Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم
المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم

حسن منيمنة

القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى أنه شهد الانتقال بمفاهيم الحداثة وطروحات "الأنوار" من النظرية المترددة إلى بعض التطبيق، كان أيضاً زمن نشأة السرديات الناطقة باسم الجماعة وأحوالها، سواء كانت هذه الجماعة وطنية أو قومية، أو طبقية وأممية وإنسانية. منطلقات هذه السرديات تختلف، بل هي، في ترسيمها لحدود الجماعة وهويتها، غالبا ما تنافست لاستنساب شعب من شعوب التاريخ بما يتوافق مع الحاجات الآنية.

الغاليون مثلا، والذين أصبحوا أجداد الفرنسيين بامتياز، لم يكونوا كذلك قبل الحاجة الفرنسية إلى بعض المسافة إزاء الفرنك (أو الإفرنج) والذين يتشاطر الفرنسيون الاعتزاز بأمجادهم مع الألمان، أعداء المرحلة.

مع استكمال المسافة الزمنية التي تسمح بقدر من اتساع الرؤية، يتبين أن هذه السرديات كافة، على اختلاف تفاصيلها، وصولا إلى هذا القرن، تكتسب صفة الحداثة من خلال التزامها بتركيبة روائية واحدة. لم تبتكرها بالكامل، غير أنها شذّبتها وأخرجت منها العوامل الغيبية.

بعد استكمال حد الجماعة وهويتها وماهيتها، تقوم هذه التركيبة على خمسة مقومات إضافية. المقوّم الأول هو تحديد "العصر الذهبي"، أي المرحلة التاريخية الماضية التي كانت فيها الأمور على ما يرام. قد تكون هذه المرحلة بعيدة جدا، كما هي في القراءة الشيوعية التي وضعتها في مشاعية مفترضة للإنسان الأول قبل ألفيات طويلة، أو قد تكون قبل عقود قليلة، كما في السردية الجمهورية الفرنسية في زمن عودة الملكية.

المقوّم الثاني، وهو أيضاً مرحلة زمنية، هو "السقوط" من العصر الذهبي إلى الظلام والانحطاط، أو غير ذلك من أوصاف الأزمنة الرديئة، وهو سقوط يبقى في الوعي المشترك لأنه لا يزال محسوسا وحيّاً إما في الواقع القائم أو في الذاكرة القريبة.

المقوّم الثالث هو "الشرير" المسؤول عن هذا السقوط، وهو في السرديات الحداثية حسّي، لا غيبي، أي أن التشخيص الذي يرى أسباب السقوط في عقوبة إلهية لضياع التقوى وتفشي الخطيئة وإهمال الوصايا والفرائض أو في غواية شيطانية، لم يعد ساريا، بل السردية تحدّد جهة دنيوية واضحة وصريحة وتحملّها المسؤولية. هي الطبقة المحتكرة هنا وهي العدو القومي هناك، وهي الأوساط الرجعية أو المأجورة هنالك، بل هي هذه الشعوب الخاملة الغبية بالنسبة لعتاة النخبويين.

المقوّم الرابع، وهو المرحلة الزمنية الثالثة، الآنية والحاضرة، هو "النهوض" الذي يطوي صفحة السقوط. هو النهضة، هو البعث، هو الصحوة، هو الانتفاض بعد الركود، وهو الجهاد والكفاح والنضال بعد القعود.

أما المقوّم الخامس، فهو "البطل" الذي من شأنه أن يحقق النهوض ويهزم الشرير، وينتقل بالجماعة من السقوط إلى ما يحاكي العصر الذهبي الأول. هو القائد أو الرئيس أو الأمير الشاب، أو ربما الطليعة والحزب والمثقفون "التنويريون" أو الطائفة المنصورة.

ربما أن هذه التركيبة الملازمة للفكر التاريخي الحداثي هي شرط للحداثة، إذ هي التي تمنح التاريخ معنى في الإطار الحداثي. دونها قد يظهر التاريخ على أنه مجرد سرد لحوادث تتوالى، لا سردية تجعله قابلاً لأن يفهم.

هذه السرديات البطولية، أي الواعدة بعودة إلى ما يضاهي العصر الذهبي متفائلة ضمنا، إذ تعتمد رؤية للتاريخ تسير به دوما إلى التقدم والأمام. أحد المفكرين في الغرب قبل بضعة عقود تحدّث عن نهاية للتاريخ انطلاقا من قناعة لديه بأن الإنسانية شارفت على إظهار مبتغى التاريخ. هو أعاد النظر، ولكن بعض التواقين إلى صحّة هذه الرؤية لا يزال إلى اليوم يشير إلى حاجة ماسة لمجاراة التقدم المتحقّق اليوم في الغرب، ويدعو إلى الإصلاح الديني لإتمام ذلك.

يمكن الإشارة إلى سرديتين للتاريخ في الموروث الفكري الإسلامي. أولها قائمة لا على ارتقاء وتقدم متواصلين، بل على انحدار من قمّة زمن النبوة، على الأقل لثلاثة أجيال (بناء على حديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم")، وصولا إلى الملاحم والفتن وعصر الظهور ثم انقضاء التاريخ مع حدوث الساعة.

على أن معظم المؤرخين الإسلاميين قد تحفظوا عن تطبيق هذه السردية في تأريخهم، وانتهجوا ما يمكن اعتباره "لا سردية"، بل ذكر للوقائع. قليل منهم ربط وإن نادرا بين الفضيلة الإنسانية والنعمة الإلهية، أي التقوى والرحمة، غير أنهم على الغالب تجنبوا المسألة واكتفوا بالإخبار والأخبار.

إلا ابن خلدون. فهذا المفكّر الفريد قدّم قراءة مختلفة لآلية التاريخ، "حداثية" إلى حد ما قبل الحداثة، في استثنائها للغيب وتغليبها لجدلية بين عمران يتقدم وعصبية تتراجع لتقوم الدول وتتداول، على أنه في حين أن السرديات الحداثية تفترض حتمية التقدم، وفي حين أن "سردية" النعمة الإلهية تنفيها، فإن قراءة ابن خلدون تتيح التقدم دون أن تفرضه (ودون أن تقرنه بالغيب).

"سردية النعمة الإلهية"، والتسمية هنا اختزالية استقرائية، لا تزال حاضرة في بعض الأوساط المسلمة، الفصيحة والعامية، على أن الغلبة في الفكر الإسلامي، على تباعد أشكال ظهوره، هي لسردية لم تكن له قبل أن يعتنق الحداثة من حيث يدري ومن حيث لا يدري، أي السردية الحداثية القائمة على المقومات التي تشكلت في القرن التاسع عشر.

بل إن التوجهات في المحيط العربي والإسلامي كافة، السلفيين والوسطيين والمنفتحين والمتزمتين والقوميين واليساريين والتنويريين والعلمانيين والملحدين، متفقون في غالبيتهم العظمى على شكل سردياتهم ومقوّماتها وإن اختلفوا بالتأكيد على تحديد كل منها.

قد لا يطيب للتنويريين الإقرار بأن ظلامييهم، أي الإسلاميين، هم أقرانهم بالحداثة. ولا يطيب للإسلاميين حتما وسمهم بالحداثيين، وجلّهم من السلفيين أي نقيض الحداثة باسمهم. ولكن هؤلاء وأولئك على وحدة حال رغم اختلاف الملابس.

بالنسبة للإسلاميين الرحبين، الجماعة هي الأمة بكاملها، و"العصر الذهبي" هو مجمل التاريخ الإسلامي من النبوة إلى إلغاء الخلافة، فالسقوط هو مسألة قرن وحسب، والشرير هو الغرب، أو ربما الاستعمار والرجعية والصهيونية، فالنهوض هو بالصحوة أو حتى بالجهاد، والأبطال هم شيوخ الأمة وإخوانها ومجاهديها. بالنسبة للإسلاميين الضيقين، السقوط كان مع ظهور البدع بعد قرون الخير أي أنه طال واستطال، والجماعة هم القابضون على الجمر، على أن التمكين قادم. وكذلك بالنسبة للآخرين، قوميين ويساريين وتقدميين.

ولا يخرج التنويريون، بالإجمال، عن هذه القاعدة.

قدّم الزميل الكريم الدكتور عماد بوظو في مقاله المنشور الأسبوع الماضي على هذا الموقع عرضا وافيا لظاهرة استفادة أصحاب الفكر الناقد للقراءة الدينية السائدة من موقع "يوتيوب" تحديدا، على اختلاف توجهاتهم الفكرية والعقائدية. وجاء على ذكر عدد منهم، من الباحث الجامعي حامد عبد الصمد، في نقده ونقضه الصريح للإسلام تاريخا وعقيدة وممارسة، مروراً بمحمد المسيح، الأقل حدة في بيانه والجاهد في تفكيك الأصول النصية للإسلام، وبالأخ رشيد العابر إلى المسيحية والمندفع في انتقاده لكافة أوجه الموروث الديني والاجتماعي والفكري الإسلامي، ثم رشيد أيلال من المغرب، وسعيد شعيب من مصر، وعلي البخيتي من اليمن، كنماذج من المفكرين الذين لا يذعنون للمسلّمات، بل يعمدون إلى استنطاقها ومساءلتها، وصولاً إلى تفنيدها وتجديد الحكم بشأنها، رداً، على الغالب، أو قبولاً، وإن نادراً وبعد تعديل.

مقال الدكتور بوظو، كالمعتاد، جلي في أفكاره، دقيق في بياناته، واضح في أهدافه. وهدفه الأول هنا إلقاء الضوء على هذه المجموعة الشجاعة، فكريا واجتماعيا، وربما إلى ما يتعدى ذلك للأسف من الجوانب الأمنية.

على أن الدكتور بوظو يضع عرضه في سياق شكل صريح من أشكال السردية الحداثية التنويرية. الجماعة هي هذه الشعوب والدول ذات الخلفيات الإسلامية المتنوعة. "العصر الذهبي" هو الفرصة التي أتيحت لها للارتقاء في النصف الأول وأزيد من القرن الماضي من خلال أقدار من التماهي مع التجربة الغربية "السقوط" كان في التعتيم والتجهيل ما اعترض إمكانية التقدّم. "الشرير" هم مدّعو الدين من المتزمتين ربما الضالين إنما بالتأكيد المضلِلين. والنهوض يتحقق مع كسر احتكار الفضاء الإعلامي والحاصل مع الواقع الجديد للتواصل المعلوماتي، ومن "الأبطال" المثقفون التنويريون الذين يجاهرون بالنقد والتنوير ويحكّمون الموروث بالعقل.

ثمة أفكار، قد لا يكون الدكتور بوظو أرادها، ولكنها مستتبعات خطية للسردية التي يعتمدها، وهي أفكار تستحق النظر والاعتبار والمناقشة. الفكرة الأولى هي أن واقع منصات التواصل الاجتماعي الجديد يشكل انتقالة نوعية في توفّر الفكر النقدي. الفكرة الثانية هي أن هذا الفكر، بتوجهاته العقلانية، سائر نحو تحقيق مكاسب واسعة في صفوف الجمهور العريض. والفكرة الثالثة هي أن الحصيلة هي تعددية محمودة ومطلوبة وهي بالتالي أهل للتشجيع.

ما لابد التشديد عليه عند مناقشة هذه الأفكار (وهي مجددا ليست طروحات الدكتور بوظو، إنما مستتبعات من مقاله)، هو المبدأ الثابت لديّ أن الأصل في حرية التعبير هي أنها مطلقة ومصانة وجديرة بالدفاع عنها مهما كان مضمونها، أي أنه إذا كان ثمة اعتراض على مضمون ما، فإن العبء هو على المعترِض بأن يجد السبيل لدرء الضرر المفترض دون الانتقاص حق القائل بقوله. فلا يجوز أن يؤخذ ما يلي على أنه دعوة لاعتراض أي رأي.

بشأن الفكرة الأولى، مع توفر المنصات الجديدة، يشهد الفكر النقدي للدين انتقالة بالفعل، ولكنها بالكم لا بالنوع. فالاعتراض على الفكر الديني السائد، من داخل الدين ومن خارجه، لازم الإسلام، كما كل الأديان، منذ نشأته، والنجاح في رفع الصوت بهذا الاعتراض تفاوت بين مرحلة وأخرى. ما هو متاح اليوم لعامة المشاهدين والقرّاء لم يكن متوفراً في المراحل الماضية على المستوى نفسه من السهولة، ولكنه لم يكن غائباً. إذن هي اليوم وفرة بعد شحّة في المراحل الماضية. ولكن في المقابل، فإن المادة المعارضة للنقد الديني قد شهدت بدورها مضاعفة في التوفر والانتشار، يضاهي ما نالته المادة الناقدة، بل يتجاوزها. والطفرة في هذه المادة المعارضة لا تتوقف عند الدفاع عن السائد الديني، بل تفيض باتجاه مضاعفة استتباب الأفكار المتشددة في الوعي العام.

فإن الساعات العديدة من المواد التي تفنّد سلوكيات الإسلام في أزمنته المختلفة وعقائده في مواضيعها المتعددة، والتي أنجزها الأخ رشيد مثلاً، لها في التأصيلات التحصينية، بل التعميقية، والتي يواصل نشرها الشيخ عبدالله رشدي، على سبيل الذكر لا الحصر، ما يحاكيها من حيث الانتشار والمشاهدات. وعبدالله رشدي أزهري ووسطي في تعريفه الذاتي، ولكن خطاب الدعوة لديه هو باتجاه المزيد من الالتزام بالفرائض والسنن. فالتجاذب في هذه الحالة بين الشك والتديّن لا يبدو أنه لصالح الأول.

وإذا كان حامد عبد الصمد ومحمد المسّيح قد تمكنا من طرح الأسئلة المحرجة للبعض حول المرحلة التأسيسية للإسلام، فإن جمهورا أوسع يتابع كل من إياد قنيبي وهيثم طلعت في تشكيكهما المتواصل بالنظريات العلمية المعتمدة في سعي إلى تأصيل الإيمان الإسلامي. هنا أيضا، تأثير منصات التواصل لا يسير حتماً بالاتجاه الذي يتمناه التنويريون.

وفي حين أن رشيد أيلال وسعيد شعيب وغيرهما يطرحان المواضيع الناقدة بأسلوب يراد له أن يلتزم بالعقلانية، فإن معاذ عليان ومحمود داود يجايرانهم بالأسلوب ويتفوقان عليهم بأعداد المشاهدات.

في هذه الحالات والعديد غيرها، الفكر الناقد قد حقق ارتفاعا بالانتشار فعلاً على أن الفكر المعارض له قد ضاعف حضوره كذلك. ولا يبدو أن أحد الصفيّن قد حقق اختراقاً قطعياً إلا من وجهة نظر من يهمل اعتبار ما جرى في الصف الآخر.

أما فيما يتعلق بالفكرة الثانية، أي أن الفكر الناقد يدعو إلى تغليب العقل، فما يمكن تبيّنه للأسف، فيما يطال كافة المشار إليهم أعلاه، من الناقدين ومن الذين يعارضونهم، وبالإجمال مجددا، أن المتابع ليس أمام عرض علمي عقلي منطقي محكم تتواجه فيه النظريات ليجري تمحيصها والرسو على الأفضل منها، وإن جاء الزعم خلاف ذلك، بل هو، بما يقارب كامل الدوام، أمام مقارعة سجالية ينتقي فيه المتكلم ما يتوافق مع قناعاته على حساب ما يعارضها، وإن كان صادقاً في اعتقاده أنه لا يفعل.

المؤسف هنا هو أن الكثير من المواضيع المطروحة من الصفين، على أهميتها الأكيدة لمن يطرحها، كانت خارج الوعي العام، فيأتي السجال ليثقل عاتق المشاهد ومجتمعه بها.

والفريق الناقد، كما الوسط المعارض له، يتسلح كلاميا بالأدوات المنطقية الحاسمة على أنها على الغالب حاسمة فقط لأن ما يعارضها مهمل.

فالساحة الفكرية العربية لا تشهد اليوم "تنويرا" باتجاه تغليب العقل، ولا "تأصيلا" يكشف عن توافق العقل والنقل، بل فيض من البرامج تستهلكها فئات مختلفة من المتابعين.

الفئة الأولى، وهي الأوسع على الراجح، هي الراسية على قناعة والتي يطيب لها تأييد قناعاتها، من باب الاطمئنان حينا والترفيه أحياناً. الفئة الثانية هي المعادية للطرح، والتي تتابعه لإشباعه طعنا وشتائم في التعليقات، من باب الذبّ عن القناعة حيناً، والترفيه، مجدداً، أحيانا. والفئة الثالثة، وهي موجودة وإن كانت هامشية، هي القابلة لأن تنتقل من قناعة إلى أخرى، من باب التفكر والاعتبار حينا، ومن باب الترفيه كذلك والعبث أحيانا. بعض من هم من هذه الفئة يرسون على القناعة الجديدة، والبعض الآخر ينتقلون منها إلى غيرها. أحد الذين ذكرهم الدكتور بوظو في مقاله من الذين عاشوا هذه التجربة تكراراً.

هل الحصيلة هي بالتالي تعددية فكرية مستحبة؟ الجواب هو للأسف لا، بل يشهد المحيط العربي تقوقعا، أو حتى تقوقعات فكرية، تنشط الدورة السجالية في كل منها إلى تثبيت قناعة أننا "نحن على حق يقيني ومن يخالفنا على باطل يقيني"، ليصبح السؤال عمّا يبقي الآخرين على باطلهم، هل هو الجهل؟ أم هل هو الشرّ؟ فيلحق ذلك إدراجهم في خانة الشرير والعدو.

ليس المحيط العربي وحده من يعاني من الانفصام والتقوقع، بل هي حالة تتكرر بفعل تأثير غير محسوب لوسائل التواصل الجديدة. ولكن مجتمعات هذا المحيط أقل قدرة وأوهن بنى لمواجهة هذه المحاذير.

ربما أن الأوان قد آن للتحلي ببعض التواضع واللياقة في التفاعل مع الآخرين. في صف الناقدين للدين، كما في صف المعارضين لهم، لا بد من السؤال عمّا إذا كانت الأقوال والطروحات الاستفزازية تهدف فعلاً إلى الدعوة والهدي والتوعية والإصلاح والتنوير، أو إذا ما كانت من باب المناكفة والتشفي المتخفي.

بل ربما حان الوقت لمساءلة الصيغة القيامية البطولية للسردية التاريخية الحداثية والتي خدمت معظم القضايا والدول لقرن ونيّف. ففي هذا القرن الواحد والعشرين، مع توالي الإرهاب القاصم للعولمة، والجائحة المستنزفة للاقتصاد العالمي، ثم الحرب المهددة للأمن الغذائي في العديد من المناطق والدول، وربما ما قد يكون أسوأ من هذا كله، لا يبدو العالم سائراً نحو نعيم من التقدم والازدهار تبرر الانتصارات والبطوليات لأي جانب.

في موقع ما بين الترفيه الديني والتعبئة المنذرة بخطر قادم، يشهد المحيط العربي تخمة في التحاجج والتناطح والتزاحم حول إيمان الآخرين ومقدساتهم. مع كامل الاحترام والتقدير لمن يمارس حقه الطبيقي بحرية التعبير، ومن يدافع عن كرامته وإيمانه وهويته، ليتكم تعتبرون مما ينسب (زورا على الأرجح، ولكن العبرة باقية) إلى الروم (البيزنطيين). إذ قيل إنه في حين أن الفتوحات الإسلامية كانت على أبواب المدن السورية، كان الخلاف في هذه المدن حول كم من الملائكة قادر على الوقوف معاً على رأس الإبرة، وما هو جنس الملائكة.

المسؤولية على الجميع، ناقدين للدين، بل خارجون عنه جهارا ومعلنون لادينيتهم وإلحادهم، وملتزمين بالدين، بل متمسكون بأولوية الدعوة إليه، أن يتحقق تبين خطورة المرحلة، وسط واقع عالمي ضاعت فيه المرجعية الواحدة، وكثرت فيه التهديدات بمحو الآخرين وإزالتهم. ربما أن الأقرب إلى الصواب اليوم هو تحصين المجتمع إزاء المزيد من أسباب الانهيار والانحلال. ويمكن الفصل في موضوع حنس الملائكة، وغيره من القضايا المصيرية، في وقت لاحق.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).