Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين
السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام مغربي (وسط) وبريطانيَّين

عبد الرحيم التوراني

في بداية فبراير الأخير، عاش المغرب "مأساة ريان"، الطفل الذي لفظ أنفاسه في قعر بئر، وكان العالم حبس أنفاسه أياما بانتظار الخبر المفرح بعودة ريان إلى أهله ناجيا. وبعد حملة تعاطف إنسانية واسعة شملت كل أطراف العالم، عاد الطفل من البئر المظلم الذي تجاوز عمقه ستين مترا، إلا أنه عاد في كفن.  

لم تكد الجموع المكلومة تكفكف دمعها على ريان ذو الخمس أعوام، حتى اندلعت الحرب في أوكرانيا، في آخر أسبوع من الشهر ذاته، لتشد كل انتباه العالم، بل لتمسك بقساوة بأعصابه، مهددة إياه باجتياح ويلات مجاعة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. 

وانتظر العالم لحظة إخراس دوي القاذفات، لكن ذلك لم يتحقق، وقد دخلت الحرب اليوم شهرها الرابع. 

*** 

وهم يتابعون بتأثر أخبار "مأساة ريان"، لم يكن يخطر ببال أفراد أسرة سعدون أنهم سيعانون أشد المعاناة هم أيضا، بسقوط ابنهم في مهوى سحيق، حين زلت قدم ولدهم ابراهيم إلى قاع من صنف آخر، هو أشد فتكا من بئر قرية "أغران" بجبال الشمال المغربي. بئر غاص بالدماء عوض المياه. وبعدما كانت أسرة الشاب سعدون تتطلع إلى اليوم الذي تكلل فيها جهودها بتمكين ابنها ابراهيم من الوصول إلى شط الأمان، بحصوله على الشهادة العليا التي تؤمن مصيره، توصلت بالخبر المحزن. 

 ولأن أخبار الشؤم عادة تصل سريعا، فقد أفاقت أسرة سعدون على المأساة التي حلت بها كالصاعقة، لما جاءها من ينبئها بوقوع ابنهم ابراهيم الطالب في كييف، أسيرا في الحرب الروسية - الأوكرانية، وأن حكما بالإعدام ينتظره. 

*** 
ليس ابراهيم سعدون (21 سنة) هو أول مغربي يشارك في حرب بعيدة عن حدود المغرب بآلاف الكليمترات، ففي كل مناطق الصراعات المسلحة وجد مغاربة. ولن نتكلم عن المغاربة الذين زج بهم الضابط الاسباني فرانكو في الحرب الأهلية الاسبانية، في ثلاثينيات القرن العشرين، قلة منهم تسللت إلى جبهة الجمهوريين. ولن نذكر هنا المغاربة الذين قدمتهم فرنسا كحطب في الحرب العالمية الثانية، أوعن المغاربة الذين شاركوا في حروب الهند الصينة، ومنهم من قاتل بجانب الشيوعيين الفيتناميين، ورفعه رفاق هو شي منه إلى رتبة جنرال (محمد بن عمر لحرش). ولا عن المغاربة الذين ذهبوا كجنود في عمليات عسكرية وسط أدغال إفريقيا. بل سنكتفي هنا بالحديث عن مغاربة الطالبان، من انتقلوا بالآلاف طوعا للانضمام إلى مجاهدي أسامة بن لادن لقتال الاتحاد السوفياتي بأفغانستان، ثم بقوا هناك متورطين في صراعات ذلك البلد الواقع بأسيا الوسطى. وعن مغاربة حرب البوسنة والهرسك، وأقرانهم من مغاربة "داعش" بالعراق وسوريا، وقد قتل منهم العديدون، واقتيد آخرون إلى معتقل "غوانتنامو" الشهير.  

دون أن ننسى أولئك المغاربة الذين شاركوا في حروب فلسطين منذ 1948، ومن التحق منهم في الستينيات والسبعينيات، وانضم للقتال إلى جانب الفصائل الثورة الفلسطينية، كمنظمة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وأيضا المغاربة الذين وصلتنا أصداء بعضهم في سجل التضامن الأممي المغربي، مثل الطبيب لسان الدين بوخبزة، ابن مدينة تطوان، الذي قتل وهو لم يتجاوز 30 سنة، ضمن صفوف ثوار "ألفارابوندو مارتي" بالسالفادور، (1987). 

*** 

لا أعتقد أن مثل صور هذه البطولات تزاحمت في رأس الطالب الصغير ابراهيم وهو في كييف، بقدر ما يرجح أنه تأثر بحرب النجوم من خلال الألعاب الإلكترونية، وهو يتابع دراساته في علوم الفضاء؟! 

لكن، ما هي الدوافع التي أدت بابراهيم سعدون إلى السعي لاكتساب خبرة عسكرية، وفق ما صرح به أحد أصدقائه الأوكرانيين؟!، علما أن بنيته الجسدية لا تلائم ما سعى إليه. 

*** 

كل من شاهد الفيديوهات التي وزعتها الجهات التي تحتجز ابراهيم سعدون، وحضر المقابلة الحصرية التي أنجزتها معه قناة "روسيا اليوم"، يكون قد تاثر بحداثة سن ابراهيم، الذي تكلم مخاطبا والدته بأن لا تجزع أو تخاف عليه، قائلا لها بثقة إنه "تمكن من تحقيق كل ما كان يرغب في تحقيقه في حياته"(!).  

فماذا بإمكان شاب لم يتجاوز بعد 21 سنة من عمره أن يحققه في حياته القصيرة؟!  

وشاهدناه أيضا كيف كان يتحدث مثل ضيف في برنامج منوعات، وهو يرد بعفوية على الأسئلة، وبدا في بعض الأوقات كمن لا يقدر خطورة الموقف الذي يوجد بصدده، ولا الانعكاسات السلبية لبعض تصريحاته، مثل كلامه عن الدين، ما جعل كثيرا من العرب والمسلمين لا يتعاطفون معه. وقد عزا البعض ذلك لكون الشاب تعرض لـ"غسل الدماغ". أو كما ذكرت جمعية الصداقة الروسية ــ المغربية في بيان لها، إن استقطاب هذا الشاب في الحرب، يعد "جرما في حقه (...) بسبب هشاشته النفسية، وضد مصلحته بكل تأكيد".  

إلا أن تعابير البراءة على وجه ابراهيم سعدون، ساهمت في استقطاب تعاطف الملايين معه، خاصة بعد النطق بحكم الإعدام في حقه مع البريطانيين اللذان مثلا معه أمام قضاة المحكمة العليا بجمهورية دونستيك الشعبية. 

ففي الوقت الذي كان الخوف باديا على ملامح البريطانيين، وشاهدناهما يطأطآن رأسيها ساهمين من وطأة التحسر والتفكير بما حلَّ بهما، رأينا الشاب ابراهيم وقد ساوره أيضا التوتر، إذ كان لا يتوقف عن توزيع نظراته على القضاة وعلى الملثمين المدججين بالرشاشات أمامه.  

بعد النطق بالحكم القاضي بالإعدام رميا بالرصاص في حق الثلاثة، أحنى الرجلان البريطانيان رأسيهما، ومثلهما فعل ابراهيم، الذي طوى جسده، حيث أنزل رأسه إلى ركبتيه وهو جالس بقفص الاتهام، إلا أنه ما لبث أن تماسك واستوى من جديد، وكأنه بهذه الحركة اللاإرادية تخلص بسرعة من صدمة الانكسار النفسي الذي ترددت أصداؤه بداخله. 

ولما سئل من قبل الصحفيين، استقبلهم سعدون بنظرات مكتظة بالعبث، قائلا: هذا "يوم سعيد"، وجوابا على سؤال ينزف شماتة، حول الوجبة التي يتمنى تناولها قبل تنفيذ الحكم ضده، أجاب ابراهيم ممعنا في السخرية إنه يحب التهام "بيتزا"، ثم رسم على وجهه نصف ابتسامة.  

وكأن ابراهيم سعدون هنا تعمد أن يسخر من الروس، ويذكرهم بصورة آخر رئيس سوفياتي (أوكراني الأصل)، هو غورباتشوف، عندما ظهر قبل ربع قرن في إعلان ترويجي لسلسة مطاعم "بيتزا هت" الأمريكية، ما اعتبره الروس حينها إهانة بالغة لكبريائهم. 

كما بدا كأنه لا مجال للندم بداخل هذا المغربي الصغير، ابن مدينة الدار البيضاء، وهو يتلقى أقسى حكم قضائي يمكن أن يواجهه إنسان.  

أو أننا أمام شخصية شبيهة بأحد أبطال فيلم "طيران فوق عش الوقواق" للمخرج ميلوش فورمان. 

لا ريب أن الشاب المغربي الذي وصف بالمتفوق في دراسته وبالنبوغ، لا يخلو من مسحة جنون. وقد كان ابراهيم على طريق أن يصبح واحدا من علماء الفضاء، فإذا بقدره يسوقه ليصبح من ضحايا الحروب، ومقاتلا لا يحظى بمجد وشرف الجنود الأبطال. 

ولم يصلنا مضمون مرافعة الدفاع الذي عينته المحكمة لفائدتهم. ولم يقدم أي من الثلاثة نفسه كأوكراني، كما صرحت وزيرة الشؤون الخارجية في "جمهورية دونستيك الشعبية". 

لكن ألم يكن بإمكان ابراهيم ورفيقيه الامتناع عن الاعتراف بتلك المحكمة التي وصفت "بمحاكمة صورية تعود إلى الحقبة السوفيتية". 

لكن قادة الكرملين، يصرون على استخدام مصطلح "العملية العسكرية" في حربهم الجارية حاليا بأوكرانيا، والقول بشرعية وقانونية ما يجري في دونيتسك ولوغانسك من محاكمات بإشراف النيابة العامة في الجمهوريتين غير المعترف بهما. وأنه من ناحية القانون الدولي أن كل من يشارك وينخرط في هذه الحرب يعتبر في عداد المرتزقة.  

لذلك يرى محللون وخبراء روسيون أن محاكمة ابراهيم سعدون والبريطانيين هي من "وجهة نظر القانون الدولي محاكمة مشروعة". ويضيفون ضرورة وجوب الانتباه إلى أن هناك ربما ثلاثة أو أربعة دول، اعترفت بجمهوريتي لوغانسك، وبالتالي فإن هذا يجيز قانونية المحاكمة. 

كما يضيفون أن المحاكمة وما سيليها من محاكمات لمقاتلين آخرين، هم الآن بين يدي القوات الموالية لروسيا، "هي في الواقع عملية رد قانوني وسياسي على المحاكمات التي تقوم بها كييف لعدد كبير من الجنود الروس الذين اعتقلوا وتتم اليوم محاسبتهم وفق القانون الأوكراني". 

كما أن هناك إشكالية قانونية أخرى، لكون أوكرانيا لأسباب غير خفية، لا ترغب في أن تعلن الحرب على روسيا. ففي حال أعلنت أوكرانيا الحرب على روسيا، فمن الناحية القانونية أيضا ستقوم أوكرانيا بمحاكمة الجنود الروس على أساس أنهم مرتزقة وليسوا مقاتلين. إن إعلان الحرب سواء من روسيا على أوكرانيا، أو من أوكرانيا على روسيا، سيعني انخراط كل الدول التي وقعت على معاهدة الدفاع المشترك، أي بين منظمة التعاون العسكري، التي تضم عددا كبيرا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ما يفيد أن الطرفين لهما مصلحة في عدم اعتبار هذه الحرب "حربا"، بل إنما هي "عملية عسكرية"، لتجنب التداعيات التي قد تنتج عن ما يعاكس ذلك.  وإلا أنه في هذه الحالة ممكن لموسكو أن توقف ضخ النفط إلى أوكرانيا. فإلى حدود اليوم لا تزال الدبابات والآليات العسكرية الأوكرانية تتزود بالنفط والوقود الروسي، وهذا ما لا يشير إليه أحد. إذا، حسب الروس دائما، إن عمليات المحاكمة من وجهة نظر القانون الدولي هي مشروعة، على أساس اعتبار ما يحدث من قتال هو "عملية عسكرية" بحد ذاتها. ويجوز محاكمة المقاتلين بصفتهم مرتزقة. لكن إعلان الحرب يفرض من ناحية القانون الدولي اعتبارهم "أسرى حرب".  

وحسب الإعلام الروسي هناك أيضا عمليات محاكمات لاحقة ستجري لعدد من الذين تم الإمساك بهم في الحرب، ويبلغ عددهم حوالي 2000 مقاتل. بينهم حوالي 100 إلى 250 مقاتلا من جنسيات أوروبية وأمريكية. 

*** 

لكن، بالعودة إلى المغرب، حيث تجتمع نداءات المغاربة على إدانة الحكم بالإعدام في حق ابراهيم سعدون، وتطالب السلطات المغربية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذه، وإطلاق سراحه لاعتبارات إنسانية". 

رغم أن الجنسية المغربية لا تسقط عند اكتساب جنسية أخرى، لكن يبدو أن حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش قد تخلت عن مواطن مغربي، كما صرح رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، "عكس الحكومة البريطانية التي دخلت على خط القضية وبدأت تضغط على روسيا، على اعتبار اثنين من رعاياها حوكما في نفس الملف".   

واليوم على بعد أقل من شهر على الحكم المستأنف، والذي سيسبب أزمة إنسانية دولية في حال تنفيذه، لا يتذكر المغاربة أن بلادهم سعت للتضامن مع مواطنيها في الخارج، فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، كما تصرح مغربية ببلجيكا "يقتصر دورها فقط على ضخ الملايير من العملة الصعبة لميزانية الدولة". 

أو كما يستدرك مغربي آخر من الرباط، (في العقد السادس)، أن المرة الوحيدة التي بقيت بذاكرته قامت فيها الدولة المغربية، أو على الأصح إعلامها الرسمي، بمساندة مواطنين وقعوا في مشكلة بالخارج، تعود لعام 2005، عندما جرى اختطاف عاملين بسفارة المغرب في بغداد، عبد الكريم المحافظي وعبد الرحيم بوعلام، الأول موظف، والثاني سائق.  

وإذا عرف عن الطاهر سعدون، والد الشاب ابراهيم، انشغاله بموضوع السلامة الطرقية، فالجميع يأمل ويتمنى أن يعود ابنه سالما من هذه الطريق غير الآمنة التي سلكها وألقت به في مهاوي الخطر. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).