Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قتل النساء.. أزمنة الوأد
قتل النساء.. أزمنة الوأد

محمد المحمود

عاش العالمُ العربي الشهرَ الماضي مشاهدَ قتل مُرْعِبة، طالت النساء خصوصا. ولعل أشهرها وأبشعها جريمة قتل طالبة جامعية في مدينة المنصورة المصرية. طبعا، الجرائم التي أعقبتها، أو التي تلك التي اكْتُشِفَت بعدها، كانت بمثابة التأكيد على السياق الذي لا يكتفي بمجرد القتل، بل يقوم ـ وعن وعي بذلك ـ بتحويل جريمة القتل إلى ما هو أشد بشاعة وألما؛ حينما يصبح القتل مَشْهدِيّاً/ مَسْرَحِيّاً، يَتَفنّن فيه الخيال المُتَوحِّش في ابتداع اللاَّمُتَوقّع، واللاّمُتَخَيّل أيضا. 

واضح جدا أن ليس القتل مُجَرَّدا (= إنهاء الحياة) هو المقصود في جريمة المنصورة، أو ليس هو المقصود بشكل أولي، بل المقصود هو إرسال رسالة خطيرة تحمل أعلى درجات الإرهاب ضد النساء. لا أعني أن القاتل كان يقصد جملة الإشارات في هذه الرسالة، وإنما أعني تحديدا أنه كان يُعَبِّر عن إرادة ثقافية كامِنة لممارسة أقصى درجات العنف مع النساء، مع النساء اللائي لا يَرضَين بالاستسلام لـ"ثقافة الوأد"، تلك الثقافة التي تعني إخضاع النساء لرغبات الرجال، سواء بإلغاء وجودهن من الفضاء العام، أو وضعهن ـ بصورة دائمة ـ تحت وصاية/ هيمنة الرجال. 

بشاعة الجريمة هنا تَتَمَسْرح بدرجتين/ بمستويين: الأول، مشهد العنف المرعب الذي تفنن القاتل في أدائه على مرأى من الجميع. والثاني، أنه عنف تجاه المرأة تحديدا، المرأة المستهدفة بالعنف في أكثر المجتمعات الإنسانية. وهو العنف الذي يجري بدرجات متفاوتة، إذ يبدأ من التمييز ضدها منذ لحظات الطفولة الأولى، وقد يصل أحيانا لمشاهد القتل المرعبة، مرورا بتعنيفها اللفظي والجسدي، فضلا عن حرمانها من الحقوق والحريات المضمونة للرجال في حدود السياق الثقافي للمجتمع.  

المستوى الأول، المتمثل في مَسْرَحَة القتل ليكون أكثر إرعابا وإرهابا، هو جزء من مَسْلكٍ راسخ في تاريخ العرب منذ جاهليتهم الأولى، عندما كان النعمان بن المنذر يتفنّن ـ لاهِياً ـ بجرائم القتل في يوم بؤسه الذي يقتل فيه أول من يُصَادفه في طريقه، مرورا بما فعلته هندُ بنت عتبة ـ في لحظات الانتقام الثأري ـ عندما كانت تَبقر بطونَ القتلى وتأكل أكبادهم، إلى ما فعله بُسْرُ بن أرطاة (أحد قواد معاوية) من قَتْل الأطفال ووضعهم في حجور أمهاتهم، إلى ما كان يفعله زياد بن أبية (والي معاوية على العراق) من قتل نساء الخوارج وصَلبهن عرايا (والمرأة الخارجية لا يُرعبها القتل؛ بقدر ما يُرْعِبها أن يكون جسدها العاري فرجة للناس بعد قتلها)، إلى تفنن الحجاج بن يوسف في التعذيب بأنواع، إلى دفن هشام بن عبد الملك غيلانَ الدمشقي حيا؛ بعدما قطع يديه ورجليه، وهي الفعلة ذاتها التي فعلها أبو جعفر المنصور مع ابن المقفع، إلى التَّنّور المُسَعَّر المُبَطّن بالمسامير، الذي اتخذه محمد بن عبدالملك الزّيات (وزير المعتصم والواثق) لتعذيب الناس، إلى ما فعله المعتضد العباسي بإشارة وزيره عُبَيد الله بن سليمان، عندما قبض على مجموعة من الناس توقّع أنها ضدّه، فأمر بصلب بعضهم، وتحريق بعضهم، وإغراق بعضهم الآخر؛ لأن العقوبة ـ كما يقول مُبَرّرا ـ تكون أكثر إرعابا وإرهابا عندما تتنوّع، إلى مشهد مقتل الحلاج وصلبه، ومقتل السهروردي...إلخ. 

وهنا، قد يَرُدّ أحدُهم بأن هذه المشاهد وأمثالها وما هو قريب منها،  لا يخلو منها تاريخ أمة من الأمم؛ حتى وإن اختلفت نِسبة ذلك بين أمةٍ وأخرى، وزمنٍ وآخر. وهذا صحيح، ولكن صحيح أيضا ـ وهو الأهم هنا ـ أن مواقف الأمم من مثل هذه الأفعال الواردة في تاريخها؛ مما فعله أسلافها، يختلف كثيرا.  

ليس وجود مثل هذه الأفعال ونسبتها في التاريخ هو المهم، بل المهم هو الموقف الثقافي العام (موقف الوعي الكلي) منها. فبينما تَرِد مثل هذه الأفعال في تواريخ الأمم المُتَحَضِّرَة مُدَانة ومُجَرَّمة، وممارسوها تتبع أسماءَهم نعوتُ الازدراء والاحتقار، نجد ـ وللأسف ـ الوعيَ العربيَ متصالحا مع هذه الأفعال ومع ممارسيها، بحيث جرى تطبيعها، وترميز فاعليها، وإدماجهم في نسق الأمجاد: كأبطال حرب، وكصانعي حضارة، وكمؤسسي أمبراطوريات، أو حتى السكوت عنهم في أحسن أحوال الخجل من عار التاريخ. 

أما في المستوى الثاني، أي كون المُسْتَهدَف بالعنف: امرأة، فهنا التسامح مع العنف من حيث المبدأ، يُضاف إليه تسامح آخر، مرتبط بكون الضحية: امرأة. والمرأة مستهدفة بالعنف أصالة في المجتمعات التقليدية. التسامح مع العنف جزء من التركيبة الثقافية الراسخة بعمق التاريخ/ تاريخ الأنا، والتسامح مع العنف عندما يكون عنفا ضد المرأة أشد رسوخا، فثمة مقصد خفي ـ واع وغير واعٍ ـ في إرهاب النساء؛ كجزء من آليات التَّحيّز لاستدامة الهيمنة الذكورية التي تحتفظ للذكور بكثير من صور الامتياز المادي والمعنوي.  

لا يعني هذا أن المجتمعات المتحضرة خالية من هذا العنف المُوَجَّه ضد النساء، وإنما المقصود أنه في المجتمعات التقليدية البدائية (بدائية على مستوى الوعي الكلي) راسخ، قد جرى تطبيعه وتأكيده، بينما في المجتمعات المتحضرة مُطارَد، قد جرى تجريمه وتأثيمه. والفارق بين النساء في المجتمع التقليدي والمجتمع المتحضر هو ذاته الفارق بين التطبيع والتجريم.   

هناك مشهد كاشف، رغم كونه مشهدا عابرا من جملة المشاهد التي حفّت بالمشهد الرئيس في جريمة قتل فتاة المنصورة، وهو ـ عندي ـ أشد إيلاما، وإرعابا، وأبعد خطرا من مشهد الجريمة ذاته. هذا المشهد الفرعي الهامشي كما يبدو، هو حجر الزاوية، لا في هذه الجريمة وحدها، بل في كل الجرائم المشابهة، بل وفي كل صور العنف ضد النساء. أقصد هنا: ذاك المشهد الذي يَبدأ بأن يَسأل أحدُ الإعلاميين جيرانَ القاتل عنه/ عن سلوكه، فيجب أحدهم ـ بكل هدوء، وبِنبراتٍ مُطْمَئنّة بدرجة الاعتياد الروتيني ـ أن القاتل لم يكن يُتَوقَّع منه أن يقوم بهذا؛ لأنه ـ وفق منطق المتحدّث ـ كان طيّبا وهادئا، وكان لا يُسْمع صوته إلا عندما يقوم بضرب أمّه وأخواته البنات، فتصرخ أمُّه مُسْتنجِدة. ثم يُكرّر أنه لا يسمع صوته إلا عندما يضرب أمّه وأخواته. وفي اللحظة نفسها، في وسط كلامه، يُعَلِّق الجارُ الآخر على هذا الكلام ـ وأيضا، بكل هدوء ـ بقوله: هي (أي ضربه لأمه وأخواته) مُجرّد حاجات بينهم، يعني خلافات عائلية داخلية. وبهذا السلوك العنفي الذي لا يخرج عن حدود جدران البيت، يصبح القاتل طيبا هادئا لا يُتوقّع منه العدوان !   

لاحظ، ثمة عنف أُسَري مَشهود، يصل الأمر بالشاب إلى ضرب أمه وأخواته حتى يتعالى صُرَاخُهن ويَسمع ذلك الجيران، ولكن، يبدو كل هذا ـ في الوسط الثقافي الحاضن للقاتل ـ شيئا طبيعيا؛ إلى درجة أنه لا ينفي صفة : "الطيبة"، ولا صفة "الهدوء" عنه، وبالتالي، لا يُتوقّع منه ارتكاب جريمة؛ لأن ما يفعله مع أمه وأخواته ليس جريمة، ولا ممهدا لجريمة، بل ولا هو سلوك يَشين فاعله، بل مجرد خلافات عائلية بين ذكور العائلة وإناثها، ومن الطبيعي جدا أن يضرب الذكور الإناث؛ حتى ولو كانت الأنثى هنا أمّاً ! 

لماذا أقول: إن هذا التسامح مع العنف عموما، ومع العنف ضد المرأة خصوصا، هو أشد من واقعة الجريمة ذاتها ؟ أقول ذلك لأن الجريمة على بشاعتها الفائقة تبقى مسلكا فرديا في النهاية، كما هي واقعة خاطفة، وقعت في لحظة لا يمكن استدراكها، ثم هي جريمة مُدَانة من الجميع بأقصى درجات الإدانة والاستبشاع. بينما التسامح مع العنف ضد المرأة يشي بالتطبيع الاجتماعي، ما يعني أنه عنف يُمَارس على ملايين النساء، ليس في حدث عابر نادر، بل في مسلك يومي أو شبه يومي، لا يقوم به مُجْرِمون مُدَانون يُسَاقون إلى أقصى صور العقاب المنصوص عليها قانونيا (كما في حادثة القتل)، بل يقوم به ـ أي العنف ضد النساء بما لا يصل درجة القتل ـ أناسٌ أسوياءُ في العرف الاجتماعي، أناسٌ ربما يَحظون بكثير من التقدير، بل ربما تمكّنوا من أدوات التأثير الاجتماعي المادية أو المعنوية؛ حتى ولو عَرفهم المجتمع بمثل هذا السلوك التعنيفي المشين، فهو قد يتسامح معهم؛ كما تسامح جيرانُ القاتل مع سلوكياته التي تتصل بالتعنيف الأسري. 

لكن، وفي معظم الأحوال، يبقى العنف المادي تجاه المرأة (في كل صوره، من الضرب والتعذيب، إلى القتل ومَسْرَحَة القتل) مُدَانا ومرفوضا على المستوى الاجتماعي. لا يجرؤ أحد على تبريره في صورة علنية صريحة؛ إلا فيما ندر. لهذا، فالأخطر من كل ما سبق، أي من "القتل" ومن "التعنيف المادي بالضرب والتعذيب" هي تلك الانتهاكات الشائعة لحقوق النساء، أقصد: الانتهاكات التي قد تصل القوانينُ لتجريمها، وقد لا تصل؛ لتعذّر إمكانية توصيفها ورصدها قانونيا. أي هي تلك الانتهاكات التي تفرضها المواضعات الاجتماعية؛ فتستسلم المرأة لها تحت وطأة الإكراه المعنوي ذي الطابع الشمولي. 

بمثل هذا الإكراه المعنوي الناعم (الذي قد يشوبه بعض الإكراه الخشن) هناك ـ في العالم العربي ـ ملايين النساء الممنوعات من التصرف بأموالهن وبخياراتهن العملية والمهنية، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على الزواج بِمَن لا يُرِدْن، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على صور من صور اللباس، هناك ملايين النساء المحرومات من ميراثهن، هناك ملايين النساء المَشلولات بالمراقبة الاجتماعية الصارمة التي تحسب عليهن أنفاسهن، هناك الملايين من النساء المُجْبَرَات على الحياة كخدم مُهَان لأزواجهن وأسرهن...إلخ ما أسميّه: "الوأد المُمَنهج" أو "القتل البطيء" أو "الإبادة الصامتة" للوجود الأنثوي في مستوى الكرامة المستحقة التي تتجاوز حدود ما تكفله الأنظمة والقوانين، إلى تخوم ما تشتغل عليه الثقافة بمفهومها العام/ الشامل.  

نعم، قد تستطيع المرأة التي سُلِبَ منها ميراثها ـ مثلا ـ أن تشكو السالبَ (وغالبا ما يكون أخا أو قريبا)، فتأخذ حقّها بالقانون، ولكن الثقافة المجتمعية ستجبرها على دفع الثمن أضعافا من وجودها الكلي. ما يعني أن الاشتغال على المُتَغيّرات الثقافية هو الفاصل في إجراء مُتَغيّرات نوعية بين واقع النساء المُمْتد بِعُمْق أزمنةِ الوأد في التاريخ العربي، وما يتطلعن إليه من واقع المساواة الكاملة بالرجال في زمن حديث، ولكن يتيم. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا
هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا

ابتهال الخطيب

سيكون هذا المقال، إذا وافقت الأقدار، مكمل لمقالات سابقة وبادئ لسلسلة من مقالات قادمة على الحرة تحمل ذات العنوان والتي تقدم قراءة في واقع النضال النسوي الحالي ونقداً لبعض ما أتصوره معطل "داخلي" للحراك ومعرقل له. ولقد حاولت أن أتجاوب وأتفاعل مع معظم ما وصل عبر تويتر من خلال الاستمرار في كتابة المقالات، وهذا أحدها، تفصيلاً لوجهة النظر، وتحاوراً حول ما يرد من تعليقات وتساؤلات وانتقادات وغضبات، ذلك أنني أعتقد أن استعراض الرأي دون التجاوب مع نقده هو صورة من صور التعالي غير الناجعة خصوصاً في النضالات الإنسانية وأن "الترفع عن الرد" هو مذهب ذكوري، لا شأن لنا كنساء به ولا ملتقى لأرواحنا بتكنينه المتعالي المتكبر.

وعليه، أعود للنقطة المفصلية التي سبق وأن تناولتها فكانت محل جدل والتي تتعامل مع أسلوب النضال وخصوصاً بين النساء بحد ذاتهن. أولاً لابد من تبيان أن الغضب والقسوة والصراخ (بل وحتى العنف والكراهية رغم أن بعض النسويات تستنكر استخدام التوصيفين في حين أن أخريات يقررن بهما ويجدنهما مبررين ومشرعنين الاستخدام) وكل وسائل التعبير النفسية والجسدية، مهما تشددت، هي مهمة جداً في أي نوع من أنواع النضال الإنساني الحقوقي، بلاها لن يلتفت العالم للمعاناة، ودون ما تخلقه كل هذه الوسائل من صخب، لن يعود الحق لأصحابه. ليس هناك عاقل، أو عاقلة، سيطالبون النساء بالهدوء والتروي والحكمة المستمرين أمام عنف ممنهج يُمارس عليهن ويهدر حيواتهن ويهدد أرواحهن بالمعنى الحرفي. تحمل النساء إرثاً ثقيلاً، نتناقله عبر الأجيال منذ فجر ظهور البشرية على سطح الأرض، حين كانت بدايتها مرتكزة على التكوينات المجتمعية الأمومية قصيرة الأمد "لتتدهور" إلى المجتمعات الذكورية البدائية التي مارست التعذيب والتجويع الممنهجين الَّذَيْن ينظر لهما على أنهما قد يكونا سبب الضعف الجسدي البيولوجي للنساء ولتنتهي بالمجتمعات الذكورية البحتة التي استعبدت نفسياً وفعلياً وعملياً النساء وحولتهن إلى مجرد أدوات تخدم الرجال وتبني مجتمعهم وتحقق نجاحاتهم. في العالم عموماً والشرق أوسطي تحديداً لا زالت الأبوية المسيطرة تضع النساء في خلفية المشهد دائماً، "فخلف كل رجل عظيم امرأة" وهن من "يفتحن الباب" ليُدخِلن الرجال، آباء أو أبناء، الجنة أو النار، وهن "المدرسة التي إن أعددتها" إلى آخرها من توصيفات تعرِّف هوية المرأة بالخدمة التي تقدمها للرجل. هذه العبودية الواضحة يصعب جداً التنازل عنها، فهي مدخر مهم للمجتمع الأبوي من حيث كونها مصدر دخل اقتصادي كبير كما ومصدر إشباع للأنا الذكورية التي تنمو وتزدهر ببرمجة النساء ليصبحن أداة للإشباع النفسي والجسدي والاجتماعي.

أتصور أن مقاومة مثل هذا الإرث البغيض وهذا العنف الممنهج والمستمر تبدأ من التعاضد النسائي والذي نحتاج أن نحققه بكل السبل وبأي الأثمان. من هنا كتبت مجموعة من المقالات والتغريدات التي تتعامل مع الخلافات النسوية والقسوة الحوارية التي تتفاعل بها بعض النساء مع بعضهن البعض، حيث إنه وفي عارض غضبهن المستحق على المجتمع وذكوريته، انطلقن بذات الغضبة تجاه بعضهن البعض، دون تقدير للاختلاف في الظروف والحيوات وبالتالي الآراء. إن أحد أقسى ظروف النضال النسوي هو الاختلافات الجذرية الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بين حيوات النساء، وأنهن محكومات إلى حد كبير بمؤسسات أبوية، كالقبيلة والأسرة والطائفة وانتماءات العرق والدم واللون وغيرها، مما يجعلهن منقسمات على بعضهن البعض بتصنيفات ذكورية لا تمت لواقعن النفسي والفكري بصلة. لو كان الأمر متروكاً للنساء لكانت المؤسسات التي تصنف البشر وتحكم العالم مختلفة تماماً، إلا أن واقعنا يضعنا تحت رحمة هذه التصنيفات الذكورية العنيفة والتي كثيراً ما نستخدمها تجاه بعضنا البعض كنساء، وفي ذلك أقسى تكسير لمجاديف العمل النسوي النضالي الشاق.

وخلاصة العنف الحواري هذا تتمثل في أن البعض من النساء تجد أنفسها في منتصف الطريق، بين أفكار أبوية غير قادرة على الفكاك منها أو قراءة دينية تكبلها أو مفاهيم قبلية أو عشائرية أو أسرية تجد لها صدى في روحها وبين الفكر النسوي التحرري. هذه النساء تجد الكثير من الاضطهاد في الحوار النسوي، حيث تتم محاكمتهن علناً بين الناشطات لعدم قدرتهن النفسية والفكرية على الفكاك من المنظومة تماماً. وقد لوحظ مؤخراً أن كل من تكتب على تويتر خارج سياق الغضب التام والثورة والتحطيم الكامل للمنهجة الأبوية، تعتبر نوعاً ما خائنة للحراك، وكأنها قد حادت عن الطريق "الحق" الأوحد للنضال، والذي هو ضرب من الخيال بالتأكيد. فطرق النضال وأساليبها وتعريفاتها وتطبيقاتها بل وحتى فلسفتها كلها تختلف باختلاف ظروفنا وحيواتنا وطرائق تفكيرنا. لا تبدو المساحة متاحة بشكل كاف لهذه الاختلافات بين النسويات العربيات اليوم الفاعلات على وسائل التواصل تحديداً، وهي الوسائل الأكثر انتشاراً وتأثيراً وتشكيلاً للانطباعات العامة، وفي هذا التضييق كل الخطورة على الحراك، فاعليته ونتائجه.

وأخيراً، أتاني أكثر من تعليق يشير إلى ضرورة أن أبقي الحوار في المساحة النسوية وأن أختار المنصة التي أتحدث من خلالها حتى لا يكون لأعدائنا مدخل علينا. أجد في مطلب "الستر" للفكرة والحوار نزعة أبوية قديمة في الواقع، فالنقد الذاتي ومراجعة الآراء يجب أن تكون مفتوحة على العالم أجمع، حيث لا يوجد حراك فاعل ومؤثر دون نقد ومراجعات علنية، يستفيد منها الناشطون في المساحة ويتبادلون من خلالها الآراء ويقارنونها بما يصلهم من خارج مساحتهم ومحيطهم ويتقدمون بها خطوة للأمام، دون إقصاء أو تخوين. لقد تعرض الناشطون وتحديداً الناشطات السود لذات الاتهامات إبان فترة نهضة هارلم، وأذكر تحديداً الكاتبة زورا نيل هيرستون، التي كثيراً ما كانت تتهم "بنشر غسيل" النساء السوداوات من خلال أعمالها الأدبية وخصوصاً روايتها العظيمة Their Eyes Were Watching God حيث اتهمت بعرض الواقع النسوي الأسود الداخلي بوضوح يشمت المجتمع الأبيض فيهن. إلا أنها وغيرها من الكاتبات السوداوات أكملن المسير واستطعن من خلال النقد الداخلي تحقيق انتصارات هائلة للمجتمع الأسود وتحديداً للمرأة السوداء. يحضرني كذلك تلقيي لذات اللوم حين انتقدت المعارضة الكويتية وتحديداً بذكر أهم رموزها، السيد مسلم البراك، قراءة في أسلوبه ومنهجيته، ليكون رد الفعل منطوياً على ذات الاعتراضات: المكان غير مناسب، الوقت غير مناسب، المساحة غير مناسبة، تكلمي، ستراً، مع المعارضة داخلياً وليس على الملأ، اختاري التوقيت الصحيح، إلى آخرها من المفاهيم التي أجدها غائرة في أبويتها وشرقيتها بتبنيها لمفهوم "الستر" الذي يمنع النقد الذاتي العلني و"يكمكم" الأخطاء في الظلام.

نحتاج وباستمرار لوقفات تقييمية علنية ونقد قاس للداخل النسوي قبل خارجه، ذلك أننا كلنا متفقات على النقد الخارجي، كلنا غاضبات، كلنا معانيات بدرجة أو بأخرى. لا يمكن أن نختلف كنساء على القاعدة الرئيسية: هناك جرح عميق في تاريخنا وقرح كبير في حيواتنا وكتم شديد لأنفاسنا، مجازاً وحقيقة. ولكن لنحقق أي إنجاز نحتاج أن نراجع تحركاتنا ونجمع أصواتنا ونستند على بعضنا البعض. لن يكون هناك أداة مؤثرة أقوى من أداة التعاضد النسائي، الحزمة تقف قوية دائماً، لا يكسرها شيء.

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).