Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الباحثة ساهمت في إثراء المحتوى التاريخي بالعلاقات المغربية الإسبانية
الباحثة ساهمت في إثراء المحتوى التاريخي بالعلاقات المغربية الإسبانية

عبد الرحيم التوراني

برحيل المؤرخة الإسبانية، ماريا روسا دي مادارياغا، يوم الأربعاء الأخير (29 يونيو)، عن عمر 85 عاما، خسر العالم أبرز متخصص في تاريخ المغرب ومنطقة الريف. لذلك استحقت عن جدارة أن تصبح خبيرة مرجعية في الموضوع، حيث أنجزت أعمالا مهمة تتعلق بتاريخ العلاقات الإسبانية - المغربية، وخصوصا الفترة المتعلقة بالحماية الإسبانية في شمال المغرب (1912-1956).

ما أن تأكد خبر وفاتها، حتى سارع رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، إلى الترحم عليها، واعتبروا رحيلها خبرا محزنا، مشيدين بأعمالها.

وأشارت إليها جل التدوينات بـ"المؤرخة العظيمة"، و"أيقونة البحث التاريخي"، و"التي تعرف تاريخ المغرب أفضل من المغاربة"، وأن رحيلها "خسارة كبرى بكل المقاييس". وتكرر نشر صورة لها وعلى صدرها وشاح عليه رسم لقائد ثورة الريف عبد الكريم الخطابي (1882- 1963). وقد سبق لماريا روسا أن اعترفت بولعها بسيرة الزعيم الخطابي، وبأنه هو من قادها إلى الافتنان بالبحث في تاريخ الريف.

نشأت ماريا روسا دي مادارياغا في بيت أدب وعلم، انشغل جل أفراده بدراسة التاريخ، فهي ابنة أخت الشاعر والمهندس والمؤرخ، سلفادور دي مادارياغا (1886- 1978). له كتاب حول الفلسفة الماركسية، تمت ترجمته إلى العربية ونشر بالقاهرة عام 1949، تحت عنوان: "روضات الفردوس.. محاورة بين ستيوارت وفولتير ونابليون وماركس". وعمل سفيرا لبلده لدى الولايات المتحدة وفرنسا. ورشح لجائزة نوبل للسلام وجائزة نوبل للأدب.

أما ابنته إيزابيل دي مادارياغا (1919-2014 ) فكانت هي الأخرى مؤرخة، تخصصت في تاريخ بريطانيا العظمى.

وعلى نفس النهج سارت ماريا روسا دي مادارياغا، فاشتهرت بالتخصص في تاريخ وعلاقات إسبانيا والمغرب. 

وسط قذائف الحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939)، ولدت ماريا روسا دي مادارياغا ألفاريز بريدا، في 9 فبراير 1937 بمدريد، الفترة التي كانت خلالها إسبانيا تفرض حمايتها الاستعمارية على المغرب، وهو الموضوع الذي سيهيمن مستقبلا بقوة على انشغالات الطالبة الشابة. 

بعد المدرسة الثانوية الفرنسية، اتجهت ماريا روسّا إلى جامعة كومبلوتنسي بمدريد، وحصلت على الإجازة في الفلسفة والآداب عام 1960. ثم كرست حياتها للثقافة، فأسست دارا للنشر ومجلة. وفي نفس السنة 1966 حصلت على منحة من الحكومة الفرنسية لمواصلة دراستها في جامعة السوربون، هناك التقت ماريا روسّا بالمؤرخ الاسباني المرموق بيير فيلار، الذي شجعها على انغمارها في البحث التاريخي.

وأثناء إعداد أطروحة الدكتوراة، حصلت ماريا روسّا على دبلوم اللغة العربية والأدب العربي من المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية بجامعة "باريس 3"، عام 1973. ثم نالت لاحقًا، من  نفس المعهد، الدبلوم العالي في اللغة العربية والحضارة. دون أن تتوقف عن أبحاثها واجتهاداتها.

كما نالت دكتوراة في التاريخ من جامعة باريس الأولى (بانثيون سوربون) في 1988، حول العلاقات الإسبانية المغربية وحرب الريف، فاكتسبت شهرة كبيرة، وأصبحت الخبير المرجعي في موضوع يحظى اليوم بالعديد من المتابعين. وبعد فترة قضتها بتدريس اللغة والثقافة الإسبانية في جامعة "باريس 4"، اشتغلت موظفة دولية لأربع سنوات بمنظمة اليونسكو بباريس، حيث أشرفت على تنسيق مشروع "مساهمة الثقافة العربية في الثقافات الأيبيرية الأميركية عبر شبه الجزيرة الأيبيرية".

ألّفت ماريا روسّا، عدة مؤلفات، كان نشرها حاسما في فهم فترة معقدة من تاريخ إسبانيا المتقاطع مع تاريخ المغرب المجاور، وهي "فترة مأساوية بالنسبة لإسبانيا"، حسب تعبيرها.

وقد ترجمت أغلب كتبها إلى العربية، نذكر منها: "إسبانيا والريف.. وقائع تاريخ منسي" (1999)، "في وادي الذئب.. حروب المغرب" (2005)، "عبد الكريم الخطابي.. الكفاح من أجل الاستقلال" (2009)، "مغاربة فرانكو" (2006)، "تدخل القوات الاستعمارية في الحرب" (2002)، و"المغرب، هذا المجهول العظيم.. تاريخ موجز للمحمية الإسبانية" (2013).

وبالإضافة إلى مساهمتها في أفلام وثائقية، نشرت عددا كبيرا من المقالات والأبحاث ضمن أعمال جماعية. ويروي عنها من حظوا بالعمل إلى جانبها من الباحثين، مدى مثابرتها وجديتها وصرامتها العلمية، إلى جانب تواضعها وصدقها ونبلها الإنساني. وأن العمل معها كان دائما سهلا ومفيدا. 

لم ترتبط ماريا روسا بالماضي المغربي فحسب، بل نسجت علاقات إنسانية مع عدد من المثقفين المغاربة والمهتمين منهم بالحقيقة التاريخية.

بهذا الصدد نعاها المؤرخ المغربي الدكتور المعطي منجب: "ماريا روسا مادارياغا المؤرخة الكبيرة والأكاديمية التقدمية الإسبانية المختصة بالريف وبمقاومة عبد الكريم للاستعمار، تغادرنا إلى دار البقاء. كانت صديقة ودودة متواضعة حد الامحاء رغم علمها الغزير وشهرتها التي جابت كل الآفاق، أستاذتي بكتبها ونصائحها لي، وأنا مؤرخ شاب. كانت تحب الريف والمغرب حبا جما، ودانت بشدة تقتيل أهل الريف من لدن الاستعمار. لروحها الطاهرة الرحمة والسكينة".  

كما نعاها الناقد الأدبي والمترجم من الإسبانية إلى العربية، إبراهيم الخطيب الذي كتب: "وفاة المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا، المتخصصة في تاريخ المغرب، وخاصة تاريخ منطقة الريف، وثورة الزعيم عبد الكريم الخطابي، وقضية تجنيد المغاربة الذين شاركوا في حرب فرانكو ضد الجمهورية. تعرفت عليها في فالينسيا (إسبانيا) سنة 1987، بمناسبة مشاركتي في الاحتفاء بذكرى مرور 50 عاما على انعقاد مؤتمر المثقفين المناهضين للفاشية، الذي ترأسه الكاتب الفرنسي، أندري مالرو، سنة 1937. رحمها الله".

أما الكاتب والروائي، إدريس الغنبوري، فوصف ماريا روسا بـ"النبيلة"، وكتب:"سعدت بمعرفتها قبل أكثر من عشر سنوات؛ حيث سبق لي أن حاورتها مرتين. وكانت تبعث لي مؤلفاتها كلما صدر لها كتاب جديد، كان آخر ما وصلني منها كتابها عن تاريخ المغرب".

وأضاف "غير أنني أحتفظ لها بذكرى جميلة تعطي صورة طيبة عن بعض المثقفين الأوروبيين وتواضعهم. قبل عدة سنوات احتجتُ كتابا بالإسبانية عن الإسلام، لكن الكتاب كان قد نفذ من المكتبات، فاتصلت بها طالبا مساعدتها في الحصول عليه، فقامت بالاتصال بالناشر شخصيا في مدريد وأصرت على الحصول على نسخة منه، وعندما حصلت عليها خشيت إن هي أرسلتها عبر البريد أن تضيع، فبحثت عن مهاجر مغربي مقيم هناك وأرسلت معه الكتاب لكي يصلني يدا بيد".

وقال: "تلك كانت أخلاق تلك المؤرخة الكبيرة التي قدمت الكثير لتاريخ المغرب، وقد تركت كتابا ضخما عن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله لم يكتب أفضل منه".

وإليها "يرجع الفضل الكبير في إبراز منطلقات وأهداف الحرب التحريرية ضد الاستعمار الإسباني بقيادة الزعيم امحمد بن عبدالكريم الخطابي"، كتب الحقوقي مسعود بوعيش.

من آخر أعمالها، بحثها المضمن في عمل جماعي حول مئوية "أنوال" (1921- 2021)، المعركة التي هزمت فيها القوات الإسبانية وحليفتها الفرنسية في شهر يوليوز 1921، وكانت هزيمة مدوية للجيش الإسباني بقيادة الجنرال مانويل فرنانديز سيلفستر، ضد قوات زعيم الريف عبد الكريم الخطابي (1882-1963 )، وكلفت المزيد من الأرواح 15000 جندي إسباني، مما تسبب في زلزال كبير داخل إسبانيا.

وقد كتبت ماريا روزا دي مادارياغا عن هذه الحرب دون أن تعمد إلى قرع الطبول، منددة بالوحشية دون كراهية، ومتجنبة الكليشيهات والمقارنات. 

في مقابلة معها عام 2013، مع وكالة الصحافة الإسبانية، صرحت المؤرخة ماريا روسا، أنه "لا يمكن أن نكون أكثر سلبية. لقد كلفت حرب الريف آلاف الأرواح وملايين البيزيتا، فقط لصالح قلة من الذين ارتكبوا جرائم قتل هناك، وأثروا بفضل الأعمال القذرة، مثل السوق السوداء والاختلاس والفساد".

وسعت المؤرخة دائمًا صوب "إحياء" ما تعنيه العلاقة بين إسبانيا والريف في الذاكرة الجماعية الإسبانية، والتغلغل الاستعماري باستغلال المعادن والزراعة، والمقاومة التي مارسها الريفيون لهذا الاحتلال".

واعتبرت أنه من "الأساسي" أن تقوم العلاقات بين إسبانيا والمغرب على أسس التفاهم المتبادل والرغبة "المتزايدة" في التعلم كشرط أساسي للتسامح والاحترام اللذين تتطلبهما البلدان المجاورة.


رحلت ماريا روسا في فترة تتميز فيها الأحداث بين إسبانيا والمغرب بتحولات متلاحقة، وهي من نعتت مرة المغرب بـ"ملاذ الأزمات الإسبانية"، إذ منذ القرن التاسع عشر، "لم يكن المغرب مسرحاً للعمليات السياسية والعسكرية الإسبانية التي تحقّق أهداف السياسيين والعسكريين الإسبان فحسب، بل انتقل المغاربة ليحسموا أحد أعنف وأخطر الحروب في تاريخ إسبانيا على الإطلاق، وهي الحرب الأهلية الإسبانية، التي جعلت جنرالاً دموياً اسمه فرانسيسكو فرانكو يقحم المغاربة فيها عنوة، أو بحجج مختلفة، لحسم صراع كاد يعصف بوحدة إسبانيا ويعيدها إلى عهد الممالك المتفرقة".

وأضافت "لقد دافع المغاربة عن فرانكو باستماتة، وكانوا من خلال دفاعهم عنه يحاربون الشيوعيين الملحدين، ظناً منهم أنهم يؤدون رسالة تخدم الإسلام والمسيحية اللتين أصبحتا متآخيتين في خطابات العسكريين الفرانكاويين".

وفي مارس الماضي، اعترف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو شانسيز، بالمبادرة المغربية في بمشروع الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وفي الأسبوع الماضي جرت أحداث دامية في مليلية، ذهبت فيها أرواح حوالي 23 قتيلا من المهاجرين غير الشرعيين.

وبشأن موقفها من وضع مدينتي سبتة ومليلية، سبق للمؤرخة الراحلة أن صرحت بأن "المطالبة بشأن سبتة ومليلية أمر مستهجن". لكنها استدركت لتؤكد أن نطاق النزاع نسبي، ولا يمثل "مشكلة خطيرة" في نظرها.

وأضافت أن المدينتين "لطالما كانتا إسبانيتين" لأكثر من خمسة قرون. دون أن تقلل من إشكالية الموضوع، الذي يعد إلى جانب الهجرة السرية، الأهم في الوقت الحالي في العلاقات بين إسبانيا والمغرب.

لكنها في مقال نشرته بصحيفة "إل بايس" (08/09/2012)، اعتبرت أن الظروف قد تغيرت اليوم، وأنه ربما حان الوقت لإطلاق التفكير حول الثغور المحتلة من طرف إسبانيا بشمال المغرب.

وذكرت بالظروف التاريخية والأسباب التي دفعت إسبانيا إلى احتلال جزر تقع شمال المغرب، مشيرة إلى أن قضية الثغور المحتلة والمصلحة في الاحتفاظ بها أثيرت من قبل القادة الإسبان في بداية القرن الثامن عشر ثم في سنة 1861.

كما عرفت الفقيدة بكونها من أصدقاء الشعب الفلسطيني في إسبانيا، لذلك يعتبر رحيلها خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية. وقد اهتمت أيضا بالحراك الشعبي في الريف الذي انطلق منذ 2016 من الحسيمة، وكتبت عنه.

غياب ماريا روسا مادارياغا يطرح موضوع دور المثقفين والمؤرخين في العلاقات الدبلوماسية، خصوصا وأنه لا توجد اليوم في كلا الضفتين، سوى قلة من الباحثين المتعمقين في التاريخ المشترك بين المغرب وإسبانيا، من يمكنهم العمل بجدية فيما يصطلح عليه "الانضباط التاريخي"، الذي يضع بعين الاعتبار كل التطورات المتصلة بصعود قوة "التاريخ الثقافي" وإسهاماته في إثراء العلاقات الدولية، حتى لو اعتمد الأساليب الكلاسيكية للتحليل التاريخي. حيث أصبح تأريخ العلاقات الدولية جزءا من التقاليد الوطنية. 

رغم ألم الفقدان، فإن أصدقاء الراحلة ومحبيها في إسبانيا والمغرب والعالم، يقبلون العزاء الذي يقدمه لهم عملها الرائد.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).