Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

الباحثة ساهمت في إثراء المحتوى التاريخي بالعلاقات المغربية الإسبانية
الباحثة ساهمت في إثراء المحتوى التاريخي بالعلاقات المغربية الإسبانية

عبد الرحيم التوراني

برحيل المؤرخة الإسبانية، ماريا روسا دي مادارياغا، يوم الأربعاء الأخير (29 يونيو)، عن عمر 85 عاما، خسر العالم أبرز متخصص في تاريخ المغرب ومنطقة الريف. لذلك استحقت عن جدارة أن تصبح خبيرة مرجعية في الموضوع، حيث أنجزت أعمالا مهمة تتعلق بتاريخ العلاقات الإسبانية - المغربية، وخصوصا الفترة المتعلقة بالحماية الإسبانية في شمال المغرب (1912-1956).

ما أن تأكد خبر وفاتها، حتى سارع رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، إلى الترحم عليها، واعتبروا رحيلها خبرا محزنا، مشيدين بأعمالها.

وأشارت إليها جل التدوينات بـ"المؤرخة العظيمة"، و"أيقونة البحث التاريخي"، و"التي تعرف تاريخ المغرب أفضل من المغاربة"، وأن رحيلها "خسارة كبرى بكل المقاييس". وتكرر نشر صورة لها وعلى صدرها وشاح عليه رسم لقائد ثورة الريف عبد الكريم الخطابي (1882- 1963). وقد سبق لماريا روسا أن اعترفت بولعها بسيرة الزعيم الخطابي، وبأنه هو من قادها إلى الافتنان بالبحث في تاريخ الريف.

نشأت ماريا روسا دي مادارياغا في بيت أدب وعلم، انشغل جل أفراده بدراسة التاريخ، فهي ابنة أخت الشاعر والمهندس والمؤرخ، سلفادور دي مادارياغا (1886- 1978). له كتاب حول الفلسفة الماركسية، تمت ترجمته إلى العربية ونشر بالقاهرة عام 1949، تحت عنوان: "روضات الفردوس.. محاورة بين ستيوارت وفولتير ونابليون وماركس". وعمل سفيرا لبلده لدى الولايات المتحدة وفرنسا. ورشح لجائزة نوبل للسلام وجائزة نوبل للأدب.

أما ابنته إيزابيل دي مادارياغا (1919-2014 ) فكانت هي الأخرى مؤرخة، تخصصت في تاريخ بريطانيا العظمى.

وعلى نفس النهج سارت ماريا روسا دي مادارياغا، فاشتهرت بالتخصص في تاريخ وعلاقات إسبانيا والمغرب. 

وسط قذائف الحرب الأهلية الإسبانية (1936- 1939)، ولدت ماريا روسا دي مادارياغا ألفاريز بريدا، في 9 فبراير 1937 بمدريد، الفترة التي كانت خلالها إسبانيا تفرض حمايتها الاستعمارية على المغرب، وهو الموضوع الذي سيهيمن مستقبلا بقوة على انشغالات الطالبة الشابة. 

بعد المدرسة الثانوية الفرنسية، اتجهت ماريا روسّا إلى جامعة كومبلوتنسي بمدريد، وحصلت على الإجازة في الفلسفة والآداب عام 1960. ثم كرست حياتها للثقافة، فأسست دارا للنشر ومجلة. وفي نفس السنة 1966 حصلت على منحة من الحكومة الفرنسية لمواصلة دراستها في جامعة السوربون، هناك التقت ماريا روسّا بالمؤرخ الاسباني المرموق بيير فيلار، الذي شجعها على انغمارها في البحث التاريخي.

وأثناء إعداد أطروحة الدكتوراة، حصلت ماريا روسّا على دبلوم اللغة العربية والأدب العربي من المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية بجامعة "باريس 3"، عام 1973. ثم نالت لاحقًا، من  نفس المعهد، الدبلوم العالي في اللغة العربية والحضارة. دون أن تتوقف عن أبحاثها واجتهاداتها.

كما نالت دكتوراة في التاريخ من جامعة باريس الأولى (بانثيون سوربون) في 1988، حول العلاقات الإسبانية المغربية وحرب الريف، فاكتسبت شهرة كبيرة، وأصبحت الخبير المرجعي في موضوع يحظى اليوم بالعديد من المتابعين. وبعد فترة قضتها بتدريس اللغة والثقافة الإسبانية في جامعة "باريس 4"، اشتغلت موظفة دولية لأربع سنوات بمنظمة اليونسكو بباريس، حيث أشرفت على تنسيق مشروع "مساهمة الثقافة العربية في الثقافات الأيبيرية الأميركية عبر شبه الجزيرة الأيبيرية".

ألّفت ماريا روسّا، عدة مؤلفات، كان نشرها حاسما في فهم فترة معقدة من تاريخ إسبانيا المتقاطع مع تاريخ المغرب المجاور، وهي "فترة مأساوية بالنسبة لإسبانيا"، حسب تعبيرها.

وقد ترجمت أغلب كتبها إلى العربية، نذكر منها: "إسبانيا والريف.. وقائع تاريخ منسي" (1999)، "في وادي الذئب.. حروب المغرب" (2005)، "عبد الكريم الخطابي.. الكفاح من أجل الاستقلال" (2009)، "مغاربة فرانكو" (2006)، "تدخل القوات الاستعمارية في الحرب" (2002)، و"المغرب، هذا المجهول العظيم.. تاريخ موجز للمحمية الإسبانية" (2013).

وبالإضافة إلى مساهمتها في أفلام وثائقية، نشرت عددا كبيرا من المقالات والأبحاث ضمن أعمال جماعية. ويروي عنها من حظوا بالعمل إلى جانبها من الباحثين، مدى مثابرتها وجديتها وصرامتها العلمية، إلى جانب تواضعها وصدقها ونبلها الإنساني. وأن العمل معها كان دائما سهلا ومفيدا. 

لم ترتبط ماريا روسا بالماضي المغربي فحسب، بل نسجت علاقات إنسانية مع عدد من المثقفين المغاربة والمهتمين منهم بالحقيقة التاريخية.

بهذا الصدد نعاها المؤرخ المغربي الدكتور المعطي منجب: "ماريا روسا مادارياغا المؤرخة الكبيرة والأكاديمية التقدمية الإسبانية المختصة بالريف وبمقاومة عبد الكريم للاستعمار، تغادرنا إلى دار البقاء. كانت صديقة ودودة متواضعة حد الامحاء رغم علمها الغزير وشهرتها التي جابت كل الآفاق، أستاذتي بكتبها ونصائحها لي، وأنا مؤرخ شاب. كانت تحب الريف والمغرب حبا جما، ودانت بشدة تقتيل أهل الريف من لدن الاستعمار. لروحها الطاهرة الرحمة والسكينة".  

كما نعاها الناقد الأدبي والمترجم من الإسبانية إلى العربية، إبراهيم الخطيب الذي كتب: "وفاة المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا، المتخصصة في تاريخ المغرب، وخاصة تاريخ منطقة الريف، وثورة الزعيم عبد الكريم الخطابي، وقضية تجنيد المغاربة الذين شاركوا في حرب فرانكو ضد الجمهورية. تعرفت عليها في فالينسيا (إسبانيا) سنة 1987، بمناسبة مشاركتي في الاحتفاء بذكرى مرور 50 عاما على انعقاد مؤتمر المثقفين المناهضين للفاشية، الذي ترأسه الكاتب الفرنسي، أندري مالرو، سنة 1937. رحمها الله".

أما الكاتب والروائي، إدريس الغنبوري، فوصف ماريا روسا بـ"النبيلة"، وكتب:"سعدت بمعرفتها قبل أكثر من عشر سنوات؛ حيث سبق لي أن حاورتها مرتين. وكانت تبعث لي مؤلفاتها كلما صدر لها كتاب جديد، كان آخر ما وصلني منها كتابها عن تاريخ المغرب".

وأضاف "غير أنني أحتفظ لها بذكرى جميلة تعطي صورة طيبة عن بعض المثقفين الأوروبيين وتواضعهم. قبل عدة سنوات احتجتُ كتابا بالإسبانية عن الإسلام، لكن الكتاب كان قد نفذ من المكتبات، فاتصلت بها طالبا مساعدتها في الحصول عليه، فقامت بالاتصال بالناشر شخصيا في مدريد وأصرت على الحصول على نسخة منه، وعندما حصلت عليها خشيت إن هي أرسلتها عبر البريد أن تضيع، فبحثت عن مهاجر مغربي مقيم هناك وأرسلت معه الكتاب لكي يصلني يدا بيد".

وقال: "تلك كانت أخلاق تلك المؤرخة الكبيرة التي قدمت الكثير لتاريخ المغرب، وقد تركت كتابا ضخما عن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله لم يكتب أفضل منه".

وإليها "يرجع الفضل الكبير في إبراز منطلقات وأهداف الحرب التحريرية ضد الاستعمار الإسباني بقيادة الزعيم امحمد بن عبدالكريم الخطابي"، كتب الحقوقي مسعود بوعيش.

من آخر أعمالها، بحثها المضمن في عمل جماعي حول مئوية "أنوال" (1921- 2021)، المعركة التي هزمت فيها القوات الإسبانية وحليفتها الفرنسية في شهر يوليوز 1921، وكانت هزيمة مدوية للجيش الإسباني بقيادة الجنرال مانويل فرنانديز سيلفستر، ضد قوات زعيم الريف عبد الكريم الخطابي (1882-1963 )، وكلفت المزيد من الأرواح 15000 جندي إسباني، مما تسبب في زلزال كبير داخل إسبانيا.

وقد كتبت ماريا روزا دي مادارياغا عن هذه الحرب دون أن تعمد إلى قرع الطبول، منددة بالوحشية دون كراهية، ومتجنبة الكليشيهات والمقارنات. 

في مقابلة معها عام 2013، مع وكالة الصحافة الإسبانية، صرحت المؤرخة ماريا روسا، أنه "لا يمكن أن نكون أكثر سلبية. لقد كلفت حرب الريف آلاف الأرواح وملايين البيزيتا، فقط لصالح قلة من الذين ارتكبوا جرائم قتل هناك، وأثروا بفضل الأعمال القذرة، مثل السوق السوداء والاختلاس والفساد".

وسعت المؤرخة دائمًا صوب "إحياء" ما تعنيه العلاقة بين إسبانيا والريف في الذاكرة الجماعية الإسبانية، والتغلغل الاستعماري باستغلال المعادن والزراعة، والمقاومة التي مارسها الريفيون لهذا الاحتلال".

واعتبرت أنه من "الأساسي" أن تقوم العلاقات بين إسبانيا والمغرب على أسس التفاهم المتبادل والرغبة "المتزايدة" في التعلم كشرط أساسي للتسامح والاحترام اللذين تتطلبهما البلدان المجاورة.


رحلت ماريا روسا في فترة تتميز فيها الأحداث بين إسبانيا والمغرب بتحولات متلاحقة، وهي من نعتت مرة المغرب بـ"ملاذ الأزمات الإسبانية"، إذ منذ القرن التاسع عشر، "لم يكن المغرب مسرحاً للعمليات السياسية والعسكرية الإسبانية التي تحقّق أهداف السياسيين والعسكريين الإسبان فحسب، بل انتقل المغاربة ليحسموا أحد أعنف وأخطر الحروب في تاريخ إسبانيا على الإطلاق، وهي الحرب الأهلية الإسبانية، التي جعلت جنرالاً دموياً اسمه فرانسيسكو فرانكو يقحم المغاربة فيها عنوة، أو بحجج مختلفة، لحسم صراع كاد يعصف بوحدة إسبانيا ويعيدها إلى عهد الممالك المتفرقة".

وأضافت "لقد دافع المغاربة عن فرانكو باستماتة، وكانوا من خلال دفاعهم عنه يحاربون الشيوعيين الملحدين، ظناً منهم أنهم يؤدون رسالة تخدم الإسلام والمسيحية اللتين أصبحتا متآخيتين في خطابات العسكريين الفرانكاويين".

وفي مارس الماضي، اعترف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو شانسيز، بالمبادرة المغربية في بمشروع الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وفي الأسبوع الماضي جرت أحداث دامية في مليلية، ذهبت فيها أرواح حوالي 23 قتيلا من المهاجرين غير الشرعيين.

وبشأن موقفها من وضع مدينتي سبتة ومليلية، سبق للمؤرخة الراحلة أن صرحت بأن "المطالبة بشأن سبتة ومليلية أمر مستهجن". لكنها استدركت لتؤكد أن نطاق النزاع نسبي، ولا يمثل "مشكلة خطيرة" في نظرها.

وأضافت أن المدينتين "لطالما كانتا إسبانيتين" لأكثر من خمسة قرون. دون أن تقلل من إشكالية الموضوع، الذي يعد إلى جانب الهجرة السرية، الأهم في الوقت الحالي في العلاقات بين إسبانيا والمغرب.

لكنها في مقال نشرته بصحيفة "إل بايس" (08/09/2012)، اعتبرت أن الظروف قد تغيرت اليوم، وأنه ربما حان الوقت لإطلاق التفكير حول الثغور المحتلة من طرف إسبانيا بشمال المغرب.

وذكرت بالظروف التاريخية والأسباب التي دفعت إسبانيا إلى احتلال جزر تقع شمال المغرب، مشيرة إلى أن قضية الثغور المحتلة والمصلحة في الاحتفاظ بها أثيرت من قبل القادة الإسبان في بداية القرن الثامن عشر ثم في سنة 1861.

كما عرفت الفقيدة بكونها من أصدقاء الشعب الفلسطيني في إسبانيا، لذلك يعتبر رحيلها خسارة كبيرة للقضية الفلسطينية. وقد اهتمت أيضا بالحراك الشعبي في الريف الذي انطلق منذ 2016 من الحسيمة، وكتبت عنه.

غياب ماريا روسا مادارياغا يطرح موضوع دور المثقفين والمؤرخين في العلاقات الدبلوماسية، خصوصا وأنه لا توجد اليوم في كلا الضفتين، سوى قلة من الباحثين المتعمقين في التاريخ المشترك بين المغرب وإسبانيا، من يمكنهم العمل بجدية فيما يصطلح عليه "الانضباط التاريخي"، الذي يضع بعين الاعتبار كل التطورات المتصلة بصعود قوة "التاريخ الثقافي" وإسهاماته في إثراء العلاقات الدولية، حتى لو اعتمد الأساليب الكلاسيكية للتحليل التاريخي. حيث أصبح تأريخ العلاقات الدولية جزءا من التقاليد الوطنية. 

رغم ألم الفقدان، فإن أصدقاء الراحلة ومحبيها في إسبانيا والمغرب والعالم، يقبلون العزاء الذي يقدمه لهم عملها الرائد.

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا
أجهزة مخابرات وشركات علاقات عامة تتدخل لتعديل محتوى ويكيبيديا

حسن منيمنة

رغم اتضاح المسألة موضوعياً، قد لا يتمكن الجيل الجديد من الساعين إلى جمع المعارف وتوسيع الإطلاع من إدراك مدى الثورة التي تحققت لصالحه في العقود القليلة الماضية. أي لا يعقل بعد اليوم ألا تكون كامل المعرفة الإنسانية بمتناول من شاء، متى شاء، حيثما شاء، حتى على هاتفه النقال، هذا الجهاز الصغير المتوفر للجميع والذي يمكن من خلاله الولوج إلى العالم المعرفي بأسره أو تحميله للتوّ بأكبر الموسوعات.

لقد كان بالأمس على طالب العلم، وإن توفرت له الوسائل المادية السخية، أن يتحلى بوافر الصبر، وبارع الحذق، وأن يتحمل المشقات، للحصول على مادة موثوقة، أو للاطلاع على كتاب واحد في مكتبة نائية. أما اليوم فإن الشحة قد استحالت مداً جارفاً من الكتب والمنشورات والصوتيات والمرئيات والبيانات وغيرها، حاضرة لتنفي سنوات عديدة مما تحمّله صابر الأمس، بانتقالة نوعية لا يوازيها تاريخياً إلا ابتكار الحرف والتدوين الأول للكلام، ثم العبور من المخطوط إلى المطبوع. تعميم المعرفة أمر بديهي للجيل الجديد. أما لمن عايش هذا التحول من الجيل السابق، فالأمر أشبه بالمعجزة، بل بدخول الجنان.

تعيد هذه الوفرة المستحدثة طرح مسألة الإحاطة والمرجعية. فإذا كان المؤتَمن على هذه المسألة يوم الثورة المعرفية الأولى، أي عند ابتكار التدوين، شريحة الكتبة والتي ضبطتها وسيطرت عليها السلطة المركزية، فإن الطباعة، أي الثورة المعرفية الثانية، قد نقلت الائتمان إلى جهات خاصة أكثر عدداً وانتشاراً، المطابع والمكتبات ودور النشر، تتجاوز المركزية، ولكنها تبقى قابلة للتحديد والتقييم. أي أن إمكانية الإحاطة بالمعرفة استمرت بالإجمال، وإن ازدادت صعوبة، فيما بقي متيسراً الوثوق إلى مرجعيات معرفية محددة، من كتب وموسوعات ومجامع علمية.

أما اليوم، مع الثورة المعرفية الثالثة، ما يجري هو تعميم أوسع نطاقاً تتداخل فيه أدوار انتاج المعرفة واستهلاكها، بما ينقل مسألتي الإحاطة والمرجعية إلى مستويات غير مشهودة من التعقيد. الواقع الجديد يدعو إلى فض إشكاليات متعاظمة في أصول المعرفة وفروعها، كما في آليات التفاعل معها.

النظر هنا هو في آلية واحدة من هذه الآليات، ولكنها ربما الأعظم، «ويكيپيديا». من شأن هذه الموسوعة، المتوفرة بشكل حر ومجاني على مختلف المنصات، أن ترتقي لمقام أهم ظاهرة مرجعية توثيقية في تاريخ الإنسانية على الإطلاق. من يعتبر أن في الأمر مبالغة له أن يلحظ أن جوامع المعرفة السابقة، وأفضلها وأوسعها مادة لا تقترب من فتات ما تثابر على تحصيله «ويكيپيديا»، وقد تمّ استيعابها ضمن صفحات «الموسوعة الحرّة». وحيث يتعذر هذا الاستيعاب، لأسباب عملية أو قانونية، تحيل الروابط إلى المادة الخارجية، سواءاً كانت متاحة رقمياً، وهي أكثرها وإلى تعاظم، أو راقدة دون ترقيم على رفوف المكتبات، وهي أقلها وإلى تضاؤل.

على أن الفارق الأساسي بين «ويكيپيديا» والموسوعات المرجعية السابقة ليس في الحجم وكمية المواد، حيث «ويكيپيديا» متفوقة بأضعاف مضاعفة، إنما بمنهجية التحرير. هي منهجية صاغها بتفاصيلها الخاصة القائمون على هذا المشروع بالذات، ولكنها بشكلها العام هي تجاوب وحسب مع ما يقدّمه ويطلبه إطار الثورة المعرفية الجديدة. أي أنه كما كان الانتقال من المركزي إلى الخاص في الانتاج والاستهلاك المعرفيين من جوهر الثورة المعرفية السابقة، فإن الانتقال من الخاص إلى المعمّم هو الإطار المتكرر على مدى تجليات الثورة المعرفية الجديدة.

الموسوعات السابقة، قمة الثورة المعرفية القديمة، كانت تعتمد على هيئة علمية مؤلفة من شخصيات مشهود لها العمق والاطلاع في اختصاصها، تتولى مهمة الكتابة أو المراجعة والتدقيق لضمان مستوى مرتفع من الصحة والجودة في نصوص الموسوعة المعنية. أما «ويكيپيديا»، فمهمة ما يقابل هيئة التحرير لديها تقتصر على التأكد من سلامة بعض المعايير الإجرائية، جلّها يتعلق باستيفاء الأقوال المدرجة في الموسوعة للإحالات المرجعية، أما تحرير المضمون وضمان عدم ابتعاده عن الصحة، فمتروك للمساهمين. وباب المساهمة مفتوح للجميع، دون اعتبار للخلفية العلمية أو حتى الهوية. هي موسوعة يحرّرها من شاء، كيفما شاء. أليس هذا مدعاة للفساد فيها؟ القناعة هنا هي أنه بتعدد المتابعين والمساهمين، يمكن الوصول إلى التوازن في المضمون.

نظرياً، الغرض من هذه الموسوعة المفتوحة هو أن تكون أولاً مرجعية إحالة، لا مرجعية مضمون، وإن أوردت الكثير من المضمون. فالإصرار ضمن قواعد المساهمة هو على ألا يكون ما يذكر فيها بحثاً أصلياً، بل لا بد من أن تكون المادة المدرجة قد نشرت ومحّصت ورست على ما هي عليه في مصادر أخرى. ومهمة «ويكيپيديا» هي الإفادة عن مضمونها، وإن جاءت هذه الإفادة مختصرة أو حتى مضطربة، مع ثبات الإشارة إلى المصدر، بما يسمح بالرجوع الوثيق إليه، للتثبت والاعتماد.

ربما أن الفكرة تتضح ببعض المقارنة مع علوم الحديث. منهجية «ويكيپيديا» تصرّ على صحة السند قبل المتن، الرواية قبل الدراية، وتسعى في نهاية المطاف إلى أن يكون مضمونها متواتراً بما ينفي الحاجة إلى الحكم على الرواة بالجرح والتعديل.

ولكن الواقع غالباً ما يأتي مغايراً للنظرية. أي أن اللجوء الأول إلى «ويكيپيديا» ليس للاستفادة من إحالاتها، بل هو للاطلاع على ما تحويه من مضمون، رغم أن هذا المضمون قد لا يكون شاملاً، جامعاً مانعاً، بعيداً عن الهوى، ورغم أن من أقدم على استخلاصه من مصدره هو كاتب متوارٍ عن الأنظار. وهذا الكاتب المساهم قد يكون صادقاً مصيباً، وقد يكون صادقاً مخطئاً، أو كاذباً.

الاطمئنان هو إلى أنه، في معظم المواضيع الكبرى، وفي صلبها على أي حال، كثرة المساهمين والمتابعين تحقق الاقتراب من درجة عالية من الصدق والصواب، الصحة والسلامة. على أن الأبواب مفتوحة، في المواضيع الأقل بروزاً، كما في دقائق المواضيع الكبيرة ليس فقط للخطأ، بل كذلك للتدليس والتصحيف والتحريف.

يُقال، ولا مجال واسعاً للتحقق من صحة هذا القول، أن أجهزة مخابرات العديد من الدول تنشط لتبديل المضمون بما ينسجم مع رواياتها وسياساتها، ولا سيما في القضايا الخلافية. وعند مستوى عملي أضيق، فإن شركات «حماية السمعة»، المعنية بتجنيب عملائها محاذير تشويه الصورة، أو رداءتها، تنشط وإن عبر الوسطاء، تجنباً للحظر، لتنقيح ما يناسبها من المواد. وربما أن التعديلات السياسية والتجارية قد تطبّق بشكل احترافي يتعذر معه تبين حصولها. على أن ما يكثر، بين هذه وتلك، هي الحملات التي يعمل من خلالها ناشطون عقائديون لتلوين مضمون «ويكيپيديا» بما ينسجم مع قناعاتهم. يمكن  من خلال استقراء الهفوات والمبالغات والتبديلات في العديد من المواد استشفاف وجود «جيوش تحريرية»، ليست بالضرورة منظمّة بل أعمالها أقرب إلى «حرب العصابات»،  تنشط على مدى «ويكيپيديا» بلغاتها المتعددة، كما خارجها. روسية وأوكرانية متنافسة قبل الحرب ومعها، صينية مناصرة للصين الشعبية وأخرى داعمة لجماعة فالون دافا. وفيما يطال مسائل المنطقة العربية، إسرائيلية ساعية إلى تأكيد رواية الأحقية بالأرض، وإسلامية معنية باقتطاع التاريخ وإقصاره على الالتزام الناصع، باختزال وانتقائية يحاكيان مجهود زميلتها الإسرائيلية وإن اختلفت درجات النجاح، وكردية عاملة على الاستلحاقات القومية لاستيعاب ما أمكن، بما يماثل أفعال القومية العربية في القرن الماضي، وإيرانية تبذل ما بوسعها لتأكيد مقولة «إيران الحضارة الأولى»، طوعاً وكرهاً.

نماذج على هذا الأداء.

«الطبري مؤرخ عربي». بعد التصحيح هو «إيراني». الرجل، كما العديد من الذين استنسبهم الفكر القومي العربي في القرن الماضي، من أصول فارسية، مؤلفاته باللغة العربية، وليس ما يشير ألى أنه، خلافاً للشعوبيين، قد تورّط بمسائل المفاخرة القومية. هل هو عربي؟ ليس بالمعنى القومي بالتأكيد، وإن كان نتاجه من صميم التراث العربي. وإن جاء وصفه بالإيراني منضوياً على استعمال للكلمة خارج عن السياق التاريخي. هي مبالغة قومية، ولكنها ليست تجاوزاً. يدخل في التجاوز تصنيف «ألف ليلة وليلة» على أنه كتاب «إيراني»، بناءاً على أن الإطار القصصي هو في بلاد عجم متخيلة. لا أصل بالفارسية متوفر هنا، وسجل المخطوطات يتجول في مجال العربية على مدى قرون. ولكنه «كتاب إيراني» وفق ما أدرجه أحدهم دون اعتراض من غيره. دام عز إيران، في ألف ليلة وليلة، وإن بلغة الغير، وفي الخليج «الفارسي»، وأن أحاط به من ليسوا من الفرس.

«غوبكلي تپه» موقع اكتشف في العقود القليلة الماضية لمجمّع من معابد من ما قبل التاريخ المعروف بألفيات عدة، قرب مدينة أورفة التركية. الدولة هي تركيا، واللغة الرسمية فيها طبعاً التركية، أي أن اعتماد الاسم التركي للموقع الأثري القديم تلقائي وبديهي، دون افتراض أي علاقة ترابط لغوي لا وجود لها بالطبع لبعد المسافة الزمنية إلى ما قبل قدوم الأتراك إلى المنطقة بزمن سحيق. أورفة، أو الرها، مدينة متعددة اللغات والقوميات. اللغة الغالبة في أوساط أهلها هي العربية، ثم التركية. والناطقون بالتركية المحلية لسانهم أقرب إلى التركمانية. ثم الكردية. المادة في «ويكيپيديا»، بمعظم اللغات العالمية، تشير إلى موقع «غوبكلي تپه» باسمه التركي، ثم تلحقه بالصيغة الكردية. لا ذكر لصيغة عربية. لا إشكال في إدراج الصيغة الكردية طبعاً. المساهم الذي أدرجها سعى، عن حق، إلى تأكيد الحضور الكردي هنا، وربما إلى إظهار فكرة كردستان الراسخة في عمق التاريخ. ليس واجبه تقصي الصيغة العربية وإدراجها. ليست مسؤوليته إن غابت. ولكن ساعة يتكرر هذا الغياب، تتشكل صورة مجتزأة للواقع الاجتماعي واللغوي في المكان المعني، لتؤسس لتنافس وتناكف مستقبليين.

صلاح الدين الأيوبي، القائد العربي الذي حرّر القدس. هو كان كردياً في أصوله القومية، دون أن يتماهى ذلك لديه مع الوعي القومي الكردي المتنامي اليوم. ولكن بالتأكيد دون أن يتطابق مع الوعي القومي العربي السابق له، والذي كان قد استوعبه إلى حد امتعاض من كانت نشأتهم على هذا الوعي من المطالبة القومية الكردية به. أي أن التنافس والمناكفة سابقان للمعرفة المعمّمة.

أفول الطروحات القومية العربية ذات المنحى الاستيعابي قد أفسح المجال للعديد من الخطوات، التصحيحية في قصدها، باتجاه إعادة الاعتبار للخلفيات المتعددة التي كان قد طمسها التسطيح العروبي. على أن هذه الخطوات جاءت في العديد من الأحيان من جنس الفعل، استيعابية وتسطيحية بدورها. بعد الإفراط في المد، يأتي الإفراط في الجزر.

هذه النماذج، وغيرها الكثير، تشير إلى أن التوازن الذي افترضته «ويكيپيديا» على أساس التواتر لم يتحقق بعد. وقد لا يتحقق طالما أن المساهمات ليست متكافئة لا في العدد ولا في الزخم ولا في النية.

التصويب بالتأكيد ليس بإنشاء «جيش تحريري عربي» يضخ المواد «التصحيحية» لتحقيق التوازن، في المبالغات والتشويه وحسب. بل التصويب بالاستهلاك الراشد للمادة المطروحة انطلاقاً من إدراك واقع المعرفة المعمّمة. هي ارتقاء أكيد من الشحة، غير أن وفرتها تخمة، وهي إذ تزيل العديد من العوائق والمشقات التي كانت في درب الساعي إلى المعرفة، فإنها تنشئ وتضع الكثير غيرها من الإشكاليات والتعقيدات، الجلي منها والخفي.

بل يبدو أحياناً أن هذه الإشكاليات والتعقيدات، في مقارعة المد المعرفي الجارف تنفي المكاسب التي ظهرت مع الثورة المعرفية الثالثة. بدلاً من الاستماتة لتبين مادة بيانية واضحة أو للوصول إلى كتاب مطلوب، المعضلة أصبحت اليوم أي كتاب هو المفيد أو أية مادة هي المناسبة في ضوضاء الانهمار البياني الذي لا ينضب.

مهلاً، أيها الخازن ها هنا، هل أنت رضوان... أو هل إنك مالك؟

========================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).