Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

صورة من جنازة بوضياف - 1 يوليو 1992
صورة من جنازة بوضياف - 1 يوليو 1992

عبد الرحيم التوراني

يوم الأربعاء المقبل 29 يونيو 2022، ستكتمل ثلاثون سنة على حادث اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف (1919- 1992). بالرغم من ذلك فإن من كانوا وراء مخطط جريمة الاغتيال استفادوا من الإفلات من العقاب، وإن كان جلهم طواه الموت.

لكن ملايين الجزائريين يسترجعون بحزن ذكرى رئيسهم المغدور، بل إنهم يحفظون جيدا جملته الأخيرة من آخر خطاب له، قبل أن يخمد الرصاص جذوة الحماسة والإقدام لديه، والتي لم ينل منها الاستبداد الاستعماري، ولا نجح في إضعافها ثقل العمر، بل إن بوضياف عاد من أجل إنقاذ بلاده من الفوضى وبراثن الظلم والفساد، بذات الإيمان والحماسة الثورية التي كان يتمتع بها شابا، وظل مسلحا بالمبادئ نفسها وقد بلغ 73 عاما.

في خطابه التاريخي الأخير حث بوضياف مواطنيه على التسلح بالعلم، إن هم أرادوا الانخراط في سباق العصر، وإن هم أرادوا دخول غمار المنافسة مع شعوب ودول العالم، التي لم تتقدم إلا بسلاح العلم. (باشْ فاتونا؟ فاتونا بالعلم... والإسلام...). ولم يكمل جملته، وكان بوضياف بصدد تأكيد ما قاله في خطب له ومداخلات سابقة أدلى بها مرات: "إن الإسلام يحث على العلم والعمل وليس على التطرف وكره الغير".

 لكن سلاح الغدر والكراهية كان أسبق، فأسكته إلى الأبد، وكان اغتيالا تلفزيونيا أمام الشعب، وأمام العالم، نقلته الكاميرات مباشرة، ليبقى عالقا في الذاكرات، موثقا يحمل بصمات القتلة وسحناتهم، التي لم تستطع أن تتوارى خلف ملامح وبصمات القاتل، ولا أن تطمس حلم شعب بأكمله في الانعتاق والحرية والعدالة. صوت بوضياف الذي جاء ليقهر رموز الطغيان ويكشف عورات الفاسدين، وليسقطهم من علياء مخابئهم التي اعتلوها على حساب تنمية الجزائر وازدهار شعبها، لتسير الجزائر على طريق الديمقراطية والتطور والتحديث والعدالة الاجتماعية.

يومها عم الحزن كل أرجاء الجزائر والبلاد العربية، وفي مقدمتها المغرب، الذي استقبل بوضياف سنوات طويلة، فأحبه كل من عرفه من المغاربة، وكان بوضياف إنسانا جديرا بالاحترام، مثالا للطيبة والنبل. كان جيرانه ومعارفه من أهل المغرب يفضلون مناداته باسم "الطيب الوطني"، وهو الاسم الحركي الذي حمله بوضياف معه منذ زمن الثورة الجزائرية، ورافقه طيلة حياته. وقد اعتذر بوضياف بكل عفة عن تلقي أي منحة أو راتب عرض عليه من قبل الملك الحسن الثاني، مكتفيا بالعيش الكريم من كده في معمل صغير لصناعة الآجور. ظل شبه متوارٍ عن المشهد العام المحلي، ومحدود العلاقات الشخصية تقريبا، إلا من قلة من رفاقه المغاربة الذين ربطته بهم سنوات الكفاح المغاربي ضد الاستعمار الفرنسي. وغالبا ما كان يشاهد جالسا على رصيف المقهى وحيدا وبيده جريدة.

لذلك ما أن انتشر خبر مقتل بوضياف حتى هبّت الجموع من المواطنين المغاربة إلى بيت "السي الطيب" في القنيطرة، وهم يبكون جارهم المغدور، ويتقاسمون العزاء مع عائلته، التي ظل أفراد منها يعيشون بالمدينة.

عندما بدأت الاتصالات به في مستهل التسعينيات من القرن العشرين، كان وضع الجزائر سيئا للغاية، وأخذت الرسائل المباشرة وغير المباشرة تصله، لكنه لم يحفل بها كثيرا. وإن كان بوضياف أرغم على مغادرة وطنه قسرا، إلا أن الجزائر لم تفارق وجدانه وقلبه أبدا، ولا انفصلت عن همومه وانشغالاته، بل بقي على صلة وثيقة بكل ما يعتمل ويتفاعل بوطنه من تطورات إيجابية وسلبية. وأتيح له ذلك بالوسائل الممكنة أيامها، كالصحف والمجلات والكتب والإذاعات. وأيضا من خلال الأشخاص الذين كان على تواصل معهم، وكانوا يقربون إليه الصورة اليومية التي توجد عليها الجزائر.

وبعد تطورات سياسية خطيرة، تعقدت إثر الاعتراف بالتعددية الحزبية في الجزائر، واكتساح جبهة الإنقاذ الإسلامية لأول انتخابات تعددية بجزائر الاستقلال، وتدخل السلطة الحاكمة لإيقاف العملية الديمقراطية. وبغاية احتواء صعود الإسلاميين الراديكالين، الذين كانوا يستعدون للسيطرة على مقاليد السلطة وفرض استبدادهم الديني، لم يجد جنرالات الجزائر غير الاستنجاد بشخصية محمد بوضياف، باعتباره اسما نقيا لم يلوثه الفساد، بل حافظ على سمعته ونزاهته الفكرية والسياسية كوطني ديمقراطي ومسؤول، وبقي رجلا أمينا وشجاعا، لم تلطخ يداه بدماء الناس، فتحول إلى رمز للتغيير.

كان بوضياف لا يستثني فرضية تعرضه للاغتيال، كما أسر لزوجته. تتذكر زوجته السيدة فتيحة، لما سألها في موضوع العودة، أشارت عليه بالاستجابة لنداء الوطن. ولما طرح أمامها تخوفاته، شجعته.

حزم بوضياف حقيبته، بعدما حرص على إعلام السلطة العليا في المغرب، إذ رأى أنه ليس من اللياقة، حسب ما صرح به ولده ناصر، أن يعلم الحسن الثاني الخبر من وسائل الإعلام.

بعد حوالي 27 سنة قضاها خارج البلاد منفيا، في منتصف يناير 1992 تولى بوضياف رئاسة المجلس الأعلى للدولة، الذي تم تشكيله لقيادة الجزائر بعد إرغام الرئيس الشادلي بنجديد على الاستقالة.

لما لمست فتيحة حفاوة الاستقبال التي قوبل بها زوجها من قيادات الجيش، نبهها بوضياف "إن حفاوتهم هذه لن تمنعهم من اغتيالي. لا ثقة لي في هؤلاء".

هنا سألت زوجها عما إذا كان أتى بنية الانتحار(؟). وأسرعت تبحث في عينيه عن حقيقة جوابه قبل أن ينطق به. فأشاح الرجل نظره عنها، وقال لها بكلمات متقطعة، لكن واثقة: "إنه الواجب... الواجب يا فتيحة.. وكل أملي أن يمهلوني بعض الوقت".

كان بوضياف يرغب في مغالبة الوقت بأقصر مدة ممكنة، ويأمل أن ينجح بسرعة في مهمة تطهير مؤسسات البلاد من الفساد. وفي المقدمة المؤسسة العسكرية، ومؤسسة القضاء.

بهذا الشأن نقل عنه أحد المقربين قوله: "يجب إبعاد الكثير من جنرالات الجيش عن المؤسسة العسكرية، لفسادهم وسيطرتهم على اقتصاد الجزائر".

لقد أدرك بوضياف جيدا أن "الوضع معقد للغاية في الجزائر"، كما أخبر ابنه ناصر. لكنه لم يتوقف عن مهاجمة رؤوس الفساد، وشرع في توقيف بعض الأسماء النافذة وإحالتها إلى التحقيق، كما قدم مئات الملفات المتعلقة بناهبي أموال الشعب الجزائري، وظل بوضياف ينتقد بقوة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأيضا حزب جبهة التحرير الوطني. ومما صرح به للمقربين، أنه "لا يوجد بين رجال السياسة في الجزائر أكثر من سبعين رجل صادق وشريف".

كانت الجزائر تمر بظرفية بالغة الحساسية، غارقة في المديونية وفي الفساد والرشوة والمحسوبية والمظالم الاجتماعية. بل إن الجزائر كانت مرشحة للسير على نهج الصومال باتجاه الفوضى الشاملة. لذلك شبه أحدهم بوضياف بالطبيب الذي وصل لمعالجة الجزائر المريضة من أدوائها المستفحلة، والعلاج الذي كان بيده لم يكن أقراصا مسكنة، بل ترياقا مؤلما، لكنه يشفي ويوقف الانهيار. أراد بوضياف جزائر أخرى، ديمقراطية وحداثية وعادلة. فتقدم لوضع حد للأذرع الأخطبوطية التي تعيق تنمية وتقدم البلاد. ولم يكن الأمر سهلا أو هينا، والأحداث اللاحقة أثبتت أن الإرادة وحدها لا تكفي.

لذلك لم يكمل نهار يومه الـسادس والستين بعد المائة، من وصوله من المغرب لينقذ الجزائر، حتى انهار مشروع الإصلاح والتحديث والفكر الرصين الذي جاء به للقضاء على الفساد. وكان بوضياف قد حرص في أول خطاب ألقاه عند عودته من منفاه، على إبراز نيته من أجل إنقاذ الجزائر، "جئتكم اليوم لإنقاذكم وإنقاذ الجزائر، وأستعد بكل ما أوتيت من قوة وصلاحية أن ألغي الفساد، وأحارب الرشوة والمحسوبية وأهلها، وأحقق العدالة الاجتماعية من خلال مساعدتكم ومساندتكم التي هي سرّ وجودي بينكم اليوم وغايتي التي تمنيتها دائما".

ولم يتطلب الأمر سوى لحظة وجيزة محسوبة بالثواني، لمحو كل هذه الأفكار المثالية، لكنها لحظة أبدية موغلة في الحداد وغارقة تحت وطأة المأساة.

كانت المناسبة افتتاح قصر الثقافة والفنون بمدينة عنابة، حين ألقى أحد عناصر مجموعة التدخل الخاصة قنبلة يدوية على منصة المسرح الذي كان يلقي منه الرئيس خطابه على جمهور قاعة اكتظت بالحاضرين. التفت الرئيس بوضياف يسارا ليستطلع سر صوت الدحرجة، لكن الرصاص باغته وأخذ روحه، لكنه لم يستطع أخذ سر المؤامرة المفضوحة، بالرغم من الجدل الطويل حول دوافع الاغتيال، الذي صاحب الجريمة حتى اليوم. هكذا انزلقت الأمور صوب الفتنة والتمرد المسلح والحرب الأهلية، ثم غرقت الجزائر في إرهاب واسع النطاق، استمر عقدا كاملا من الأعوام، يحمل اليوم اصطلاح "العشرية السوداء".

باتت تفاصيل اغتيال بوضياف معروفة للعموم، كما أصبحت حكاية القاتل معادة ومكررة. وملخصها أن المجرم لم يكن وراءه متآمرون خططوا للتخلص من شخص خاب اعتقادهم، لما تخيلوا أنه سيكون دمية بين أيديهم، يتحكمون في تحريكها كيفما شاؤوا، فإذا به يعد لهم العدة لمحاسبتهم ومعاقبتهم. فهرعوا لأكله قبل أن يتعشى هو بهم.

لقد راهن محمد بوضياف على الشعب، لذلك برمج أنشطة تواصلية مع المواطنين، بهدف استرجاع الثقة بين الجزائريين والقيادة، فكانت الجولة التي قادته إلى عدة مدن جزائرية، آخرها كانت في الشرق بمدينة عنابة. يوم الاثنين 29 يونيو 1992. ولما كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ونصف صباحًا أطلق رشاشٌ النار، فسقط السيد الرئيس بعد أن اخترق الرصاص رأسه وظهره، وتناثرت أجزاء من دماغه حول المكان.

وانتهت لجنة التحقيق الخاصة باتهام الملازم الثاني امبارك بو معرافي بالتورط في الفعل الإجرامي، وقالت إنه متأثر "بالجماعات المتطرفة". وهو ما اعتبره الرأي العام حكما غير مستساغ وغير مقبول، مع أن هناك شكوكا واضحة حول تورط جنرالات في الجيش الجزائري في هذه الجريمة السياسية، خصوصا أنه لم تتم معاقبة أي مسؤول ارتبط اسمه بتنظيم زيارة الرئيس وأمنه. بل إن الدولة بسَّطت القضية لدرجة كبيرة، من خلال محاكمة جندي بسيط ثم إدانته بالإعدام.

ولم تغب الحقائق المتصلة بمقتل بوضياف، منها محاربته للطغمة الفاسدة، كما لم تلغ فكرة موقفه من قضية الصحراء الغربية، حيث أن مواقفه "حول مغربية الصحراء كانت السبب الرئيسي لمقتله"، حسب ما جاء في مذكرات (نشرت سنة 2020) لوزير الدفاع السابق في ذلك الوقت، الجنرال خالد نزار، أحد كبار المتهمين شعبيا في الجريمة، الذي أكد بعد عقدين من الحادثة: "بالنسبة لبوضياف، المشكلة المصطنعة التي نشأت حول مشكلة الصحراء لم يكن لها مكان على الأرض".

هو الموقف ذاته الذي عبر عنه الكاتب المغربي الطاهر بنجلون، في مقال نشره بعد سنتين على اغتيال بوضياف، عندما كتب أن "بوضياف، الرئيس الجزائري الوحيد الذي كان يعتقد أنه من الممكن التوصل إلى اتفاق مع جيرانه، بما في ذلك اتفاق حول مستقبل الصحراء. وسواء كانت وفاة بوضياف نتيجة مؤامرة دبرت داخل جبهة التحرير الوطني، للحفاظ على سياسة المواجهة مع المغرب، فإن ذكرى تلك الحلقة البعيدة توضح إلى أي مدى، أن تسميم نزاع الصحراء هو ثابت تاريخي، بطريقة مماثلة لكيفية خيبة الأمل بمستقبل ميؤوس منه، وغير مؤكد لعقود".

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال
من الاحتفالات بالمنتخب المغربي بإنجاز المونديال

عبد الرحيم التوراني

لم يكن واردا أن نعود للحديث هنا عن "مونديال قطر- فيفا 2022"، أو وفق تعبير بعضهم عن "مونديال المغرب الذي نظم في قطر"، على اعتبار أن الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي لكرة القدم خلق الحدث، إذ لأول مرة على الإطلاق يصل منتخب عربي وأفريقي إلى المربع الذهبي في كأس العالم لكرة القدم.

كانت لهذا الإنجاز المونديالي فرحة كبرى أسعدت الأقطار العربية وأفريقيا وأشركت معها شعوبا وأقواما أخرى، بصورة تجاوزت سحر المنجز الفني والتكتيكي والإثارة الإبداعية، باستحواذ منتخب "أسود الأطلس" على إعجاب العالم بروح الفريق التي سادت بين أفراده، إذ أظهروا بواسطة تلك الروح صمودا وإصرارا ورباطة جأش شهد بها الجميع، وأيضا بتعبيراتهم الإنسانية، واحتفالاتهم المبهجة بعد المباريات، خصوصا برفقة أمهاتهم.

لقد صمم منتخب المغاربة منذ المنطلق، مزودا بما يكفي من الثقة بالنفس، على صنع التاريخ، وتحقق له ذلك، وكان له ما أراد بأدائه الكروي الرفيع، ونجح في إرسال إشعار حقيقي إلى بقية العالم بأنه منتخب يمكنه التنافس مع الأفضل، وأنه فريق قادر على تقديم مهارات عالية بكل الإرادة الواثقة وبشكل خلاق لإعلاء المجد الوطني المغربي، وضمنه العربي والأفريقي.

لم يمض وقت طويل على هذا المنجز التاريخي الكبير، حتى أطل من يصر على أن ينسي الشعب المغربي سريعا فرحته الكبرى، ليوقظ الأفراد والجماعات من سبات السحر الذي أوقعتهم به انتصارات فريقهم الوطني في كأس العالم، وليدفع الناس صوب عتمة حالكة من البؤس المادي ومن الإحباط النفسي. إن علينا فهم أن التفوق في مباريات الكرة على منتخبات الدول العظمى والانتصار عليها لا يعني التقدم عليها، أو منافستها في شيء من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وسيادة الحق والقانون وإقرار برامج "الدولة الاجتماعية".. حقا لا حبرا على ورق أو شفاها.

لا، قليل من الوضوح والصَّحْصَحَة يا ناس...

كانت مناسبة الإعلان عن نتائج مباراة مزاولة مهنة المحاماة، بمثابة القشة التي قصمت فرحة المونديال وأقبرتها وأهالت عليها ركاما من الأحجار، ولينطلق جدل واسع لم يتوقف بعد، يختصر عنوانه في الضجة التي نشأت حول تفاقم "الزبونية والمحسوبية". وتوجيه الاتهام بالقول إن "المحاباة والتزوير كان هو الفيصل لتحديد لائحة الفائزين في المباراة المغشوشة". ثم اشتد فتيل الأزمة أكثر بعد ترويج لائحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن أسماء بعض الناجحين الذين تتشابه ألقابهم مع ألقاب سياسيين وقضاة ومحامين معروفين، أو تربطهم بهذه الشخصيات علاقات قرابة.

هكذا نظمت احتجاجات غاضبة أمام مبنى البرلمان المغربي، قام بها الراسبون والمتضررون من حالات الغش. وطالبوا فيها بفتح تحقيق نزيه حول "النتائج المشبوهة"، وبإعادة الامتحان، وإقالة وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، محملين إياه مسؤولية ما جرى من "مهزلة"، ومن "عمليات غش وتسريبات على نطاق واسع" طبعت إجراء المباراة وأجواءها. وارتفعت أصوات تؤكد أن ما حصل لا يمكن تفسيره وشرحه سوى بكونه "انتكاسة حقيقية"، وفشلا ذريعا لمن يتولى في الحكومة الحالية حقيبة وزارة العدل، (وهو بالمناسبة الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة). وحسب تصريحات متداولة بين أعضاء من جمعية هيئات المحامين في المغرب، فإن ما حصل يعد فشلا سياسيا خطيرا قبل تسميته بـ"فشل في التدبير اللوجيستي والبشري لامتحان المحاماة".

إضافة إلى الانتقادات الحادة التي طالت ظروف إجراء الامتحان المشار إليه، فقد صبّت تصريحات وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الزيت فوق "نار الفتنة" بدل إخمادها، خصوصا لما رَدَّ على أسئلة صحفيين بشأن اشتمال لائحة الفائزين اسم ولده، مع مترشحين آخرين يحملون نفس الاسم العائلي للوزير، وكعادته المتصفة بالتعالي والاستخفاف في تواصله مع مخاطبيه من المواطنين، أو مع أسئلة الصحفيين على السواء، جاء رد وزير العدل "مستفزا ومسيئا"، قائلا إن ولده حاصل على إجازتين، وأن (بّاهْ لاَبَاسْ عْلِيهْ)، أي أن "والده ميسور الحال" وأدى عليه تكاليف الدراسة بمونتريال (كندا).

هنا، من حيث يدري أو لا يدري قام الوزير المثير للجدل بالإقرار الصريح بفشل منظومة التعليم في المغرب، حيث يهرب الأغنياء أبناءهم للدراسة في الخارج. وكان هذه المرة غير مجانب للصواب، فالتعليم في المغرب متفق عليه أصلا في التقارير الأممية بالفشل وبالتدهور الملموس.

كما أساء الوزير في الوقت ذاته  للفقراء، الذين ازدادت أعدادهم في المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير رسمي صادر عن المندوبية السامية للتخطيط، "نتيجة اتساع هوّة الفوارق الاجتماعية، في سياق آثار كوفيد - وارتفاع الأسعار، وارتفاع أعداد الأشخاص في وضعية فقر أو هشاشة". فبالكاد تتمكن أسر مغربية كثيرة من توفير كفافها اليومي، وتنعدم لديها الإمكانيات الكافية من أجل صرف نفقات دراسة أبنائها، فما بالك بقدرتها على القيام بتمويل تدريسهم في المدارس العليا والجامعات الأجنبية خارج الحدود...

ضمن هذا السياق، فإن تصريح الوزير وهبي هو اعتراف بإقصاء الفقراء ومحدودي الدخل في أن يمارس أبناؤهم مهنة نبيلة مثل مهنة المحاماة، التي يبدو أنها أصبحت في المغرب من المهن المُوَرَّثَة بين العائلات النافذة.

ولم يكن مستغربا أو جديدا على الوزير وهبي الإتيان بمثل ذلك التصريح المتبجح والمستفز، حيث سبق له أن قمع شخصا استفسره أمام مؤسسة لوزارة العدل بمدينة جنوبية، بأنه يعرف لون الجوارب التي في قدمي ذاك المواطن.

قد يرى آخرون أن الوزير، عبد اللطيف وهبي، كان عادلا في تصرفاته ومنسجما في أقواله وتصريحاته، إذ هو لم يأت بجديد غير تذكيرنا بمقولة للشاعر الكبير محمود درويش، لما قال إن "الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء!"، فالجنود دائما من الفقراء، و"لولا بنادق الفقراء لخسر الأغنياء شرفهم" كما في القول السائر، ويقال أيضا أنه "لولا أبناء الفقراء لضاع العلم"، وهذا القول ربما لم يعد صائبا وسديدا، إذ أن أبناء الفقراء هم من يضيعون اليوم في زوايا التهميش والتجهيل والبطالة والسجون، ويموتون غرقا في قوارب الموت...

لكن أبناء الفقراء، هم من يتولون رفع علم البلاد عاليا في الأحداث الرياضية والثقافية والفنية والعلمية الكبرى، في حين أن الأغنياء هم من يستفيدون دائما في الأول والأخير قبل غيرهم من إنجازات وبطولات المواطنين البسطاء، فلا ريب أن صناعة "الفرح ليست مهنة الأغنياء"، بل هم الفقراء أصحاب التعاسة، من يصنعون الفرح ويهدونه للأسياد الأثرياء، هم من يغنون في الأعراس والأفراح، ومن يعدون المآدب ويقدمونها للضيوف. وبعدها لهم فقرهم بكل ما يمثله من حرمان وانعدام الحيلة والكرامة المنتقصة والتنازلات المستمرة. أما أصحاب السعادة، الآخرون "الذين بالبال" فمهمتهم هي استهلاك الفرح، والتهامه كوجبة سريعة.. ثم السؤال: هل من مزيد؟!

ولأن عمر الفرح قصير فلا بأس من نفخة من أفواه الأغنياء للمساعدة في إخماد شعلته وإطفائها بعد نهاية الصلاحية.

نعم الفرح قصير، وذاكرة الشعب مثله قصيرة. فاليوم يتجهون بالانتقادات اللاذعة إلى وزير العدل، لكونه أساء وأكثر، وغدا ينسون سريعا بعد وصول إساءة غيرها أو أكبر. وهو أمر مؤاتٍ تستفيد منه جهات وشخصيات أخرى، مثل رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لعلّه يلتقط الآن الأنفاس قليلا من مواجهة منتقدي سياساته وقراراته اللاشعبية، ما داموا منشغلين عنه بحليفه وزميله وزير العدل...

وبعدها...

في مونديال قطر ظهر الفريق الوطني المغربي منظما ومبدعا وذكيا وفعالا، بفضل سلالة من صلب فقراء المغرب، ياسين بونو ومنير المحمدي وأشرف حكيمي ونصير مزراوي وجواد ياميق ويحيى عطية الله وعز الدين أوناحي ورومان سايس وسفيان المرابط ويوسف النصيري وحكيم زياش وسفيان بوفال وسليم أملاح وعبد الحميد الصابري وزكريا بوخلال والبقية بقيادة وليد الركراكي... وكان تأهل المغرب لنصف النهائي بمثابة اختراق هائل غير مسبوق.

لكن ترى ماذا أظهر من يسيرون الحكومة ويمسكون بزمام السلطات؟!

الجواب جاء على لسان وسلوك مثل السلوك الذي عبر عنه ومارسه، عبد اللطيف وهبي، اللاعب المهاجم الذي سجل دائما أهدافا ملغاة، كونه دائم التسلل. وأهداف التسلل لا تحسب قانونيا كما تعلمون.

لكن وهبي يقول إنه لا داعي لـ"الفار" من أجل فتح تحقيق في المباراة، إذ "لا وجود لجريمة تستدعي التحقيق".

يمكنك أن تخرج منتصراً في النهاية بفضل تصميمك وعملك الجاد، لا بفضل التعنت والاستفزاز والتسلل... والغش.

أما الاستلهام من فريق كرة مثل المنتخب المغربي وقائده، وليد الركراكي، الذي أشهر سلاح "النية" وحقق بخططه ما لم يكن متوقعا، فأمر صعب، لكن غير صعب الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن توقعه ممن يزرعون الخوف والجهل ويقمعون في الناس ممارسة الجرأة والتساؤل عن مصيرهم وحياتهم...

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).