Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين
السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين

عبد الرحيم التوراني

في بداية فبراير الأخير، عاش المغرب "مأساة ريان"، الطفل الذي لفظ أنفاسه في قعر بئر، وكان العالم حبس أنفاسه أياما بانتظار الخبر المفرح بعودة ريان إلى أهله ناجيا. وبعد حملة تعاطف إنسانية واسعة شملت كل أطراف العالم، عاد الطفل من البئر المظلم الذي تجاوز عمقه ستين مترا، إلا أنه عاد في كفن.  

لم تكد الجموع المكلومة تكفكف دمعها على ريان ذو الخمس أعوام، حتى اندلعت الحرب في أوكرانيا، في آخر أسبوع من الشهر ذاته، لتشد كل انتباه العالم، بل لتمسك بقساوة بأعصابه، مهددة إياه باجتياح ويلات مجاعة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. 

وانتظر العالم لحظة إخراس دوي القاذفات، لكن ذلك لم يتحقق، وقد دخلت الحرب اليوم شهرها الرابع. 

*** 

وهم يتابعون بتأثر أخبار "مأساة ريان"، لم يكن يخطر ببال أفراد أسرة سعدون أنهم سيعانون أشد المعاناة هم أيضا، بسقوط ابنهم في مهوى سحيق، حين زلت قدم ولدهم ابراهيم إلى قاع من صنف آخر، هو أشد فتكا من بئر قرية "أغران" بجبال الشمال المغربي. بئر غاص بالدماء عوض المياه. وبعدما كانت أسرة الشاب سعدون تتطلع إلى اليوم الذي تكلل فيها جهودها بتمكين ابنها ابراهيم من الوصول إلى شط الأمان، بحصوله على الشهادة العليا التي تؤمن مصيره، توصلت بالخبر المحزن. 

 ولأن أخبار الشؤم عادة تصل سريعا، فقد أفاقت أسرة سعدون على المأساة التي حلت بها كالصاعقة، لما جاءها من ينبئها بوقوع ابنهم ابراهيم الطالب في كييف، أسيرا في الحرب الروسية - الأوكرانية، وأن حكما بالإعدام ينتظره. 

*** 
ليس ابراهيم سعدون (21 سنة) هو أول مغربي يشارك في حرب بعيدة عن حدود المغرب بآلاف الكليمترات، ففي كل مناطق الصراعات المسلحة وجد مغاربة. ولن نتكلم عن المغاربة الذين زج بهم الضابط الاسباني فرانكو في الحرب الأهلية الاسبانية، في ثلاثينيات القرن العشرين، قلة منهم تسللت إلى جبهة الجمهوريين. ولن نذكر هنا المغاربة الذين قدمتهم فرنسا كحطب في الحرب العالمية الثانية، أوعن المغاربة الذين شاركوا في حروب الهند الصينة، ومنهم من قاتل بجانب الشيوعيين الفيتناميين، ورفعه رفاق هو شي منه إلى رتبة جنرال (محمد بن عمر لحرش). ولا عن المغاربة الذين ذهبوا كجنود في عمليات عسكرية وسط أدغال إفريقيا. بل سنكتفي هنا بالحديث عن مغاربة الطالبان، من انتقلوا بالآلاف طوعا للانضمام إلى مجاهدي أسامة بن لادن لقتال الاتحاد السوفياتي بأفغانستان، ثم بقوا هناك متورطين في صراعات ذلك البلد الواقع بأسيا الوسطى. وعن مغاربة حرب البوسنة والهرسك، وأقرانهم من مغاربة "داعش" بالعراق وسوريا، وقد قتل منهم العديدون، واقتيد آخرون إلى معتقل "غوانتنامو" الشهير.  

دون أن ننسى أولئك المغاربة الذين شاركوا في حروب فلسطين منذ 1948، ومن التحق منهم في الستينيات والسبعينيات، وانضم للقتال إلى جانب الفصائل الثورة الفلسطينية، كمنظمة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وأيضا المغاربة الذين وصلتنا أصداء بعضهم في سجل التضامن الأممي المغربي، مثل الطبيب لسان الدين بوخبزة، ابن مدينة تطوان، الذي قتل وهو لم يتجاوز 30 سنة، ضمن صفوف ثوار "ألفارابوندو مارتي" بالسالفادور، (1987). 

*** 

لا أعتقد أن مثل صور هذه البطولات تزاحمت في رأس الطالب الصغير ابراهيم وهو في كييف، بقدر ما يرجح أنه تأثر بحرب النجوم من خلال الألعاب الإلكترونية، وهو يتابع دراساته في علوم الفضاء؟! 

لكن، ما هي الدوافع التي أدت بابراهيم سعدون إلى السعي لاكتساب خبرة عسكرية، وفق ما صرح به أحد أصدقائه الأوكرانيين؟!، علما أن بنيته الجسدية لا تلائم ما سعى إليه. 

*** 

كل من شاهد الفيديوهات التي وزعتها الجهات التي تحتجز ابراهيم سعدون، وحضر المقابلة الحصرية التي أنجزتها معه قناة "روسيا اليوم"، يكون قد تاثر بحداثة سن ابراهيم، الذي تكلم مخاطبا والدته بأن لا تجزع أو تخاف عليه، قائلا لها بثقة إنه "تمكن من تحقيق كل ما كان يرغب في تحقيقه في حياته"(!).  

فماذا بإمكان شاب لم يتجاوز بعد 21 سنة من عمره أن يحققه في حياته القصيرة؟!  

وشاهدناه أيضا كيف كان يتحدث مثل ضيف في برنامج منوعات، وهو يرد بعفوية على الأسئلة، وبدا في بعض الأوقات كمن لا يقدر خطورة الموقف الذي يوجد بصدده، ولا الانعكاسات السلبية لبعض تصريحاته، مثل كلامه عن الدين، ما جعل كثيرا من العرب والمسلمين لا يتعاطفون معه. وقد عزا البعض ذلك لكون الشاب تعرض لـ"غسل الدماغ". أو كما ذكرت جمعية الصداقة الروسية ــ المغربية في بيان لها، إن استقطاب هذا الشاب في الحرب، يعد "جرما في حقه (...) بسبب هشاشته النفسية، وضد مصلحته بكل تأكيد".  

إلا أن تعابير البراءة على وجه ابراهيم سعدون، ساهمت في استقطاب تعاطف الملايين معه، خاصة بعد النطق بحكم الإعدام في حقه مع البريطانيين اللذان مثلا معه أمام قضاة المحكمة العليا بجمهورية دونستيك الشعبية. 

ففي الوقت الذي كان الخوف باديا على ملامح البريطانيين، وشاهدناهما يطأطآن رأسيها ساهمين من وطأة التحسر والتفكير بما حلَّ بهما، رأينا الشاب ابراهيم وقد ساوره أيضا التوتر، إذ كان لا يتوقف عن توزيع نظراته على القضاة وعلى الملثمين المدججين بالرشاشات أمامه.  

بعد النطق بالحكم القاضي بالإعدام رميا بالرصاص في حق الثلاثة، أحنى الرجلان البريطانيان رأسيهما، ومثلهما فعل ابراهيم، الذي طوى جسده، حيث أنزل رأسه إلى ركبتيه وهو جالس بقفص الاتهام، إلا أنه ما لبث أن تماسك واستوى من جديد، وكأنه بهذه الحركة اللاإرادية تخلص بسرعة من صدمة الانكسار النفسي الذي ترددت أصداؤه بداخله. 

ولما سئل من قبل الصحفيين، استقبلهم سعدون بنظرات مكتظة بالعبث، قائلا: هذا "يوم سعيد"، وجوابا على سؤال ينزف شماتة، حول الوجبة التي يتمنى تناولها قبل تنفيذ الحكم ضده، أجاب ابراهيم ممعنا في السخرية إنه يحب التهام "بيتزا"، ثم رسم على وجهه نصف ابتسامة.  

وكأن ابراهيم سعدون هنا تعمد أن يسخر من الروس، ويذكرهم بصورة آخر رئيس سوفياتي (أوكراني الأصل)، هو غورباتشوف، عندما ظهر قبل ربع قرن في إعلان ترويجي لسلسة مطاعم "بيتزا هت" الأمريكية، ما اعتبره الروس حينها إهانة بالغة لكبريائهم. 

كما بدا كأنه لا مجال للندم بداخل هذا المغربي الصغير، ابن مدينة الدار البيضاء، وهو يتلقى أقسى حكم قضائي يمكن أن يواجهه إنسان.  

أو أننا أمام شخصية شبيهة بأحد أبطال فيلم "طيران فوق عش الوقواق" للمخرج ميلوش فورمان. 

لا ريب أن الشاب المغربي الذي وصف بالمتفوق في دراسته وبالنبوغ، لا يخلو من مسحة جنون. وقد كان ابراهيم على طريق أن يصبح واحدا من علماء الفضاء، فإذا بقدره يسوقه ليصبح من ضحايا الحروب، ومقاتلا لا يحظى بمجد وشرف الجنود الأبطال. 

ولم يصلنا مضمون مرافعة الدفاع الذي عينته المحكمة لفائدتهم. ولم يقدم أي من الثلاثة نفسه كأوكراني، كما صرحت وزيرة الشؤون الخارجية في "جمهورية دونستيك الشعبية". 

لكن ألم يكن بإمكان ابراهيم ورفيقيه الامتناع عن الاعتراف بتلك المحكمة التي وصفت "بمحاكمة صورية تعود إلى الحقبة السوفيتية". 

لكن قادة الكرملين، يصرون على استخدام مصطلح "العملية العسكرية" في حربهم الجارية حاليا بأوكرانيا، والقول بشرعية وقانونية ما يجري في دونيتسك ولوغانسك من محاكمات بإشراف النيابة العامة في الجمهوريتين غير المعترف بهما. وأنه من ناحية القانون الدولي أن كل من يشارك وينخرط في هذه الحرب يعتبر في عداد المرتزقة.  

لذلك يرى محللون وخبراء روسيون أن محاكمة ابراهيم سعدون والبريطانيين هي من "وجهة نظر القانون الدولي محاكمة مشروعة". ويضيفون ضرورة وجوب الانتباه إلى أن هناك ربما ثلاثة أو أربعة دول، اعترفت بجمهوريتي لوغانسك، وبالتالي فإن هذا يجيز قانونية المحاكمة. 

كما يضيفون أن المحاكمة وما سيليها من محاكمات لمقاتلين آخرين، هم الآن بين يدي القوات الموالية لروسيا، "هي في الواقع عملية رد قانوني وسياسي على المحاكمات التي تقوم بها كييف لعدد كبير من الجنود الروس الذين اعتقلوا وتتم اليوم محاسبتهم وفق القانون الأوكراني". 

كما أن هناك إشكالية قانونية أخرى، لكون أوكرانيا لأسباب غير خفية، لا ترغب في أن تعلن الحرب على روسيا. ففي حال أعلنت أوكرانيا الحرب على روسيا، فمن الناحية القانونية أيضا ستقوم أوكرانيا بمحاكمة الجنود الروس على أساس أنهم مرتزقة وليسوا مقاتلين. إن إعلان الحرب سواء من روسيا على أوكرانيا، أو من أوكرانيا على روسيا، سيعني انخراط كل الدول التي وقعت على معاهدة الدفاع المشترك، أي بين منظمة التعاون العسكري، التي تضم عددا كبيرا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ما يفيد أن الطرفين لهما مصلحة في عدم اعتبار هذه الحرب "حربا"، بل إنما هي "عملية عسكرية"، لتجنب التداعيات التي قد تنتج عن ما يعاكس ذلك.  وإلا أنه في هذه الحالة ممكن لموسكو أن توقف ضخ النفط إلى أوكرانيا. فإلى حدود اليوم لا تزال الدبابات والآليات العسكرية الأوكرانية تتزود بالنفط والوقود الروسي، وهذا ما لا يشير إليه أحد. إذا، حسب الروس دائما، إن عمليات المحاكمة من وجهة نظر القانون الدولي هي مشروعة، على أساس اعتبار ما يحدث من قتال هو "عملية عسكرية" بحد ذاتها. ويجوز محاكمة المقاتلين بصفتهم مرتزقة. لكن إعلان الحرب يفرض من ناحية القانون الدولي اعتبارهم "أسرى حرب".  

وحسب الإعلام الروسي هناك أيضا عمليات محاكمات لاحقة ستجري لعدد من الذين تم الإمساك بهم في الحرب، ويبلغ عددهم حوالي 2000 مقاتل. بينهم حوالي 100 إلى 250 مقاتلا من جنسيات أوروبية وأمريكية. 

*** 

لكن، بالعودة إلى المغرب، حيث تجتمع نداءات المغاربة على إدانة الحكم بالإعدام في حق ابراهيم سعدون، وتطالب السلطات المغربية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذه، وإطلاق سراحه لاعتبارات إنسانية". 

رغم أن الجنسية المغربية لا تسقط عند اكتساب جنسية أخرى، لكن يبدو أن حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش قد تخلت عن مواطن مغربي، كما صرح رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، "عكس الحكومة البريطانية التي دخلت على خط القضية وبدأت تضغط على روسيا، على اعتبار اثنين من رعاياها حوكما في نفس الملف".   

واليوم على بعد أقل من شهر على الحكم المستأنف، والذي سيسبب أزمة إنسانية دولية في حال تنفيذه، لا يتذكر المغاربة أن بلادهم سعت للتضامن مع مواطنيها في الخارج، فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، كما تصرح مغربية ببلجيكا "يقتصر دورها فقط على ضخ الملايير من العملة الصعبة لميزانية الدولة". 

أو كما يستدرك مغربي آخر من الرباط، (في العقد السادس)، أن المرة الوحيدة التي بقيت بذاكرته قامت فيها الدولة المغربية، أو على الأصح إعلامها الرسمي، بمساندة مواطنين وقعوا في مشكلة بالخارج، تعود لعام 2005، عندما جرى اختطاف عاملين بسفارة المغرب في بغداد، عبد الكريم المحافظي وعبد الرحيم بوعلام، الأول موظف، والثاني سائق.  

وإذا عرف عن الطاهر سعدون، والد الشاب ابراهيم، انشغاله بموضوع السلامة الطرقية، فالجميع يأمل ويتمنى أن يعود ابنه سالما من هذه الطريق غير الآمنة التي سلكها وألقت به في مهاوي الخطر. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).