب والمسلمين لا يتعاطفون معه. وقد عزا البعض ذلك لكون الشاب تعرض لـ"غسل الدماغ". أو كما ذكرت جمعية الصداقة الروسية ــ المغربية في بيان لها، إن استقطاب هذا الشاب في الحرب، يعد "جرما في حقه (...) بسبب هشاشته النفسية، وضد مصلحته بكل تأكيد".  

إلا أن تعابير البراءة على وجه ابراهيم سعدون، ساهمت في استقطاب تعاطف الملايين معه، خاصة بعد النطق بحكم الإعدام في حقه مع البريطانيين اللذان مثلا معه أمام قضاة المحكمة العليا بجمهورية دونستيك الشعبية. 

ففي الوقت الذي كان الخوف باديا على ملامح البريطانيين، وشاهدناهما يطأطآن رأسيها ساهمين من وطأة التحسر والتفكير بما حلَّ بهما، رأينا الشاب ابراهيم وقد ساوره أيضا التوتر، إذ كان لا يتوقف عن توزيع نظراته على القضاة وعلى الملثمين المدججين بالرشاشات أمامه.  

بعد النطق بالحكم القاضي بالإعدام رميا بالرصاص في حق الثلاثة، أحنى الرجلان البريطانيان رأسيهما، ومثلهما فعل ابراهيم، الذي طوى جسده، حيث أنزل رأسه إلى ركبتيه وهو جالس بقفص الاتهام، إلا أنه ما لبث أن تماسك واستوى من جديد، وكأنه بهذه الحركة اللاإرادية تخلص بسرعة من صدمة الانكسار النفسي الذي ترددت أصداؤه بداخله. 

ولما سئل من قبل الصحفيين، استقبلهم سعدون بنظرات مكتظة بالعبث، قائلا: هذا "يوم سعيد"، وجوابا على سؤال ينزف شماتة، حول الوجبة التي يتمنى تناولها قبل تنفيذ الحكم ضده، أجاب ابراهيم ممعنا في السخرية إنه يحب التهام "بيتزا"، ثم رسم على وجهه نصف ابتسامة.  

وكأن ابراهيم سعدون هنا تعمد أن يسخر من الروس، ويذكرهم بصورة آخر رئيس سوفياتي (أوكراني الأصل)، هو غورباتشوف، عندما ظهر قبل ربع قرن في إعلان ترويجي لسلسة مطاعم "بيتزا هت" الأمريكية، ما اعتبره الروس حينها إهانة بالغة لكبريائهم. 

كما بدا كأنه لا مجال للندم بداخل هذا المغربي الصغير، ابن مدينة الدار البيضاء، وهو يتلقى أقسى حكم قضائي يمكن أن يواجهه إنسان.  

أو أننا أمام شخصية شبيهة بأحد أبطال فيلم "طيران فوق عش الوقواق" للمخرج ميلوش فورمان. 

لا ريب أن الشاب المغربي الذي وصف بالمتفوق في دراسته وبالنبوغ، لا يخلو من مسحة جنون. وقد كان ابراهيم على طريق أن يصبح واحدا من علماء الفضاء، فإذا بقدره يسوقه ليصبح من ضحايا الحروب، ومقاتلا لا يحظى بمجد وشرف الجنود الأبطال. 

ولم يصلنا مضمون مرافعة الدفاع الذي عينته المحكمة لفائدتهم. ولم يقدم أي من الثلاثة نفسه كأوكراني، كما صرحت وزيرة الشؤون الخارجية في "جمهورية دونستيك الشعبية". 

لكن ألم يكن بإمكان ابراهيم ورفيقيه الامتناع عن الاعتراف بتلك المحكمة التي وصفت "بمحاكمة صورية تعود إلى الحقبة السوفيتية". 

لكن قادة الكرملين، يصرون على استخدام مصطلح "العملية العسكرية" في حربهم الجارية حاليا بأوكرانيا، والقول بشرعية وقانونية ما يجري في دونيتسك ولوغانسك من محاكمات بإشراف النيابة العامة في الجمهوريتين غير المعترف بهما. وأنه من ناحية القانون الدولي أن كل من يشارك وينخرط في هذه الحرب يعتبر في عداد المرتزقة.  

لذلك يرى محللون وخبراء روسيون أن محاكمة ابراهيم سعدون والبريطانيين هي من "وجهة نظر القانون الدولي محاكمة مشروعة". ويضيفون ضرورة وجوب الانتباه إلى أن هناك ربما ثلاثة أو أربعة دول، اعترفت بجمهوريتي لوغانسك، وبالتالي فإن هذا يجيز قانونية المحاكمة. 

كما يضيفون أن المحاكمة وما سيليها من محاكمات لمقاتلين آخرين، هم الآن بين يدي القوات الموالية لروسيا، "هي في الواقع عملية رد قانوني وسياسي على المحاكمات التي تقوم بها كييف لعدد كبير من الجنود الروس الذين اعتقلوا وتتم اليوم محاسبتهم وفق القانون الأوكراني". 

كما أن هناك إشكالية قانونية أخرى، لكون أوكرانيا لأسباب غير خفية، لا ترغب في أن تعلن الحرب على روسيا. ففي حال أعلنت أوكرانيا الحرب على روسيا، فمن الناحية القانونية أيضا ستقوم أوكرانيا بمحاكمة الجنود الروس على أساس أنهم مرتزقة وليسوا مقاتلين. إن إعلان الحرب سواء من روسيا على أوكرانيا، أو من أوكرانيا على روسيا، سيعني انخراط كل الدول التي وقعت على معاهدة الدفاع المشترك، أي بين منظمة التعاون العسكري، التي تضم عددا كبيرا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ما يفيد أن الطرفين لهما مصلحة في عدم اعتبار هذه الحرب "حربا"، بل إنما هي "عملية عسكرية"، لتجنب التداعيات التي قد تنتج عن ما يعاكس ذلك.  وإلا أنه في هذه الحالة ممكن لموسكو أن توقف ضخ النفط إلى أوكرانيا. فإلى حدود اليوم لا تزال الدبابات والآليات العسكرية الأوكرانية تتزود بالنفط والوقود الروسي، وهذا ما لا يشير إليه أحد. إذا، حسب الروس دائما، إن عمليات المحاكمة من وجهة نظر القانون الدولي هي مشروعة، على أساس اعتبار ما يحدث من قتال هو "عملية عسكرية" بحد ذاتها. ويجوز محاكمة المقاتلين بصفتهم مرتزقة. لكن إعلان الحرب يفرض من ناحية القانون الدولي اعتبارهم "أسرى حرب".  

وحسب الإعلام الروسي هناك أيضا عمليات محاكمات لاحقة ستجري لعدد من الذين تم الإمساك بهم في الحرب، ويبلغ عددهم حوالي 2000 مقاتل. بينهم حوالي 100 إلى 250 مقاتلا من جنسيات أوروبية وأمريكية. 

*** 

لكن، بالعودة إلى المغرب، حيث تجتمع نداءات المغاربة على إدانة الحكم بالإعدام في حق ابراهيم سعدون، وتطالب السلطات المغربية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذه، وإطلاق سراحه لاعتبارات إنسانية". 

رغم أن الجنسية المغربية لا تسقط عند اكتساب جنسية أخرى، لكن يبدو أن حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش قد تخلت عن مواطن مغربي، كما صرح رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، "عكس الحكومة البريطانية التي دخلت على خط القضية وبدأت تضغط على روسيا، على اعتبار اثنين من رعاياها حوكما في نفس الملف".   

واليوم على بعد أقل من شهر على الحكم المستأنف، والذي سيسبب أزمة إنسانية دولية في حال تنفيذه، لا يتذكر المغاربة أن بلادهم سعت للتضامن مع مواطنيها في الخارج، فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، كما تصرح مغربية ببلجيكا "يقتصر دورها فقط على ضخ الملايير من العملة الصعبة لميزانية الدولة". 

أو كما يستدرك مغربي آخر من الرباط، (في العقد السادس)، أن المرة الوحيدة التي بقيت بذاكرته قامت فيها الدولة المغربية، أو على الأصح إعلامها الرسمي، بمساندة مواطنين وقعوا في مشكلة بالخارج، تعود لعام 2005، عندما جرى اختطاف عاملين بسفارة المغرب في بغداد، عبد الكريم المحافظي وعبد الرحيم بوعلام، الأول موظف، والثاني سائق.  

وإذا عرف عن الطاهر سعدون، والد الشاب ابراهيم، انشغاله بموضوع السلامة الطرقية، فالجميع يأمل ويتمنى أن يعود ابنه سالما من هذه الطريق غير الآمنة التي سلكها وألقت به في مهاوي الخطر. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).