Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

قتل النساء.. أزمنة الوأد
قتل النساء.. أزمنة الوأد

محمد المحمود

عاش العالمُ العربي الشهرَ الماضي مشاهدَ قتل مُرْعِبة، طالت النساء خصوصا. ولعل أشهرها وأبشعها جريمة قتل طالبة جامعية في مدينة المنصورة المصرية. طبعا، الجرائم التي أعقبتها، أو التي تلك التي اكْتُشِفَت بعدها، كانت بمثابة التأكيد على السياق الذي لا يكتفي بمجرد القتل، بل يقوم ـ وعن وعي بذلك ـ بتحويل جريمة القتل إلى ما هو أشد بشاعة وألما؛ حينما يصبح القتل مَشْهدِيّاً/ مَسْرَحِيّاً، يَتَفنّن فيه الخيال المُتَوحِّش في ابتداع اللاَّمُتَوقّع، واللاّمُتَخَيّل أيضا. 

واضح جدا أن ليس القتل مُجَرَّدا (= إنهاء الحياة) هو المقصود في جريمة المنصورة، أو ليس هو المقصود بشكل أولي، بل المقصود هو إرسال رسالة خطيرة تحمل أعلى درجات الإرهاب ضد النساء. لا أعني أن القاتل كان يقصد جملة الإشارات في هذه الرسالة، وإنما أعني تحديدا أنه كان يُعَبِّر عن إرادة ثقافية كامِنة لممارسة أقصى درجات العنف مع النساء، مع النساء اللائي لا يَرضَين بالاستسلام لـ"ثقافة الوأد"، تلك الثقافة التي تعني إخضاع النساء لرغبات الرجال، سواء بإلغاء وجودهن من الفضاء العام، أو وضعهن ـ بصورة دائمة ـ تحت وصاية/ هيمنة الرجال. 

بشاعة الجريمة هنا تَتَمَسْرح بدرجتين/ بمستويين: الأول، مشهد العنف المرعب الذي تفنن القاتل في أدائه على مرأى من الجميع. والثاني، أنه عنف تجاه المرأة تحديدا، المرأة المستهدفة بالعنف في أكثر المجتمعات الإنسانية. وهو العنف الذي يجري بدرجات متفاوتة، إذ يبدأ من التمييز ضدها منذ لحظات الطفولة الأولى، وقد يصل أحيانا لمشاهد القتل المرعبة، مرورا بتعنيفها اللفظي والجسدي، فضلا عن حرمانها من الحقوق والحريات المضمونة للرجال في حدود السياق الثقافي للمجتمع.  

المستوى الأول، المتمثل في مَسْرَحَة القتل ليكون أكثر إرعابا وإرهابا، هو جزء من مَسْلكٍ راسخ في تاريخ العرب منذ جاهليتهم الأولى، عندما كان النعمان بن المنذر يتفنّن ـ لاهِياً ـ بجرائم القتل في يوم بؤسه الذي يقتل فيه أول من يُصَادفه في طريقه، مرورا بما فعلته هندُ بنت عتبة ـ في لحظات الانتقام الثأري ـ عندما كانت تَبقر بطونَ القتلى وتأكل أكبادهم، إلى ما فعله بُسْرُ بن أرطاة (أحد قواد معاوية) من قَتْل الأطفال ووضعهم في حجور أمهاتهم، إلى ما كان يفعله زياد بن أبية (والي معاوية على العراق) من قتل نساء الخوارج وصَلبهن عرايا (والمرأة الخارجية لا يُرعبها القتل؛ بقدر ما يُرْعِبها أن يكون جسدها العاري فرجة للناس بعد قتلها)، إلى تفنن الحجاج بن يوسف في التعذيب بأنواع، إلى دفن هشام بن عبد الملك غيلانَ الدمشقي حيا؛ بعدما قطع يديه ورجليه، وهي الفعلة ذاتها التي فعلها أبو جعفر المنصور مع ابن المقفع، إلى التَّنّور المُسَعَّر المُبَطّن بالمسامير، الذي اتخذه محمد بن عبدالملك الزّيات (وزير المعتصم والواثق) لتعذيب الناس، إلى ما فعله المعتضد العباسي بإشارة وزيره عُبَيد الله بن سليمان، عندما قبض على مجموعة من الناس توقّع أنها ضدّه، فأمر بصلب بعضهم، وتحريق بعضهم، وإغراق بعضهم الآخر؛ لأن العقوبة ـ كما يقول مُبَرّرا ـ تكون أكثر إرعابا وإرهابا عندما تتنوّع، إلى مشهد مقتل الحلاج وصلبه، ومقتل السهروردي...إلخ. 

وهنا، قد يَرُدّ أحدُهم بأن هذه المشاهد وأمثالها وما هو قريب منها،  لا يخلو منها تاريخ أمة من الأمم؛ حتى وإن اختلفت نِسبة ذلك بين أمةٍ وأخرى، وزمنٍ وآخر. وهذا صحيح، ولكن صحيح أيضا ـ وهو الأهم هنا ـ أن مواقف الأمم من مثل هذه الأفعال الواردة في تاريخها؛ مما فعله أسلافها، يختلف كثيرا.  

ليس وجود مثل هذه الأفعال ونسبتها في التاريخ هو المهم، بل المهم هو الموقف الثقافي العام (موقف الوعي الكلي) منها. فبينما تَرِد مثل هذه الأفعال في تواريخ الأمم المُتَحَضِّرَة مُدَانة ومُجَرَّمة، وممارسوها تتبع أسماءَهم نعوتُ الازدراء والاحتقار، نجد ـ وللأسف ـ الوعيَ العربيَ متصالحا مع هذه الأفعال ومع ممارسيها، بحيث جرى تطبيعها، وترميز فاعليها، وإدماجهم في نسق الأمجاد: كأبطال حرب، وكصانعي حضارة، وكمؤسسي أمبراطوريات، أو حتى السكوت عنهم في أحسن أحوال الخجل من عار التاريخ. 

أما في المستوى الثاني، أي كون المُسْتَهدَف بالعنف: امرأة، فهنا التسامح مع العنف من حيث المبدأ، يُضاف إليه تسامح آخر، مرتبط بكون الضحية: امرأة. والمرأة مستهدفة بالعنف أصالة في المجتمعات التقليدية. التسامح مع العنف جزء من التركيبة الثقافية الراسخة بعمق التاريخ/ تاريخ الأنا، والتسامح مع العنف عندما يكون عنفا ضد المرأة أشد رسوخا، فثمة مقصد خفي ـ واع وغير واعٍ ـ في إرهاب النساء؛ كجزء من آليات التَّحيّز لاستدامة الهيمنة الذكورية التي تحتفظ للذكور بكثير من صور الامتياز المادي والمعنوي.  

لا يعني هذا أن المجتمعات المتحضرة خالية من هذا العنف المُوَجَّه ضد النساء، وإنما المقصود أنه في المجتمعات التقليدية البدائية (بدائية على مستوى الوعي الكلي) راسخ، قد جرى تطبيعه وتأكيده، بينما في المجتمعات المتحضرة مُطارَد، قد جرى تجريمه وتأثيمه. والفارق بين النساء في المجتمع التقليدي والمجتمع المتحضر هو ذاته الفارق بين التطبيع والتجريم.   

هناك مشهد كاشف، رغم كونه مشهدا عابرا من جملة المشاهد التي حفّت بالمشهد الرئيس في جريمة قتل فتاة المنصورة، وهو ـ عندي ـ أشد إيلاما، وإرعابا، وأبعد خطرا من مشهد الجريمة ذاته. هذا المشهد الفرعي الهامشي كما يبدو، هو حجر الزاوية، لا في هذه الجريمة وحدها، بل في كل الجرائم المشابهة، بل وفي كل صور العنف ضد النساء. أقصد هنا: ذاك المشهد الذي يَبدأ بأن يَسأل أحدُ الإعلاميين جيرانَ القاتل عنه/ عن سلوكه، فيجب أحدهم ـ بكل هدوء، وبِنبراتٍ مُطْمَئنّة بدرجة الاعتياد الروتيني ـ أن القاتل لم يكن يُتَوقَّع منه أن يقوم بهذا؛ لأنه ـ وفق منطق المتحدّث ـ كان طيّبا وهادئا، وكان لا يُسْمع صوته إلا عندما يقوم بضرب أمّه وأخواته البنات، فتصرخ أمُّه مُسْتنجِدة. ثم يُكرّر أنه لا يسمع صوته إلا عندما يضرب أمّه وأخواته. وفي اللحظة نفسها، في وسط كلامه، يُعَلِّق الجارُ الآخر على هذا الكلام ـ وأيضا، بكل هدوء ـ بقوله: هي (أي ضربه لأمه وأخواته) مُجرّد حاجات بينهم، يعني خلافات عائلية داخلية. وبهذا السلوك العنفي الذي لا يخرج عن حدود جدران البيت، يصبح القاتل طيبا هادئا لا يُتوقّع منه العدوان !   

لاحظ، ثمة عنف أُسَري مَشهود، يصل الأمر بالشاب إلى ضرب أمه وأخواته حتى يتعالى صُرَاخُهن ويَسمع ذلك الجيران، ولكن، يبدو كل هذا ـ في الوسط الثقافي الحاضن للقاتل ـ شيئا طبيعيا؛ إلى درجة أنه لا ينفي صفة : "الطيبة"، ولا صفة "الهدوء" عنه، وبالتالي، لا يُتوقّع منه ارتكاب جريمة؛ لأن ما يفعله مع أمه وأخواته ليس جريمة، ولا ممهدا لجريمة، بل ولا هو سلوك يَشين فاعله، بل مجرد خلافات عائلية بين ذكور العائلة وإناثها، ومن الطبيعي جدا أن يضرب الذكور الإناث؛ حتى ولو كانت الأنثى هنا أمّاً ! 

لماذا أقول: إن هذا التسامح مع العنف عموما، ومع العنف ضد المرأة خصوصا، هو أشد من واقعة الجريمة ذاتها ؟ أقول ذلك لأن الجريمة على بشاعتها الفائقة تبقى مسلكا فرديا في النهاية، كما هي واقعة خاطفة، وقعت في لحظة لا يمكن استدراكها، ثم هي جريمة مُدَانة من الجميع بأقصى درجات الإدانة والاستبشاع. بينما التسامح مع العنف ضد المرأة يشي بالتطبيع الاجتماعي، ما يعني أنه عنف يُمَارس على ملايين النساء، ليس في حدث عابر نادر، بل في مسلك يومي أو شبه يومي، لا يقوم به مُجْرِمون مُدَانون يُسَاقون إلى أقصى صور العقاب المنصوص عليها قانونيا (كما في حادثة القتل)، بل يقوم به ـ أي العنف ضد النساء بما لا يصل درجة القتل ـ أناسٌ أسوياءُ في العرف الاجتماعي، أناسٌ ربما يَحظون بكثير من التقدير، بل ربما تمكّنوا من أدوات التأثير الاجتماعي المادية أو المعنوية؛ حتى ولو عَرفهم المجتمع بمثل هذا السلوك التعنيفي المشين، فهو قد يتسامح معهم؛ كما تسامح جيرانُ القاتل مع سلوكياته التي تتصل بالتعنيف الأسري. 

لكن، وفي معظم الأحوال، يبقى العنف المادي تجاه المرأة (في كل صوره، من الضرب والتعذيب، إلى القتل ومَسْرَحَة القتل) مُدَانا ومرفوضا على المستوى الاجتماعي. لا يجرؤ أحد على تبريره في صورة علنية صريحة؛ إلا فيما ندر. لهذا، فالأخطر من كل ما سبق، أي من "القتل" ومن "التعنيف المادي بالضرب والتعذيب" هي تلك الانتهاكات الشائعة لحقوق النساء، أقصد: الانتهاكات التي قد تصل القوانينُ لتجريمها، وقد لا تصل؛ لتعذّر إمكانية توصيفها ورصدها قانونيا. أي هي تلك الانتهاكات التي تفرضها المواضعات الاجتماعية؛ فتستسلم المرأة لها تحت وطأة الإكراه المعنوي ذي الطابع الشمولي. 

بمثل هذا الإكراه المعنوي الناعم (الذي قد يشوبه بعض الإكراه الخشن) هناك ـ في العالم العربي ـ ملايين النساء الممنوعات من التصرف بأموالهن وبخياراتهن العملية والمهنية، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على الزواج بِمَن لا يُرِدْن، هناك ملايين النساء المُجْبَرات على صور من صور اللباس، هناك ملايين النساء المحرومات من ميراثهن، هناك ملايين النساء المَشلولات بالمراقبة الاجتماعية الصارمة التي تحسب عليهن أنفاسهن، هناك الملايين من النساء المُجْبَرَات على الحياة كخدم مُهَان لأزواجهن وأسرهن...إلخ ما أسميّه: "الوأد المُمَنهج" أو "القتل البطيء" أو "الإبادة الصامتة" للوجود الأنثوي في مستوى الكرامة المستحقة التي تتجاوز حدود ما تكفله الأنظمة والقوانين، إلى تخوم ما تشتغل عليه الثقافة بمفهومها العام/ الشامل.  

نعم، قد تستطيع المرأة التي سُلِبَ منها ميراثها ـ مثلا ـ أن تشكو السالبَ (وغالبا ما يكون أخا أو قريبا)، فتأخذ حقّها بالقانون، ولكن الثقافة المجتمعية ستجبرها على دفع الثمن أضعافا من وجودها الكلي. ما يعني أن الاشتغال على المُتَغيّرات الثقافية هو الفاصل في إجراء مُتَغيّرات نوعية بين واقع النساء المُمْتد بِعُمْق أزمنةِ الوأد في التاريخ العربي، وما يتطلعن إليه من واقع المساواة الكاملة بالرجال في زمن حديث، ولكن يتيم. 

===============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

سوق شعبي في تونس - صورة تعبيرية. أرشيف
سوق شعبي في تونس حيث يمارس "البرّاح" مهنته

نضال منصور

تونس على مفترق طرق قُبيل أيام من الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية، والدعوات للمظاهرات في 14 من يناير الحالي ذكرى سقوط الرئيس الأسبق، زين العابدين بن علي، وما سُمي "إحياء الثورة والانتصار لقيمها".

السلطة والمعارضة في تونس تعيش الأزمة، فالمعارضة بتلاوينها المختلفة لم تستطع أن تُجبر الرئيس، قيس سعيد، على التراجع عن مشروعه السياسي، والرئيس أصيب بخيبة أمل بعد استنكاف الأغلبية الشعبية عن الذهاب لصناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر ديسمبر الماضي، حتى يأخذ المسار السياسي الذي مضى به مشروعية شعبية.

الأزمة عناوينها سياسية، وواقع الحال أن الوضع الاقتصادي الطاحن هو الخطر الأكبر، وهو ما يُهدد الحكم في تونس أكثر من بيانات المعارضين، وأصواتهم الهادرة، فالتضخم وصل نهاية العام الماضي إلى 10 في المئة، وأسعار الغذاء ارتفعت 14 في المئة، وكثير من السلع اختفت من الأسواق، عدا عن أزمة الوقود التي تتزايد، وعلى وقع هذه المعاناة المعيشية أطاح الرئيس سعيد بوزيرة التجارة وتنمية الصادرات، ولم تُعلن أسباب الإقالة رغم كثرة الشائعات.

حتى الآن لا تلوح بالأفق مبادرات لتفاهمات وحلول بين السلطة والمعارضة، ورغم أن نسبة الذين صوتوا بالانتخابات في دورتها الأولى لم تصل 12 في المئة، وهو ما اعتبرته أحزاب المعارضة فشلا لمشروع الرئيس، وفقدان لشرعيته الانتخابية، وطالبته بالاستقالة، ودعت لانتخابات رئاسية مُبكرة، فإن أكثر المؤشرات توحي بأن الرئيس لن يعود للوراء، وستكتمل الانتخابات بدورتها الثانية في العشرين من هذا الشهر، فالمعارضة الداخلية وحدها لا تستطيع أن تلوي ذراع الرئيس، ما دامت الحواضن الإقليمية والدولية تغض النظر، أو لم تتخذ موقفا معارضا شديدا، فإن الأجندة السياسية للسلطة ستبقى على ما هي عليه، وقراءة الموقف الأميركي تكفي لاسترخاء الحكم في تونس، فهي وصفت الانتخابات بأنها خطوة أولى نحو استعادة المسار الديمقراطي للبلاد، وعلى الهامش نوهت إلى أن امتناع القوى عن التصويت يُعزز الحاجة إلى توسيع المشاركة السياسية في الأشهر المقبلة.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم يأتِ على ظهر دبابة حقيقة تعرفها المعارضة، وشاهدها العالم، فالناس اختارته لأنها "كفرت" بالطبقة السياسية التي تداولت السلطة في عشرية ما بعد "ثورة الياسمين"، وجلبت المنافع لنفسها على حساب الناس، والحال الذي وصلت له تونس من انهيار اقتصادي، ولا مبالاة المجتمع بالعملية السياسية، والانتخابية هو الاستحقاق، والثمن للفشل في إدارة البلاد في السنوات العشر الماضية.

حتى لو توحدت المعارضة في شعاراتها، وبرامجها، وخرجت في الاحتجاجات ضد سياسات الحكم الأسبوع المقبل، فإنها لن تُسقط الرئيس، ودورة الإعادة في الانتخابات للحصول على الأغلبية المطلقة ستكتمل في 133 دائرة، وفي وقت قريب سيكون هناك برلمان مُنتخب في تونس يُحاجج بشرعيته الرئيس سعيد، ويُقدمه للمجتمع الدولي كثمرة لمشروعه السياسي، وربما لن يتوقف العالم كثيرا عند نسبة الناخبين، ولن يقارنوها بنسب التصويت التي وصلت في انتخابات عام 2019 إلى 41 في المئة، وتعدت 69 في المئة عام 2014، وقد يتوقفون عند تصريحات لافتة لعميد المحامين السابق، إبراهيم بودربالة، وهو أحد المرشحين للانتخابات الحالية، إذ يتفق أن هناك ضعف في المشاركة بالانتخابات، لكنه يؤكد أنها كانت نزيهة مقارنة بما جرى في العقد الماضي حين لعب المال الفاسد دورا قذرا في شراء ذمم ناخبين.

لا يقف الرئيس قيس سعيد مكتوف الأيدي أمام الحملات التي تُحاصره، وتحاول أن تعزله، أو تسعى لإفشال مساره السياسي، فهو يقول خلال لقائه بالحكومة "هناك من يحاولون تعطيل سير الناس لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتوزيع الأموال الطائلة لتأجيج الأوضاع، وضرب استقرار تونس"، ويُتابع "أمن الدولة، والسلم المجتمعي لا يمكن أن يترك من يسعى يائسا إلى ضربها خارج دائرة المساءلة والجزاء".

يقوم الرئيس بخطوات استباقية لقطع الطريق على المعارضة التي تُشكك بشرعيته، والملاحقات القضائية ضد رموز سياسية لا تخرج عن سياق معركة عض الأصابع بين الطرفين، ورغم الرفض المدني والسياسي، فإن مآلاتها لا تُعرف.

أحزاب المعارضة ليست موحدة، غير أن مواقفها حازمة في معارضة نهج الرئيس، ومشروعه السياسي، ويذهب الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي، إلى القول "رئيس الجمهورية في عزلة، وهو يبحث عن شمّاعات ليُعلق عليها إخفاقه، والرئيس يبرع في اتهام الآخرين دون أدلة، والمسار الانتخابي فاشل، حيث أدار 90 في المئة من التونسيين ظهورهم له، ومسار 25 يوليو يتخبط، ويترنح، وهذا النهج وصل إلى نهايته".

ورئيس جبهة الإنقاذ الوطني، أحمد نجيب الشابي، وصف الانتخابات بالمهزلة، داعيا الرئيس لتقديم استقالته، وإجراء انتخابات مبكرة.

تضييق الخناق على المعارضة لم يتوقف عند توقيف رئيس الحكومة الأسبق، علي العريض، فيما عُرف بقضية تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، أو تأجيل النظر في القضية المتهم بها رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، وصهره، وسُميت بـ "اللوبينغ" وتتعلق بتلقي دعم خارجي لتغطية الحملات الانتخابية، وإنما امتدت مؤخرا إلى إحالة رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والرئيس الأسبق للجمهورية، منصف المرزوقي، وقيادات سياسية أخرى بتهمة الاعتداء على الأمن، وإهانة الرئيس، واستخدم قانون جديد لمكافحة جرائم الاتصال والمعلومات، وكذلك أحيل رئيس الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات المحامي، العياش الهمامي، إلى التحقيق من طرف وزيرة العدل بتهمة استخدام أنظمة الاتصال لنشر إشاعات كاذبة.

لا يبدو الرئيس سعيد مهتما، أو قلقا من الانتقادات التي تُكال له لاستخدامه مراسيم تُقيد الحريات العامة، وتقديمه كحاكم يوصف بالاستبداد، والتفرد بالسلطة، ما دامت القوى الأساسية في المجتمع التونسي تترك الأبواب مواربة للوصول إلى حلول توافقية.

الاتحاد العام للشغل حتى الآن لم يدخل في مكاسرة سياسية مع الرئيس والسلطة، رغم أن بياناته تُظهر حالة من عدم الرضى، فالأمين العام، نور الدين الطبوبي، في موقف بعد الانتخابات اعتبرها تفتقر للمصداقية والشرعية، ووصف السلطة بأنها حكم رئاسي مُنغلق، وقانون الانتخابات كرّس الإقصاء.

الاتحاد العام للشغل سجل ملاحظات وانتقادات، أبرزها أن خيار الحكومة بحصر مصادر التمويل للميزانية العمومية بالقروض الخارجية سياسة خرقاء، تُرهن البلاد، وتُغرقها في الديون، وعزا تدهور القدرة الشرائية للتونسيين والتونسيات إلى الخضوع للوبيات، والمضاربة.

قد يكون الاستنكاف عن الانتخابات البرلمانية جاء بما لا تشتهي سفن الرئيس، ولكن من يصف نتائج الانتخابات بأنها شهادة وفاة لمشروع الرئيس السياسي لا ينظر للداخل والخارج بعيون ثاقبة، ولم يُدرك أن حسابات المصالح الإقليمية والدولية تتقدم دائما على شعارات المبادئ.

ربما يصلح أن تُقرأ عناوين صحيفتي "لاكروا"، و"لوفيغارو" الفرنسيتين حين اعتبرتا مقاطعة 90 في المئة من التونسيين للانتخابات خيبة أمل سياسية، وفشل مدوٍ ينقل تونس لطريق مسدود، وهنا يكمن لبّ المشكلة، فلم تتبلور حتى الآن مبادرات إنقاذ تبني جسرا بين السلطة التي تقود البلاد، والمعارضة التي تحشد الشارع، وتُطالب الرئيس بالرحيل.

الخنادق والمسافة بين الفريقين تبدو متباعدة، ومتناحرة، فاتجاه في السلطة ينظر للعقد الماضي منذ سقوط الرئيس الأسبق بن علي باعتباره "عشرية سوداء" جرفت تونس نحو الانهيار السياسي والاقتصادي، وهؤلاء لا ينظرون للمُنجز الديمقراطي، ويعتبرون جُل ما حدث تقاسم للمغانم بين تيار الإسلام السياسي (النهضة) والقوى الأخرى (يسارية، وقومية، وعلمانية)، إضافة إلى طبقة رجال الأعمال.

أطراف في المعارضة تملك تصورا للاستحقاقات التي وقعت منذ ما تعتبره انقلاب الرئيس على المسار الديمقراطي، وترى أن الدولة العميقة التي حكمت في العقود الماضية ما قبل عام 2011 استحكمت بالمشهد من جديد، وهي تحظى برعاة، ومساندين إقليميين ودوليين يدعمون أن يذهب الرئيس منفردا لبناء واقع سياسي واقتصادي جديد بعيدا عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية، وفي طريق ذلك يجري إضعاف العمل الحزبي، وإقصائه، وتدجين النقابات، والسيطرة عليها، أو احتوائها، وهذا يُمهد الوضع للقبول بسياسات اقتصادية يرعاها صندوق النقد، والبنك الدولي، وتُضعف الأصوات المعارضة لنهج التطبيع، ويُحكم الفضاء العام، ويوضع تحت السيطرة، وبهذا فإن مشروع "الربيع العربي" كله، وآخره تونس يذهب إلى الزوال، ويصبح من الماضي.

لو كان هناك "بحبوحة" اقتصادية في تونس، لما وجد الرئيس سعيد صعوبة في تمرير أجندته دون ضوضاء، لكن الأزمة الاقتصادية، وضنك الحياة التي يعيشها الناس تجعل الخبز مُقدما على الحرية والديمقراطية، وهو ما يُعطي المعارضة أسلحة للنيل من الحكم، وأصوات متعددة ترى أن تفاقم الغلاء يدفع البلاد نحو الكارثة، وموافقة صندوق النقد على قرض لا يتجاوز ملياري دولار ليس طوق نجاة، فالأمر أكثر تعقيدا، والحلول لم تطفُ على السطح بعد.

=======================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).